الفن الرّخيص

2020.06.30 - 12:38
Facebook Share
طباعة

 في جولتي الصّباحيّة على الفيسبوك -النّوع الوحيد من السوشيال ميديا الذي أتابعه- لفتني منشور لصديقتي الفنانة التشكيليّة العالمية رندا حجازي، والذي تقول فيه تحت عنوان "رأي شخصي" وسأقتبس منه، "تغيّر مفهوم الفنّ من فن يعتمد على ضوابط وثوابت العمل الفنّي إلى فنّ يعتمد على المتغيرات وأهواء ومواقف الفنان الخاصّة"، لتخلص في النّهاية إلى نتيجةٍ مفادها "هكذا انتقل الفنّ من المتاحف إلى الشّوارع".
بالطّبع فإن ما أوردته الصّديقة هو عين الحقيقة، لكنّها جمّلتها جداً بأسلوبها المهذّب الأرستقراطي المعهود. يا عزيزتي إن الخوض في هذا الموضوع يورث المرارة في الحلق، فأغلب ما نراه الآن يلتمع يظنّه النّاس ذهباً! فهل العيب في الفنّ أم في العيون التي تُشاهد؟!

القصّة قديمة وتعود إلى بداية انهيار القيم الإنسانيّة مع تصاعد قوّة جديدة في العالم مع بدايات القرن التاسع عشر، والتي حملت معها فكراً جديداً يعدّ متفلتاً إذا ما قيس بالتّشدد القيمي الذي كان سائداً منذ بداية عصر النّهضة. تلك القوّة النّاشئة التي هزمت أعظم إمبراطوريّة في تاريخ البشريّة (الإمبراطورية البريطانية) أخذت على عاتقها نشر مبادئها الجديدة التي بدأت بمسح كلّ ما كان سائداً على مدى أكثر من ثلاثة عقود. نعم إنّها ثقافة الجينز والهامبرغر في مقابل البدلات الرّسميّة والولائم الرّتيبة، الأمر الذي نقل سلطة الرّقابة من يد الخبراء إلى العامّة، مع ما لهذا الأمر من تبسيط للشّروط، وتسهيل لانخراط غير المهنيين في دورة معرفيّة هي من أهمّ حلقات تأسيس الفكر الإنساني، وهل هناك مشروع أخطر على البشريّة من تحطيم القيود الفكريّة؟ فليس هناك أسهل من الحصول الشيء إذا بات قليل الثّمن، فالأغنياء والفقراء يأكلون الهامبرغر ويلبسون الجينز! وكذلك يستطيع كلّ النّاس الحصول على فرصة -قليلة الكلفة- لإظهار فنّه، وفكره، وثقافته.

لقد عملت الثورة الفكرية الأمريكية وعلى مدى أكثر من مائة عام على نشر رؤيتها الجديدة في مشارق الأرض ومغاربها محمولة على أجنحة التّقدّم العلمي الذي حازته تلك الدّولة النّاشئة، وسهّل بالتالي هيمنة الفكر الأمريكي على ما سواه، فمع السّينما والإنترنت تمّ تكسير جميع الضّوابط التي تحكم الفكر والفن والمبادئ الإنسانيّة، ليحل مكانها قيم أخرى أكثر حرّية -بزعمهم- وأقلّ كلفة! إلا أنّها كانت أكثر انفلاتاً، لذلك فإننا نرى اليوم أن المنابر مهيأة لكل من هبّ ودبّ، مع ما جرّ هذا الأمر علينا من ويلات ودمار وتخريب، إذ يكفي أن يدّعي أحد ما بأنّه مفكّر حتّى يؤيده ويتبعه من هو على شاكلته، فبتنا نرى شاعراً لا يتقن أصول لغته ناهيك عن أوزان حرفته، ورسّاماً تخميسيّاً وتسديسيّاً على رأي الفنان دريد لحام، وصاحب قناة على يوتيوب ينشر سفاسف الموضوعات التي تساهم في تستطيح فكر وقيم أجيال بأكملها، وأحمقاً يظنّ أنّه ثائر أممي!

الأمر يا صديقتي خطيرٌ جداً، وقد تجاوز المسألة الفنيّة بزمن، إذ بتنا أمام مشكلة قيميّة حقيقيّة، فإذا أخذنا على سبيل المثال حالتين، دعوة إلى التّظاهر في مكانٍ ما، مع إمكانيّة تفلّت الأمر وتحويله إلى شغب وفوضى -وهو ما يحدث عادةً- وبين دعوة لحضور معرض ما أو مسرحيّة أو توقيع كتاب، أو حتّى أي نشاط إنساني آخر، فقط انظروا إلى جماهير كل حدث.

بكل أسفٍ، فقد تمّ تحويل شوارع الفن إلى فنّ الشّوارع، وهبط الفن بكلّ ما عداه، فأضحت المجتمعات هابطة بفنها وفكرها وقيمها، وحتّى معتقداتها.

عادل أحمد شريفي

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3