شهدت السنوات الأخيرة انقسامات واضحة بين الأشقاء العرب في مسألة التعامل مع إسرائيل، ما أفضى إلى تبني رؤى أحادية للتطبيع الذي جرى سابقًا ظل محدودًا بين الحكومات ولم يمتد إلى الوعي الشعبي، أما التطبيع الحديث المعروف بالاتفاقيات "الأبراهامية" فهدف إلى إدماج إسرائيل ضمن النظام الإقليمي، رغم تمسكها بعقيدتها التوسعية وعدم التراجع عن خططها لتجزئة العالمين الإسلامي والعربي.
مشروع التجزئة في المنطقة:
أدت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط إلى كشف ترابط الأحداث في أكثر من دولة. شنّت إسرائيل عدوانًا على قطاع غزة ثم توغلت في مواجهة إيران، كما اعترفت بإقليم أرض الصومال الانفصالي في الوقت ذاته، عانت السودان من حرب شديدة تهدد وحدتها الوطنية، بينما سعى المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن إلى فرض الانفصال في المحافظات الجنوبية وقد اتضح أن أطرافًا عربية دعمت هذه المشاريع الانفصالية، معتبرة أن المصالح المصنوعة أهم من روابط الدم والتاريخ المشترك.
الدور المزدوج للمليشيات:
اعتمد المشروع على خلق مليشيات موازية للدولة في السودان واليمن، لتعمل كأمر واقع بالقوة العسكرية في السودان، شغلت مليشيا الدعم السريع مناطق واسعة وهدفت إلى تقويض الدولة، بينما كان الهدف ذاته للمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن دعمت هذه المليشيات بالإمكانات العسكرية والاقتصادية، ما أدى إلى تعطيل مؤسسات الدولة الشرعية، وخلق كيانات موازية، ومحاولات فرض سلطة غير مشروعة بالقوة.
عسكرة السياسة والتضييق المدني:
تضاعفت قوة المليشيات لتصبح متعددة الوظائف: قوة مسلحة، منظمة سياسية، جهة استثمارية، ومنظمة مدنية وقد زاد احتلال دارفور من أهمية الدعم السريع لإسرائيل، حيث يُنظر إليها كأداة لتحقيق الانفصال عن الدولة المركزية في حال عجزت عن السيطرة على السودان بأكمله. وبالمثل، أعلن قائد المجلس الانتقالي الجنوبي عن سعيه للاعتراف المتبادل مع إسرائيل حال الانفصال عن اليمن.
خطوات مطلوبة لمواجهة المشروع:
تحتاج الدول العربية إلى دعم الهياكل الشرعية في السودان واليمن لاستعادة الدولة وفرض سيادتها، بما يحمي الوحدة الوطنية. على المستوى الاستراتيجي، من الضروري إعادة تعزيز العمل العربي المشترك وتوحيد المواقف في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي كما يجب توسيع التعاون مع القوى العالمية الصاعدة لصياغة سياسات مشتركة تخدم مصالح المنطقة في الأمن والتنمية.
يرى مراقبون أن المشروع الذي يهدد السودان واليمن جزء من خطة إسرائيلية أوسع تهدف إلى إضعاف الدول العربية من أطرافها ويظل الحل مرتبطًا باستعادة الوحدة العربية في المواقف والأفكار، وإعادة تعريف الأمن القومي بصورة جماعية، والتأكيد على سيادة الدول وحماية أراضيها من المشاريع الانفصالية إن أي تفكك أو شقاق سيؤدي إلى تشتت الموارد والفوضى السياسية، ويضعف قدرة الدول على مواجهة التحديات الإقليمية.