بول شاؤول "الطاعن في الصّمت"

عادل شريفي

2020.07.06 - 10:34
Facebook Share
طباعة



 لا تستطيع أن تغضي طرفك وأنت تجول في شارع الحمرا في بيروت، عن شارع الظلّ الثقافي الذي توأم ذاته مع النشاط التّجاري العريق في الشّارع ذاته، ربّما لا يستوعب أحد كيفيّة أن تقوم شراكة ما بين ماديّة التّجارة ورهافة الثّقافة، إلا أنّ مقاهي واستراحات شارع الحمراء -القائم والبائد منها- لا زالت تصرخ "جميعهم مرّوا من هنا".


من النّادر أن تمرّ بمقهى روسّا (الكوستا سابقاً) دون أن تجد الشاعر بول شاوول متواجداً فيها، بعدما اتّخذها موطناً مختاراً له بعد تحويل مقهى دو باريه إلى مطعم للوجبات السّريعة، بول الذي يعتبر من روّاد القصيدة النثرية ظلّ صائماً عن الكتابة لأكثر من خمسة عشر عاماً لأنّه -كما يقول عن نفسه- قد استنفذ كلّ أفكاره مستلهماً مبدأ "موت كاتب-ولادة قارئ". غير أنّ قلمه المتمرّد العصيّ على الحجر الصّحي تحرّك أخيراً بعدما رأى زخم الحراك الشّعبي في بلدٍ نخر الفساد عظمه السياسي وفكك عرى عقده الاجتماعي.

بول المبتسم دائماً بوجه من يريد التعرّف عليه، عبس أخيراً بوجه سلطةٍ حمّلها وزر معاناة الشعب الثائر. هل يا تُرى يُجدي تكرار النّداء يا سيّد بول؟ إذ نراك مصراً على "بيروت يا بيروت"، "قنّاص يا قنّاص"، أتراهُ نداءك الثّاني بعد "حركة الوعي" على طبقةٍ حاكمةٍ كفرت بكلّ المبادئ والأعراف والمنطق؟ لا أحبّ على قلب المثقف العربي من أن يرى أمثالك ينحازون لنبض الشّارع لضمان عقلنة أي حراك، وتخفيف احتماليّة انزياحه إلى العنف والعودة بالبلد إلى نقطة الـ "لا عودة" التي يتمنى جميع لاعبي السياسة في المنطقة أن يبلغها أيّ حراك، وذلك لضمان تسيّدهم للساحات.

مع أن توجهه الآن يخالف رأياً سابقاً له أدلى به في إحدى مقابلاته السّابقة، فحواه أن الشعر لا ينبغي أن يكون ملزّماً بقضيّة ما، بل إنّه يُخلق هكذا شعراً وحسب.

مسرحيٌّ قدير عاش حياته كنصّ مسرحيّة يتغنّى بها على خشبة واقعه المتفلّت من الإيقاع. المسرح بنظره جوهر كل الفنون، ولغة تجمع كل الشّعوب في بوتقة واحدة، غير أنّ المسرح العربي بات في غرفة الإنعاش ولا مجال لإعادة بعثه ثانية برأيه.
بول الذي كان شاهداً على عصر شارع الحمراء الذّهبي بات متردداً الآن في نشر كتاباته بعد ذاك الانقطاع الطّويل، ربّما هي فورة الإنتاج التي تأخذ بتلابيب المبدع فتجعله غير عابئ بالنقد، غير هيّاب لعيون وأفئدة القرّاء، تلك الهبّة إذا ما خبت، تجعل المبدع كالمبتدئ بحاجة إلى ما يشعل الرّغبة في إثبات الوجود، فالقصيدة بالنّسبة لبول مشروع، وليس مجرد سوادٍ يشوّه بياض الورق. كما إنّ لعالم التّرجمة دورٌ في إشغال شاعرنا الكبير عن تحريك قلمه، لكننا أبدا لن نستغني عن التّمتع بقصائده الجريئة المشبعة بروح الحداثة التي حملت الواقع الأدبي كي يفرغ له مساحةً تليق بقامته العالية، وقلمه السّكوب.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 6