كتبَ محمد البشاري: أساس الحداثة.. التفوق على الماضي

2022.06.21 - 07:02
Facebook Share
طباعة

 الحديث عن إحدى المظاهر الكبرى التي تتحرك مع بوصلتها اتجاه البشرية برمتها، يقتضي التوضيح والإمعان في ماهية تدرجاته، وهذا ينطبق على «الحداثة» التي أنقذت الإنسان من فخ الانعزال والرهبة من كل جديد.

وفي حين أن الفلاسفة ذاتهم شكلوا نقاطاً فارقة في صياغة الحداثة، من خلال التأسيس لها على المستوى الفكري والثقافي، وبخاصة في الغرب، بعد فك أسْرهم من سطوة الحكم الديني، فإن ديكارت الذي وضع البذور النظرية للحداثة، وكانط الذي بين تدرج التقدم في عصر الأنوار وهيغل الذي أشار لاكتمال الحداثة وانغمس في الحديث عن الدولة القومية الحديثة.. جميعهم اتفقوا على ضرورة كينونة الحداثة، وسريانها من خلال منهجيات فكرية محكمة، تقود إلى ظروف أقدر وأفضل لمعيشة الإنسان وسلوكه الاجتماعي.

ومع ارتباطات الحديث عن الغرب بمسار الحداثة، فإن الحداثة ليست غريبة على المجتمعات غير العربية الإسلامية، لاسيما أن العقل الذي تقوم عليه حداثة الغرب ذو مكانة عالية في الإسلام، بل إن إعماله والنظر من خلاله مطلوب في الإسلام. وقد لاقت الحداثة نضوجاً وتقدماً في العقل الغربي، عندما تشبثت بنتاجات العلوم المنطقية الدقيقة، متملصةً من كافة النصوص الدينية، وسالخة لثوب القداسة عن كل ما هو خارج دائرة التقديس، ومتخذةً من العلماء وسيلة فاعلة ضمن معادلة التنوير الكبيرة، ومتجهةً نحو تكثيف الإنتاج في الفكر والثقافة والصناعة.

إن الحضارة الغربية الحديثة نجحت في التخلص من معاناتها، وتتبعت أسساً حداثيةً محكمةً، لكنها وقعت في بعض المواضع لبعض المآخذ التي يمكن تبريرها بقوة انطلاقها من قلب القهر الاجتماعي والديني والسياسي، ورغبتها العارمة في الخلاص، الأمر الذي أنتج التجردَ من العواطف ككل، وفصل التقدم العملي والسلوكي عن الأخلاقي القيمي، مما خلف مظاهر متعددة من الأنانية والعنف وانحسار الثراء، وتراجع بعض القيم الإنسانية الأخلاقية كالعدالة، والمساواة الأمر الذي دفع بتأسيس جهات مختصة بصون ما فات على الحداثة خلال تقدمها أن تحافظ عليه.

والنظر إلى أسس الحداثة «الديكارتية»، نجد أنها اعتمدت على ثلاث ركائز محورية تتمثل في الذاتيّة والعقلانيّة والحريّة، على اعتبار فاعليتها في إنجاح «مشروع الثورة» على الموروثات المتحجرة، وذل استناداً إلى منهج الشك («أنا أفكر أنا إذن موجود»). الفيلسوف ديكارت «النجم» الأكثر سطوعاً في سماء العقلانية في الفلسفة الحديثة.

أما الحداثة لدى المسلمين فيمكن القول بأنها تلك التي جاءت بعد الرسالة المحمدية، والتي جلبت معها قيم العدل ورفض الظلم، وقد جاءت لتصون الكرامة الإنسانية، وتنهي مظاهر الاستبداد والاستعباد، كما قامت على أسس المساواة، ومنع التمييز على أساس لأصل أو اللون، وحثت على احترام الوطن ومحبته، والتناغم مع سيمفونية التعدد في كافة المجتمعات، ودعت للتعارف والتعايش والحوار، وشجعت على التعاون، في سبيل تحقيق الإنسان رسالته من عمارة الأرض والدفع بالازدهار.. لكن هذه الحداثة عانت من وجود فجوة بين ما يجب أن يكون وبين ما هو واقع. لا بد أن نعترف بأن هناك العديد من المغالطات التي فوتت على المجتمع العربي والإسلامي فرصاً ثمينة للالتحاق بموكب الحداثة، إذ لم يعتمد كافة أسسها القويمة، حين فهمنا من الحضارة لفظها دون المدلول، واستوردنا المفاهيم دون توضيح أخل بفهمها واعتبرها هجيناً وطفرة على المجتمع، فرفضه قبل أن يفهمه، مما كوّن صورة نمطية عن المثقفين وأصحاب العقول المنفتحة، ووضعهم في خانة المناقضات.

إن أسس الحداثة، وما قامت عليه من العقلانية والتاريخانية والحرية والعلمانية، ضمت الكثير من الإرهاصات والملامح الواقعية التي ما تزال ليومنا هذا تفتقر للتوضيح والتفسير السليم لسياقاتها، لاسيما أنها تعبّر عن مرحلة زمنية مستمرة ومستديمة التحول والتدحرج على دروب المستجدات المتشعبة التي لا يمكن قبولها على مجال دون الآخر، وهي عصارة محاولات فكرية سلوكية تصبو لتحقيق المزيد من الإنجازات، في وسط واسع من الرقي الإنساني، والاستقرار الاجتماعي، والانتعاش الاقتصادي، ومختصر ما يمكن قوله عن أسس الحداثة أنها تمثل طموحاً بناه الإنسان على أطلال تجاربه الأليمة، نحو الأفضل.

 

المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 10