“لبنان الصغيرة” في الجولان.. تحقيق يكشف خفايا الخطة الإسرائيلية

2026.05.07 - 10:12
Facebook Share
طباعة

 كشف تحقيق استقصائي موسّع نشره الجزيرة نت تفاصيل ما وصفه بخطة إسرائيلية مُعدّة مسبقاً لإعادة تشكيل الواقع الأمني والعسكري في جنوب لبنان، عبر سلسلة من التحضيرات الميدانية والهندسية التي بدأت خلال فترة الهدنة، قبل أشهر طويلة من اندلاع المواجهات الأخيرة.

 

التحقيق الذي أعدّته وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة اعتمد على صور أقمار صناعية وتحليل بيانات ميدانية ومقاطع مصورة مفتوحة المصدر، إضافة إلى مراجعة تقارير إسرائيلية رسمية وعبرية، ليصل إلى خلاصة مفادها أن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة لم تكن مجرد ردّ فعل على هجمات حزب الله، بل جزء من مشروع عسكري متكامل جرى الإعداد له مسبقاً.

 

قرية سورية تحولت إلى ساحة تدريب للحرب

بحسب التحقيق، فإن إسرائيل أنشأت منشأة تدريب عسكرية ضخمة فوق أنقاض قرية زعورة السورية المهجورة في الجولان السوري المحتل، بالقرب من خط وقف إطلاق النار.

 

وتحوّلت القرية، التي هجّر سكانها منذ احتلال الجولان عام 1967، إلى نموذج ميداني يحاكي قرى جنوب لبنان بشكل دقيق، إذ ضمّت المنشأة شوارع ضيقة ومبانٍ متعددة الطوابق وشبكات أنفاق ومناطق تحاكي الدمار والاشتباكات الحضرية.

 

وأشار التحقيق إلى أن وزارة الدفاع الإسرائيلية أعلنت رسمياً افتتاح المنشأة في سبتمبر 2025، ووصفتها بأنها “قرية نموذجية في جنوب لبنان”، هدفها تدريب القوات على القتال داخل البيئات اللبنانية المعقدة.

 

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية، وفق التحقيق، تطور المنشأة تدريجياً على مدى سنوات، قبل أن تشهد توسعاً ضخماً خلال عامي 2024 و2025، حيث تحولت إلى مجمع عسكري متكامل أُطلق عليه اسم “المجمع التدريبي الشمالي”.

 

وحدات شاركت في الحرب تدربت داخل زعورة

التحقيق أوضح أن وحدات إسرائيلية شاركت لاحقاً في العمليات البرية جنوب لبنان تلقت تدريبات مباشرة داخل المنشأة، ومن بينها الفرقة 98 ولواء الكوماندوز واللواء السابع المدرع واللواء 401.

 

ووفق البيانات التي حللتها الجزيرة نت، فإن التدريبات شملت سيناريوهات اقتحام قرى والسيطرة على مناطق مأهولة وتدمير أنفاق وتنسيقاً مكثفاً بين المشاة والمدرعات والطيران.

 

كما بيّن التحقيق أن الجيش الإسرائيلي كثّف تدريباته على الحدود اللبنانية خلال فترة الهدنة، بما في ذلك مناورات وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، وهو ما اعتبره التقرير مؤشراً واضحاً على وجود نية مسبقة لتوسيع العمليات العسكرية.

 

تدمير الجسور.. خطة لعزل الجنوب

واحدة من أبرز النقاط التي ركز عليها التحقيق كانت الاستهداف المنهجي للجسور فوق نهر الليطاني، في ما اعتبره محاولة إسرائيلية لعزل جنوب لبنان بالكامل عن عمقه الداخلي.

 

ووثقت وحدة التحقيقات الرقمية استهداف تسعة جسور رئيسية وفرعية، من بينها جسر الزرارية وجسر القاسمية وجسر الكنايات وجسر الدلافة، حيث دُمّر معظمها بشكل كامل.

 

وأشار التحقيق إلى أن مسار القصف لم يكن عشوائياً، بل بدأ من الشرق وتحرك تدريجياً نحو الساحل، ما أدى إلى قطع الطرق الحيوية بين صور وصيدا والنبطية والبقاع الغربي.

 

كما كشف التحقيق أن بعض الجسور تُركت قابلة للاستخدام الجزئي، مثل جسر الخردلي، ما يوحي بأن إسرائيل أبقت بعض المعابر لخدمة تحركاتها العسكرية المستقبلية، في إطار ما وصفه التقرير بـ”الهندسة الجغرافية للمعركة”.

 

ويرى التحقيق أن الهدف من هذه العمليات كان فرض حصار ميداني على الجنوب اللبناني وتقليص قدرة حزب الله على المناورة ونقل الإمدادات، إلى جانب دفع المدنيين للنزوح عبر خلق بيئة معيشية شديدة الصعوبة.

 

“الخط الأصفر”.. إعادة إنتاج نموذج غزة

التحقيق كشف أيضاً أن إسرائيل حاولت فرض ما سمّته “الخط الأصفر”، وهو نطاق أمني يمتد داخل جنوب لبنان، يمنع السكان من العودة إلى عشرات القرى الواقعة ضمنه.

 

ووفق التقرير، فإن هذا الخط يشبه إلى حد بعيد المناطق العازلة التي فرضتها إسرائيل في قطاع غزة، حيث جرى استخدام سياسة التدمير الواسع للمنازل والبنى التحتية لإفراغ المناطق من سكانها.

 

وأظهرت صور الأقمار الصناعية، بحسب التحقيق، أن القرى الواقعة جنوب هذا الخط تعرضت لعمليات تجريف وتدمير واسعة، خاصة في بلدات مثل عيتا الشعب وبيت ليف ورشاف.

 

كما أشار التحقيق إلى أن بعض القرى المسيحية في الجنوب تعرضت أيضاً لعمليات قصف وتجريف، وإن بدرجات أقل، ما يعكس أن منطق “المنطقة العازلة” بات يتقدم على الاعتبارات السياسية والطائفية التقليدية.

 

جنوب لبنان ليس غزة

ورغم التقدم العسكري الإسرائيلي السريع نسبياً، يرى التحقيق أن تطبيق “نموذج غزة” في جنوب لبنان يواجه عقبات كبيرة.

 

فالتضاريس الجبلية والوديان والغابات والقرى المرتفعة تجعل من الجنوب اللبناني بيئة مثالية لحرب العصابات والكمائن، ما يحدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على فرض سيطرة مستقرة وطويلة الأمد.

 

كما أشار التحقيق إلى أن حزب الله واصل تنفيذ عمليات ميدانية حتى بعد تدمير الجسور وفرض العزل الجغرافي، مع اعتماد متزايد على المسيّرات والعمليات الخاطفة، ما يدل على استمرار قدرته على التكيّف.

 

ولفت التقرير إلى أن إسرائيل تمكنت من خفض خسائرها البشرية مقارنة بحرب 2024، بفضل التدريبات المكثفة والتنسيق بين الوحدات، لكنها لم تتمكن من حسم المعركة أو فرض سيطرة كاملة على الجنوب.

 

تساؤلات حول الأهداف الحقيقية

وخلص تحقيق الجزيرة نت إلى أن ما يجري جنوب الليطاني يتجاوز مجرد عمليات عسكرية محدودة، ويطرح تساؤلات جدية حول النوايا الإسرائيلية طويلة الأمد في لبنان.

 

وأشار التحقيق إلى أن تدمير الجسور وفرض “الخط الأصفر” والتقدم البري المتدرج، كلها مؤشرات على محاولة فرض واقع أمني جديد بالقوة، قد يتحول إلى منطقة عازلة دائمة أو احتلال طويل الأمد إذا استمرت الظروف الإقليمية الحالية.

 

وفي المقابل، حذّر التحقيق من أن استمرار هذا النهج قد يعيد إنتاج سيناريوهات الاستنزاف السابقة، خصوصاً في ظل الطبيعة الجغرافية المعقدة للجنوب اللبناني واستمرار المقاومة المسلحة، ما قد يجعل أي وجود إسرائيلي طويل الأمد مكلفاً سياسياً وعسكرياً.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 7

اقرأ أيضاً