كارتيلات الدّواء في لبنان: احتكار مرخّص

ناديا الحلاق

2021.08.27 - 10:18
Facebook Share
طباعة

مع استفحال الأزمتين الاقتصاديّة والماليّة، رزح لبنان تحت وطأة شلال من الأزمات، أوصلت الأمور إلى حافية الهاوية، بعد أن فقد اللّبنانيون معظم المواد الأساسيّة بما فيها الأدوية، التي باتت في حالة انقطاع دائم، ومخزن يتلاشى تحت ضغط عمليّات الاحتكار والتّخزين.

ربما لم يشعر اللبنانيون سابقاً بأن الشّركات التي تستورد لهم الأدويّة، تشكّل خطراً على حياتهم أكثر من المرض ذاته، فكارتيل الدواء موجود في لبنان من العام 1867، ومعركة مواجهته كانت الأقوى في تاريخ البلاد، لأن نفوذهم السّياسي والحزبي وتجذرهم منع اقتلاعهم. والأرباح التي تسعى هذه الشّركات إلى تحقيقها من خلال الاحتكار جعل الأدوية بالنّسبة لهم سلعة تجاريّة.
تحرّك متأخّر
وفي تطوّر ر ملفّ الأدوية، وبعد أن بلغت الأمور حدّها، كثّف وزير الصّحة العامة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن، جولاته الميدانيّة، على مستودعات الأدوية وحليب الأطفال، في أكثر من منطقة لبنانيّة، للتّحقق من حركة بيع الأدويّة وتوزيعها، في ضوء الفواتير التي استلمتها وزارة الصّحة من المصرف المركزي، والتي تظهر الحوالات الماليّة التي استلمتها الشّركات.
وأظهرت الجولة وجود أطنان من الأدوية المخزنة في المستودعات، رغم أنها مفقودة في السّوق، وضروريّة لشتّى الأمراض ولا سيما الأمراض المزمنة، فضلا عن كميات كبيرة من المضادات الحيويّة وحليب الأطفال.
فمن هي كارتيلات الأدوية التي تحكم لبنان، وكيف قوننة عملها؟ من يحميها؟ وإلى متى سيبقى المواطن يعيش تحت رحمة هذه المافيات؟
كارتيلات الأدوية بالأسماء
يقول نائب رئيس الاتّحاد الوطني لنقايات العمال والمستخدمين في لبنان FENASOL ) ) رضا سعد، في ظلّ الانهيار المالي والاقتصادي، تبرز أكثر وضوحاً مضار سياسة احتكار الأدوية والمتاجرة فيها، ففي لبنان 120 شركة مستوردة للدّواء، 30% منها متوقّف عن العمل، و30% غير مُسجّلة في نقابة المستوردين، و %42 شركة مُسجّلة فيها.
ويشير إلى شركات كبرى "كارتيل الدواء"، تسيطر على 60% تقريباً على السّوق اللبناني، حيث يحققون أرباحاً بنحو 200 مليون دولار سنوياً، ويعملون تحت غطاء محميات سياسيّة.
ويؤكد أنّ معظم شركات استيرد الدواء في لبنان عائليّة حزبيّة، واستمرارها وتوسّعها مرتبط بحصولها على منافع وامتيازات من الدّولة التي "قوننة" احتكارها للأدوية، الأمر الذي ساعدها على التّجذر والتّحكم بالأسواق.

ويسمّي سعد أهمّ الشّركات التي تسيطر على سوق الدّواء في لبنان، والتي تعمل في مجال استيراد الأدوية والمنتجات الصّيدلية وتوزيعها وهي، شركة “مرساكو”، وتستحوذ على 19% من مجمل سوق الدّواء، وتمتلك نحو 14 وكالة حصرية لشركات الدّواء الأجنبية.
مجموعة فتّال تستحوذ على نحو 9% من السّوق، وتمتلك عشرات الوكالات الحصرية لسلع مختلفة، من ضمنها 15 وكالة لشركات أدوية عالمية.
شركة "أبيلا أخوان" التي تستحوذ على 7% من سوق الدّواء وتمتلك 13 وكالة حصرية لشركات أدوية ومنتجات صيدلية عالمية.
شركة مستودع أدوية الاتحاد وتستحوذ على 7% من السّوق، ولديها نحو 30 وكالة حصرية.
شركة "أومنيفارما" التي تستحوذ على 6% من سوق الدّواء. ولديها نحو 14 وكالة حصرية لأبرز الشركات العالمية.
شركة "سادكو" وتستحوذ على 6% من السّوق، ولديها نحو 9 وكالات حصرية.
شركات "مركوفار" و”مستودع ر. فرعون وأولاده" و"إنترفارما" وتستحوذ على 5% من سوق الدّواء، بالإضافة إلى احتكارها العديد من أسواق السلع والمنتجات المستوردة الأخرى.
شركة "بنتا ترايدينغ" وتستحوذ على 4% من السّوق، وشركة "مكتافارم" التي تستحوذ على 4% من السّوق، و"الاتحاد الصيدلي في الشرق" الذي يستحوذ على 3% منه.
"قوننة" الاحتكار
ويردف، للأسف استفادت الشّركات المستوردة للدّواء في لبنان من الامتيازات والقوانين والاجراءات التّنظيمية والاداريّة، التي عزّزت نفوذهم ووفّرت لهم مناخاً مناسباً للاحتكار، ولحماية مصالحهم ومراكمة أرباحهم، وكل ذلك يعود للوكالة الحصريّة للماركة وللإسم التّجاري، وهي إحدى الامتيازات التي حافظت وتحافظ عليها السّلطة السّياسية، وكل الحكومات المتعاقبة على السلطة، لا لشيء سوى لأنهم شركاء للشّركات المستوردة للدّواء. من هنا جاء الاحتكار الكبير والتّحكم بأسعار الدّواء أو السّلع الأخرى في السّوق، لأنّ لا بديل للتّعامل إلا مع تلك الشّركات كونها تملك حصريّة الوكالة للمنتج.
إلغاء الوكالات الحصريّة
ويشدّد على ضرورة إلغاء الوكالات الحصريّة، وإفساح المجال للمنافسة في السّوق بين الشّركات، ما يخفّض السّعر، عندها يستطيع المواطن الشرائ بسعر اقل، لكن لا حياة لمن تنادي في ظلّ نظام سياسي طائفي عفن، أوجده لنا الاستعمار وما زال جاثماً على صدورنا.
ويتابع، وما يطبّق من احتكار على الدّواء كذلك الأمر يطبّق على كافة السّلع والمنتوجات المستوردة من خارج لبنان ومنها المحروقات واحتكارها من قبل شركات تابعة لسياسين في لبنان لهم الحصة الأكبر فيها، وكذلك الأمر تتمتع بحصانة الوكالة الحصريّة، وذلك للمزيد من الاحتكار وتحقيق أرباح خياليّة دون أي منافس في السّوق.
قوّتهم باتّحادهم
ويؤكد سعد أنّ هؤلاء المحتكرين يتّحدون مع المصرفيين والمضاربين العقاريين، ويتصدون لأي تعديل ضريبي أو قانوني يطال أرباحهم. والأنكى من ذلك أنهن يتهربون حتى من الضّرائب البسيطة المفروضة عليهم.
ويقول، ما وصلنا إليه من انهيار اقتصادي ومالي واجتماعي، هو نتيجة سياسات 30 عاماً لحكومات متعاقبة على السّلطة، بنت الحجر قبل البشر، وقضت على قطاعات الصّناعة الوطنيّة.
ويعطي مثلاً، القضاء على صناعة الأحذية وصناعة الملبوسات في لبنان، لصالح الاستيراد العشوائي من بلدان آسيويّة، ومنها الصّين، وإغراق السّوق اللّبناني بمنتجاتهم، دون فرض رسوم جمركيّة نوعيّة لحماية الصناعة الوطنية، ما أدى إلى إغلاق آلاف المصانع لأبوابها، وتشريد عشرات آلاف العمّال والمستخدمين والتحاقهم بجيش العاطلين عن العمل.
ويأسف سعد أن يرى اليوم انهيار كلّي للدّولة ولمؤسساتها، في ظلّ الانهيار الاقتصادي والمالي، وعجز في الخزينة يفوق 100 مليار دولار، نتيجة الهدر والسّرقة والنّهب المنظّم. حتى هذه اللّحظة وعلى الرّغم من تحويل لبنان إلى جمهوريّة الطّوابير، إلا أنّه لم يتم اعتقال فاسد أو محتكر واحد وسوقه إلى العدالة.

مماطلة "الصّحة"
من جهته، يرى الصيدلي الدكتور جو سلوم أنّه بعد مماطلة وزارة الصحة في إيجاد الحلول وتجاهلها للانهيار الحاصل في الأمن الدوائي منذ أشهر، تحرّكت مؤخراً ، فعادة ملاحقة المحتركين الى الواجهة.
ولكن جهود الوزير ما هي إلا نقطة في بحر مافيا التّهريب والاحتكار، التي تمارس أعمالها ضمن محميّات سياسيّة. في لبنان، لا يوجد سياسة دوائيّة وطنيّة، بل يخضع الدّواء للتّفكير التجاري والربح والتواطؤ، وهذا مؤسف.

ويضيف سلوم، كارتيلات الدّواء لم ترحم المواطن حتى في عزّ الأزمة الاقتصادية، وهو ما نشهده منذ حوالى السّنتين، حيث يكافح مئات الآلاف من اللّبنانيين سعياً وراء الدّواء والبنزين والغذاء، وسط أزمات غير مسبوقة ضربت البلاد منذ صيف 2019.
ويعزو سبب ذلك لامتناع الدّولة عن رفع الدّعم عن الدواء وترشيده، فيما استمرّ الدّعم العشوائي على كل أنواع الأدوية، ما فاقم مشكلتي الاحتكار والتخزين.
دواء السّوق السّوداء
ويلفت إلى أنّ معظم الأدوية غير موجودة في الصّيدليات، هناك نقصاً حادّاً، سواء المصنَّعة محلياً أو المستورَدة، في حين نستطيع الحصول عليها من السّوق السّوداء، ناهيك عن الكميّات المهرّبة إلى خارج الحدود اللبنانية، بلا حسيب ولا رقيب.
ويختم، نحن في بلد تحكمه عصابات تمتص دم شعبه لتعبئة جيوبها، مافيات لديها من يحميها ويغطي فجورها، ترفض أي محاولة إصلاح خوفاً على أرباحها. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7