كتبَ حسين عاصي: "تفاهم" بري وباسيل أنقذ الحكومة.. فهل يصمد؟!

2020.07.10 - 07:32
Facebook Share
طباعة

 في ذروة الحديث المكثّف عن "انتهاء" الحكومة الأسبوع الماضي، وما تبعه من تكهّنات وصلت حتى إلى النقاش في هوية "خليفة" رئيس الحكومة الحاليّ حسّان دياب، برز اللقاء الذي جمع رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ ورئيس "​التيار الوطني الحر​" الوزير السابق ​جبران باسيل​، والذي وُصِف في بعض الأوساط بـ"التأسيسي".


ومع أنّ اللقاء لم يكن الأول من نوعه في مسار العلاقة بين الرجلين، اللذيْن عانيا كثيراً من غياب "الكيمياء" بينهما، وانعكاس ذلك عليهما سياسياً، وبالتالي على قواعدهما الحزبية والشعبية بصورة تلقائيّة، إلا أنّ "تفاهمهما" هذه المرّة بدا مختلفاً، خصوصاً أنّ ترجمته لم تتأخّر في الظهور عملياً، على مستوى الحكومة أولاً.

فعلى رغم أنّ بري وباسيل ساهما، ولو نسبياً، بالنقاش الذي دار الأسبوع الماضي حول أداء ​مجلس الوزراء​، في ظلّ "عدم رضا" مشترك على ما تحقّق حتى الآن، إلا أنّ الوقائع العملية أثبتت أنّهما "أنقذا" الحكومة، ومنحاها "الحصانة" لتستمرّ، ما تجلّى سريعاً "انتعاشاً" لها ولرئيسها، و"تجميداً" فورياً لمساعي تغييرها النشطة...


الحكومة "انتعشت"

حين وصل الوزير جبران باسيل إلى ​عين التينة​ للقاء بري، كان النقاش في البلد "ساخناً" حول "مصير" الحكومة، التي بدأ "نعيها" في الكثير من الأوساط السياسية، الموالية قبل المعارضة، وهو نقاشٌ لم يغب عن تفاصيله طرفا اللقاء، ولو كانا من "عرّابي" الحكومة وداعميها، بل وصل لحدّ تلويح باسيل مثلاً، عبر تكتل "لبنان القوي" الذي يرأسه، إلى سحب الثقة "المشروطة" أصلاً بالحكومة، رداً على عدم إجراء الإصلاحات الموعودة.

ولعلّ ما "ضاعف" من أهمية اللقاء تزامنه مع مواقف عالية السقف أطلقها رئيس الحكومة السابق ​سعد الحريري​ حول "شروطه" للعودة ل​رئاسة الحكومة​، وهو ما فُسّر سياسياً وكأنّه محاولة من الحريري لـ "اقتناص" الفرصة لفرض نفسه من جديد مرشحاً شبه وحيد لخلافة دياب، ولكن وفقاً لـ "أجندته" هذه المرّة، والتي يتصدّرها "إقصاء" باسيل شخصياً عن المشهد الحكوميّ، ولو تطلّب الأمر استعادة وهج "التسوية الرئاسيّة" بشكلٍ مُضمَر أو مُعلَن.

ومع أنّه ليس خافياً على أحد أنّ الحريري يبقى "المرشّح المفضَّل" لرئاسة الحكومة بالنسبة إلى رئيس مجلس النواب، الذي لم تبدُ علاقته مع دياب "مثاليّة" أو "نموذجيّة" منذ وصول الأخير إلى السراي الحكوميّ، إلا أنّ الرؤى تلاقت بينه وبين باسيل على أنّ العودة إلى زمن ما قبل ولادة الحكومة لن تشكّل حلّاً، وأنّ الذهاب بالبلاد إلى الفراغ سيكون بمثابة رميٍ لها في المجهول، وأنّ المطلوب هو "توجيه" الحكومة فوراً لتحسين أدائها، ومباشرة العمل بالإصلاحات، بعيداً عن معزوفة "لم يسمحوا لنا" التي لم تعُد تُجدي ولا تنفع.

ويبدو أنّ "تفاهم" بري وباسيل وجد طريقه إلى التنفيذ سريعاً، وفق ما ظهر على الأقلّ من مداولات الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، بعيداً عن "مطوّلات" رئيس الحكومة التي وجد فيها ضالته مجدّداً، بعدما "اطمأنّ" على موقعه في الظرف الراهن، ما دفعه إلى استعادة الخطاب "الهجوميّ" على من يُصِرّ على إبقائهم "مجهولين"، ولو قال إنّهم معروفون للقاصي والداني، على خلفيّة ما يصفها بـ "المؤامرات" التي تُحاك ضدّ الحكومة، وصولاً إلى حدّ شلّها ومنعها من الحركة، بل من الحصول على أيّ دعم.


صفحة جديدة؟!

تشير المعطيات إلى أنّ "تفاهم" بري وباسيل لعب دوراً في استعادة "الحركة" على خطّ الحكومة منذ نهاية الأسبوع الماضي، بدءاً من "النشاط" الذي هبّ فجأة على "جبهة" السراي الحكومي، وتمثّل في اللقاءات الوزارية غير المسبوقة مع السفير الصيني، والتي فُتِح فيها النقاش حول "مشاريع" يمكن للصين تنفيذها في لبنان، وصولاً إلى ما أثير من "زوبعة" حول زيارة الوفد العراقيّ الرسميّ إلى لبنان، والتي شكّلت "خرقاً" على صعيد "العزلة" التي تواجهها الحكومة منذ وصولها، على المستويين العربي والغربي.

ولم تقف ترجمة "التفاهم" عند حدّ "الانفتاح شرقاً"، ولو بقي حتى الآن في إطار "القنابل الدخانية"، ربما لتوجيه "الرسائل" لهذا الطرف أو ذاك، إذ شهدت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة مداولات جدّية غابت عنها في الآونة الأخيرة، بعدما سيطر على غالبيّة سابقاتها "شبح الاستقالة"، فتحوّلت إلى "صندوق بريد" سياسيّ في أحسن الأحوال، وصولاً إلى تحقيق "الإنجاز" المتمثّل بتعيين أعضاء مجلس إدارة ​مؤسسة كهرباء لبنان​، ولو بقي "منقوصاً" للكثير من الاعتبارات، أولها عدم شموله رئيس مجلس الإدارة، بذريعة أنّ "آلية أخرى" تحكم تعيينه، وثانيها، وربما أهمّها، تكريس نهج "​المحاصصة​" في اختيار الأعضاء، ولو تحت ستار أليّة بدت "وهميّة".

لكن، أبعد من كلّ هذه التفاصيل على مستوى الحكومة ومصيرها والمُنتظَر منها، ثمّة من يعتبر أنّ المغزى من "تفاهم" بري وباسيل لا يمكن أن ينحصر بـ"إنقاذ" الحكومة، بل إنّ أهمّ ما فيه أنّه أدّى إلى فتح "صفحة جديدة" بين رجليْن بقيت علاقتهما "ملتبسة" منذ ما قبل انطلاقة "العهد" الحاليّ، ولم ينجح حليفهما المشترك "​حزب الله​" في تقريب وجهات نظرهما، مكتفياً بإقناعهما على طريقة "المونة"، بـ"ضبط الأعصاب" في الكثير من المحطات المفصليّة والأساسيّة، خصوصاً حين كان يمتزج العامل "الشخصي" بـ"السياسي"، ما يؤدّي إلى "شحن" الأجواء.

ولعلّ هذه "الرسالة" تبدو واضحة في الكلام المنقول عن رئيس مجلس النواب بعيد اللقاء، ولا سيما لجهة تأكيده أنّه وباسيل "لن يسمحا" للمتضرّرين بزعزعة ركائز تفاهمهما والتشويش عليه، بل ذهابه إلى حدّ القول "ما حدا يجرّب يفوت بيناتنا"، وفي ذلك رسالة للأقربين قبل الأبعدين، بأنّ العلاقة دخلت منعطفاً جديداً، ولو كان الكثيرون يشكّكون بقدرتها على "الصمود" في ضوء العواصف الآتية، خصوصاً أنّ التجربة أثبتت أنّ حدثاً بسيطاً، وربما هامشياً، قادر على "زعزعة" أي تفاهم، مهما علا شأنه، طالما أنّ عنوانه "المصلحة"، والتي تكون في الكثير من الأحيان، "آنيّة"، ومرتبطة بالظرف الحاليّ المباشر، ليس إلا.


"ضحك على الذقون"؟!

في المُطلَق، لا شكّ أنّ أيّ تفاهمٍ بين طرفين سياسيّين يفترض أن يكون أمراً إيجابياً، وهي إيجابيّة تزداد في زمن "الأزمات" المتفاقمة، والذي بات فيه يتأمّل اللبنانيون بأيّ تفصيلٍ، لعلّه يعود عليهم بالنفع، ويخفّف من وقع "الانهيار" الذي بات أمراً واقعاً لا لبس فيه.

لكن، مع ذلك، ثمّة من يدعو إلى "الاتّعاظ" من التجربة، لعدم البناء كثيراً على مثل هذه "التفاهمات"، خصوصاً بعدما تحوّل بعضها إلى "عداوات"، كما حصل مثلاً على خط العلاقة بين باسيل والحريري، اللذين تحوّلا من "شريكين" إلى "خصمين" يرفضان الالتقاء، أو على خط "تفاهم معراب" الذي دفنه طرفاه، من دون أسفٍ عليه.

ولعلّ الأهمّ من كلّ ما سبق، البحث في "ماهيّة" التفاهم، فإذا كان محصوراً بإنقاذ الحكومة أو حتى فتح صفحة جديدة، فهو لا يتخطى إطار "الضحك على الذقون"، لأنّ الشعب لم يعد يكترث لا لحكومةٍ ولا لعلاقاتٍ سياسية متشابكة، بل كلّ ما يهمّه أن يؤمّن لقمة عيشه وكرامته، "أولوية" يفترض أن تعلو ولا يُعلى عليها في قاموس الجميع.

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبر عن رأي كاتبه فقط

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 2