مائة عام من الخيبة

عادل أحمد شريفي

2020.07.25 - 11:58
Facebook Share
طباعة



 في الذكرى المائة لدخول غورو إلى دمشق، واطئاً بسلاسل مجنزراته كل القوانين الدّوليّة -آنذاك- وعصبة الأمم، والمئات من الشّهداء، والأحلام، والرؤى. نستذكر بألمٍ جمٍ، مائة عامٍ من التّملّص من سلطة عثمانية بغيضة تعتمر "القلبق!"، لنقع تحت وطأة امبرياليّة نهمة تعتمر "الشّابو!".
التّاريخ "ملهاة" أمميّة يكتبها الأقوياء، فمن يتتبّع مجريات الأحداث التي عصفت بمنطقتنا أوائل القرن الماضي، وكيف استغلّت (الأمم المتحضّرة) ثورة الشّعوب العربيّة على المحتلّ التّركي، لتأطّرها قبل أن تأخذ فرصتها في تحديد الهويّة الذي -ربّما لو تركت تبرمج ذاتها بذاتها- كان ليعطيها فرصةً كبرى في حياة كريمةٍ حرّة موحدة من المحيط إلى الخليج، ولكن هيهات أن تترك منابع النّفط تغذّي أهلها، فالمجموعة النّاهبة كانت قد أعدّت براميلها الفارغة، وهيّأت خزائنها للاستيلاء على "المجيديّات" الذّهبيّة المتبقيّة في أيدي العرب، فكانت مراسلات "حسين - ماكماهون"، التي وعدت بإنشاء دولة عربيّة تحت حكمه، مستبقةً أيّ خيارٍ ديموقراطي آخر للمنطقة، لكنّها أخلفت وعدها للعرب مقابل وفائها بوعد "بلفور"، فتحرّكت ماكينات الحرب الأوروبيّة بحجّة مواكبة القوّات العربيّة التي بدأت حربها على السّلطنة العثمانيّة، فنزلت قوّات غورو الفرنسيّة في اللاذقيّة وبيروت، ونزلت قوات الليمبي الانكليزيّة في القدس وحيفا، وبدأت بالتّمدد شيئاً فشيئاً، حتّى دنت ساعة الصّفر معلنةً الإنذار المشؤوم، ومن ملك شكلي مصطنع كفيصل يوافق على مثل هذا الإنذار؟ فكان حلّ الحكومة والجيش العربي، الأمر الذي لم يقبل به غورو مع أنّ فيه استجابة كاملة لجميع بنوده بحجّة أنّه جاء متأخراً، وبدأ زحف الفيالق الفرنسية من بيروت إلى دمشق، وسط إعداد فيصل للهروب وإخلاء الرّقعة تاركاً المسؤولين السوريين لمصيرهم.
بما تبّقى من جيش فتي (حوالي أربعين ضابطاً وخمسمائة جندي، وبضعة ألاف من المتطوّعين الذين حاربوا العثمانيين قبل سنتين، وبضعة رشاشات، ومدفعيّة بالية) توجّه وزير الحربيّة الزّعيم يوسف العظمة لملاقاة الفرنسيين في ميسلون قائلاً: "لست أخشى على نفسي، وإنّما أخشى على هذه الأمّة".
كانت نتيجة المعركة محسومة سلفاً، فالغربيّون أجبن من أن يواجهونا في معركة متكافئة، أو حتّى شبه متكافئة (لم يصمد جيش فرنسا العتيد أمام الزّحف النّازي بعد أقلّ من عشرين عاماً سوى أربعة أيّام)، ونحن الآن لسنا في صدد الحديث عن تلك المعركة ومن استشهد فيها ولماذا، الغاية هي لمَ لا يتركوننا وشأننا نقرر مصيرنا؟ لم أعطوا رايتنا لملك غرٍ لم ينتخبه أحد؟ لمَ لمْ يقدّموا المشورة والدّعم لدولة ناشئة لم تعلن الحرب على أحدٍ، كما قدّموها لكيانٍ غاصبٍ اصطنعوه ليقضم ما حوله؟
أظن أن الأجوبة معروفة، مائة عامٍ ودوّامة الحرب دائرة، والإمكانيات المهولة التي بُددت لم تتوفّر لأمّة أخرى في التّاريخ، فالإسبان مثلاً استطاعوا خلال أقلّ من نصف قرن أن يتحوّلوا من أمّة خاضعةٍ محتّلة من قبل العرب، إلى أقوى امبراطوريّة قرصنة بحريّة في التاريخ بإمكانياتٍ لا توازي 1/100000 من إمكانيّات الأمّة العربيّة المبددة على مدى مائة عام، ولا ندري إذا كان التقهقر سيتوقف يوماً.
سقوط دمشق، والقدس، كسقوط بغداد وطرابلس الغرب فيما بعد، كلّ ذلك تمّ عبر نقلات شطرنجيّة ببيادق محليّة، وسيبقى -مادام الحال هكذا- يدوّي في الأجواء صوت الوزراء الغربيين "كش ملك".....

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6