كتبَ باسل جاسم: رسالة سياسية أميركية من بوابة قبرص

2020.09.07 - 07:13
Facebook Share
طباعة

 أعلنت واشنطن رفعها جزئياً، ولمدة عام واحد، الحظر الذي تفرضه منذ أكثر من 30 عاماً على بيع قبرص معدات عسكرية "غير فتاكة"، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس، في بيان، إن واشنطن رفعت حظر السلاح عن قبرص، للسنة المالية 2021، وإن وزير الخارجية مايك بومبيو أبلغ رئيس الجمهورية القبرصية نيكوس أناستاسيادس "قرار رفع القيود على تصدير وإعادة تصدير وإعادة نقل مواد دفاعية غير قاتلة وخدمات دفاعية"، وأوضح أن قرار رفع القيود "موقت للسنة المالية 2021".


من المبكر اليوم، استنتاج أي توجه للقرار الأميركي هذا، عبر البوابة القبرصية، حيال الأطراف المتنازعة شرق المتوسط، أولاً بسبب ضبابية موقف واشنطن حيال معظم ملفات المنطقة، ثانياً لأنه بات لا يخفى على أحد تضارب المواقف بين مختلف الإدارات الأميركية في أكثر من ملف، فالبنتاغون والاستخبارات لديهما أجندات قد لا تتماشى مع ما يريده سيد البيت الأبيض، وثالثاً غياب الموقف الروسي العلني "حتى اليوم"، في النزاع المشتعل حالياً بين تركيا في مقابل اليونان وفرنسا.


ضغط غير مباشر على تركيا؟


لكن قرار واشنطن هذا لو جاء في ظروف مختلفة وتوقيت آخر، لكانت له رمزية وأكثر من مجرد رسالة سياسية، وفي إطار ضغط غير مباشر على تركيا بسبب أكثر من نقطة تعتبرها الولايات المتحدة لا تتماشى مع المصالح والأهداف الأميركية.


قضية رفع حظر الأسلحة عن قبرص ليست جديدة، وقبل أكثر من عام ونصف العام تمت إثارتها في الكونغرس، وقتها كان في إطار عدم الرضى عن بعض سياسات أنقرة الخارجية، ولا سيما المتعلقة بالتعاون العسكري مع موسكو، واستيراد منظومة الدفاع الجوية الروسية "إس 400".


سباق تسلح


المؤكد أن القرار الأميركي سيؤدي إلى سباق تسلح في جزيرة قبرص، وسيضيف عود ثقاب آخر إلى الأزمة المشتعلة شرق المتوسط، وسيزيد خلط الأوراق لحين إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية، كما أن قرار رفع حظر السلاح عن قبرص يعني تخلي واشنطن عن دور الحياد الذي التزمته منذ أواخر الثمانينيات حيال الجزيرة المنقسمة.


ولا يمكن تجاوز حقيقة أن أحد أهم أسباب جذور الأزمة المتفاقمة اليوم شرق المتوسط، هو تجاهل قبرص واليونان والاتحاد الأوروبي لحقوق القبارصة الأتراك، من خلال إبرام الاتفاقات والمعاهدات البحرية وغيرها، على أساس أن قبرص الشمالية غير موجودة، بينما هي باتت دولة بحكم الأمر الواقع، فالنزاع التاريخي على هوية قبرص التي تعيش صراعاً سياسياً بين المكونين الرئيسين لسكان الجزيرة، وهما القبارصة ذوو الأصول اليونانية، والقبارصة ذوو الأصول التركية، يعتبر أبرز محطات الخلاف بين أنقرة وأثينا.


ثلاث مسائل


وكان الكونغرس الأميركي صوّت على نص بهذا الاتجاه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وفرضت الولايات المتحدة هذا الحظر عام 1987، لتشجيع إعادة توحيد الجزيرة المنقسمة منذ عام 1974، بعد التدخل العسكري التركي الذي جاء بعد انقلاب دعمته اليونان، ووحدها تعترف تركيا بجمهورية شمال قبرص التركية، بينما لا تعترف بها الدول الأخرى، وانهارت محاولات عدة لتحقيق السلام وتوحيد الجزيرة، آخرها كانت مبادرة للأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان.


وبحسب كثير من المراقبين والخبراء، تعوق تسوية المشكلة القبرصية ثلاث مسائل ما زالت تمثل موضع خلاف بين الطرفين القبرصيين، وهي طريقة إدارة الدولة الفيديرالية المقبلة، وتحديد مستحقي الجنسية القبرصية، وملكية الأراضي والعقارات التي خسرها المواطنون نتيجة التقسيم.


ويأتي إعلان قرار واشنطن رفعها جزئياً للحظر عن بيع قبرص معدات عسكرية "غير فتاكة" في ظل التصعيد المتزايد شرق المتوسط، وفي وقت تتعمق فيه الخلافات بين تركيا من جهة، واليونان وفرنسا من جهة مقابلة، مع ارتفاع وتيرة عمليات استعراض العضلات بين الأطراف المتنافسة، وحوادث تثير المخاوف الأوروبية، إذ حذرت أنقرة التي تسيطر على الجزء الشمالي من الجزيرة، من أن رفع الحظر سيزيد "من خطر حدوث اشتباك في المنطقة".


تكرار للأخطاء


وفي تغريدة عبر "تويتر"، وصف نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي القرار الأميركي بأنه "تكرار للأخطاء التي ارتكبتها أوروبا في الجزيرة"، وشدّد على أن "تركيا ستواصل اتخاذ الخطوات الضامنة لأمن واستقرار ورفاهية قبرص التركية والقبارصة الأتراك ضد مثل هذه المواقف التي تزيد خطر الاشتباك في المنطقة".


من جهته، جدد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو دعم الولايات المتحدة "لحل شامل لإعادة توحيد الجزيرة في إطار اتحاد فيديرالي"، وكان وزير الخارجية الأميركي أعلن في يوليو (تموز) تعزيز التعاون الدفاعي مع قبرص بشكل تمويل للتدريب العسكري، بينما انتقدت قبرص الشمالية (تعرف أيضا بقبرص التركية، وغير معترف بها سوى من تركيا)، قرار الولايات المتحدة رفع حظر السلاح عن قبرص "اليونانية"، معتبرة إياه بالخاطئ والمخيب للآمال.


وتتميز القضية القبرصية بأنها من أكبر قضايا الصراعات التاريخية بين الجارتين تركيا واليونان، فقد قُسمت الجزيرة المتوسطية عام 1974، عندما أمر رئيس الوزراء التركي آنذاك بولاند أجاويد قوات الجيش بالتدخل العسكري في قبرص، رداً على انقلاب على الرئيس المنتخب الأسقف مكاريوس قام به قوميون قبارصة يونانيون بهدف ضم الجزيرة إلى اليونان.


وتتكون الجزيرة القبرصية حالياً من دولتين مستقلتين، إحداهما معترف بها وعضوة في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهي إدارة قبرص "اليونانية"، وعاصمتها نيقوسيا وتشمل 65 في المئة من مساحة الجزيرة، والثانية مستقلة لكن غير معترف بها سوى من تركيا، وتسمى "جمهورية شمالي قبرص التركية" وعاصمتها ليفكوشه، وتشمل 35 في المئة من عموم مساحة قبرص.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 2