تكشف بيانات ملاحية حديثة عن تحول نوعي في حركة العبور داخل مضيق هرمز، حيث أوردت تحليلات أن نحو 71% من السفن التي عبرت المضيق مؤخراً كانت إما إيرانية أو مرتبطة بما يُعرف بـ"أسطول الظل"، وهي نسبة ارتفعت لاحقاً إلى 88%.
ولا يعكس هذا المشهد إغلاقاً تقليدياً للممر البحري، بقدر ما يشير إلى إعادة تنظيم ممنهجة لحركة الملاحة، بحيث تستمر سفن إيران وشبكاتها بالعبور، في حين تتراجع حركة السفن الأخرى تحت وطأة المخاطر والقيود المفروضة.
ورغم التصعيد العسكري، تُظهر المؤشرات أن الصادرات النفطية الإيرانية لم تتراجع، بل سجلت ارتفاعاً ملحوظاً، إذ قدّرت منظمات مختصة أن حجم الصادرات بلغ في فبراير/شباط 2026 نحو 60.7 مليون برميل، بمعدل يومي قدره 2.17 مليون برميل، مقارنة بـ46.9 مليون برميل في يناير/كانون الثاني.
وتتوافق هذه التقديرات مع تحليلات خبراء أشاروا إلى أن الاعتماد المتزايد على ناقلات الظل وعمليات النقل البحري كان عاملاً حاسماً في استمرار التدفقات، مع تسجيل نحو 39 عملية نقل من سفينة إلى أخرى خلال شهر واحد قرب ماليزيا وسنغافورة.
ما هو أسطول الظل؟
ظهر هذا الأسطول عقب إعادة فرض العقوبات الأمريكية عام 2018، ويضم مئات الناقلات التي تعمل ضمن شبكة معقدة من الشركات الوهمية والوسطاء. ووفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية، تعتمد هذه الشبكات على تغيير أسماء السفن وأعلامها، وتعطيل أنظمة التتبع البحري (AIS)، وتنفيذ عمليات نقل في عرض البحر لإخفاء مصدر الشحنات، إلى جانب خلط النفط وإعادة تصنيفه.
كما تؤكد منصات متخصصة في تتبع ناقلات النفط، لا سيما الإيرانية، أن هذه الأساليب تجعل عملية تعقب الشحنات شديدة التعقيد ضمن ما يُعرف بـ"المناطق الرمادية" البحرية.
هويات متبدلة وشبكة مرنة
لا يوجد تقدير رسمي ثابت لعدد سفن الظل الإيرانية، نظراً للتغير المستمر في الأسماء والأعلام والملكية. إلا أن مصادر متخصصة تشير إلى أن النواة النشطة للأسطول تُقدّر بعشرات الناقلات، وقد تتجاوز المئة عند احتساب السفن الداعمة والواجهة.
ورغم الطابع السري، تكشف قوائم العقوبات وتقارير التتبع عن أسماء متكررة ضمن هذه الشبكة، من بينها: (هوت، فيليتشيتا، نورث ستار، أوشن كوي، دانوتا 1، أتيلا 1 و2)، إضافة إلى (ريميز، نيبا، لوما وعلاء).
كما برزت نماذج لعمليات التمويه، مثل ناقلة (أنتيا) التي غيّرت اسمها إلى (سيري) أثناء الرحلة، في مثال واضح على تعقيد تقنيات الإخفاء البحري.
أبعاد اقتصادية وعسكرية
لا تقتصر أهمية هذا الأسطول على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى تمويل البنية العسكرية الإيرانية، إذ تؤكد وزارة الخزانة الأمريكية أن عائداته تُستخدم بشكل مباشر لدعم برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب تمويل الحلفاء الإقليميين.
وفي هذا السياق، يشير باحثون إلى أن جزءاً من النفط أصبح مخصصاً مباشرة للحرس الثوري، حيث ارتفعت حصته من نحو 100 ألف برميل يومياً إلى قرابة 600 ألف برميل يومياً في موازنة 2025، أي ما يعادل نحو ثلث الصادرات النفطية الإيرانية.
ويعكس هذا التحول تعاظم نفوذ الحرس داخل بنية الدولة، إذ لم يعد يكتفي بالدعم المالي، بل بات يدير جزءاً من النفط الخام ويتولى تسويقه عبر شبكات خاصة.
مسارات التفاف معقدة
يوضح الباحثون أن جزءاً من هذه الإمدادات كان يُوجَّه سابقاً إلى النظام السوري، بينما يجري حالياً تسويقها عبر أسطول الظل باستخدام تقنيات مثل إطفاء أجهزة التتبع وتنفيذ عمليات نقل بحري قرب ماليزيا وأحياناً الهند، قبل أن تتولى ناقلات أخرى إيصال الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين.
وتتم هذه العمليات ضمن بيئة يصعب ضبطها رغم الضغوط الأمريكية، وهو ما تؤكده واقعة إيقاف الهند مؤخراً ثلاث ناقلات إيرانية قرب مياهها الإقليمية.
وتُظهر البيانات أن الصين تستحوذ على الحصة الأكبر من هذه الصادرات، فيما تُستخدم دول مثل ماليزيا وسنغافورة كمحطات وسيطة لإعادة الشحن والتصنيف، إلى جانب تدفقات أقل نحو أسواق آسيوية أخرى، بما يعكس شبكة توزيع معقدة تتجاوز نماذج البيع التقليدية.
معركة على خطوط الإمداد
أدى تصاعد دور "أسطول الظل" إلى تحوله لهدف رئيسي للعقوبات الغربية، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على البعد العسكري، بل امتدت إلى صراع على سلاسل الإمداد، حيث تسعى واشنطن لاستهداف ما تصفه بـ"الشريان المالي" لإيران، في مقابل استمرار طهران بإعادة تشكيل هذه الشبكات بمرونة عالية.
في المحصلة، لم يؤدِ التصعيد العسكري ولا الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز إلى تقليص الصادرات الإيرانية، بل إلى إعادة توجيهها ضمن منظومة أكثر تعقيداً ومرونة. ومع استمرار تدفق النفط عبر "سفن الظل"، يتحول هذا الأسطول إلى أداة استراتيجية تمكّن طهران من تمويل برامجها العسكرية والحفاظ على نفوذها، رغم الضغوط ومحاولات الحصار المستمرة.