قاتل غسان كنفاني من لحمه ودمه

عادل شريفي

2020.07.09 - 09:31
Facebook Share
طباعة



 عندما نستذكر فقيد القلم غسان كنفاني في ذكرى استشهاده، نرى أنّه لزاماً علينا أن نعيد نبش قضيّةٍ يتمنّى المطّبعون نسيانها! إنّ الخلاف فيما بيننا وبين الإسرائيلي ليس نزاعاً قضائياً على قطعة أرض -كما يحبّ البعض تصويرها بسخفٍ شديد- وليس مسألة اختلافٍ في العقيدة، أو وجهات النّظر حتّى نجلس ونحلّها باتفاق رجالٍ لطفاء، بل هناك مسألة وجوديّة كاملة تختزلها القضيّة الفلسطينيّة، صراع حضاري متشعّب الأبعاد يعصف بالكيان العربي، وإلا فإن الكنفاني لم يحمل غير القلم سلاحاً، والموقف هويّة، وكذلك ناجي العلي وعلاء زعيتر، وغيرهم الكثيرون من أهل الفكر والنّضال السياسي المحض. إذاً فالقصّة واضحة، هم أو نحن على هذه الأرض، هكذا بكل بساطة وأريحيّة، لا نريدهم على أرضنا ولا يريدوننا على أرضٍ يزعمون أنها لهم.

يؤلمنا اليوم ككتاب ومفكرين عرب أن نرى القضيّة كزبدٍ تذوب على صخر الخنوع العربي، ويحزّ في النّفس هذا الكمّ الهائل من الزّيف الذي يحمل مفكراً ما على التّواصل مع كيانٍ قاتل غاصب محتل بكل مقاييس الإنسانية والعدل، فالفكر إن لم تصقله قضيّة ما، كان مجرّد لباسٍ جميل يستر العورة، فماذا يقدّم الفكر للبشريّة إن لم ينصر الحق؟ وماذا نستفيد من قلمٍ لا يفرّق بين القاتل والمقتول؟ وهل يُقبل من شاعرٍ قصيدة غزلٍ، وجاره يُسحل في الشّارع أمام عينيّه؟

يطرح الشّهيد غسان كنفاني في روايته "عائد إلى حيفا" جدليّة هذا الصّراع بعبقريّة فاقت جميع المدارس الاستقرائيّة بأشواط كبيرة، إذ تصوّر الصّراع بين المشروعين يتحوّل من صراعٍ بيننا وبينهم، إلى صراعٍ بيننا وبين أجيالنا القادمة التّي ربّاها الصّهاينة، وذلك من خلال شخصيّة "خلدون" ابن سعيد الرّضيع الذي أصبح فيما بعد "دوف الصهيوني"، فخلدون هذا بعدما تمّت رعايته من قبل الصّهاينة أصبح جندياً في جيش الاحتلال، وأصبح لزاماً على سعيد (الضّمير العربي) أن يواجه لحمه ودمه! تُرى هل كان غسّان كنفاني يعرف أنّ نهايته بعد سنتين من كتابته للرّواية ستكون على يد شخص كخلدون؟ صحيح أن الموساد هو من أدار عمليّة الاغتيال، إلا أنّ التنفيذ كان بيد عميلة تربّت على روح التطبيع والعمالة كخلدون تماماً. أجيال تتربّى على ميديا موجّهة لخدمة الصهيوني، وتطبيع وجوده وكينونته، ومعاداة كل ما هو مناهض له.

غسّان استشهد ولم يعد، غير أنّه فتح عيوننا على حراس الهيكل الجدد، حرّاس من لحمنا ودمنا يذودون عن عدونا بكل ما أوتوا من قبح ووقاحة، هؤلاء الذين أعطوا العدو مصل الحياة بعدما اعترفوا بلسان "فينوغراد" أنّه أصيب في مقتل في تموز 2006، ويمدون في عمره لا ندري إلى متى، ولكن مهما طال الزّمن فإننا عائدون يا خلدون........

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 1