التغلغل الاسرائيلي في افريقيا (ح6)

اعداد خضر عواركة - صافي محمد سعيد- د. علي جمعة - د. زينة يوسف

2020.11.24 - 09:56
Facebook Share
طباعة

 1.    التواجد الصهيوني في تونس:

          إنَّ العلاقات التونسيَّة مع إسرائيل لم تبدأ مع الرئيس المخلوع ابن علي، بل بدأت مبكراً منذ العام 1952م, عندما التقى "الباهي الأدغم" الذي كان مقرّبا من الرئيس السابق حبيب بورقيبة، بـ"جدعون رافائيل" بزعم الحصول على دعم من أجل الاستقلال التونسي, وفي عام 1956م، بعد أن أعلنت تونس الاستقلال، التقى الأدغم سرّا مع "يعقوب تسور"، سفير إسرائيل لدى فرنسا, وفي وقت لاحق من ذلك العام، التقى تسور مع وزير الماليَّة التونسي، الذي سعى إلى مساعدة إسرائيل في بناء المستوطنات الزراعيَّة التعاونيَّة.
 
          وبعد انتقال "القيادة الفلسطينيَّة إلى تونس بعد العام 1982م, استطاعت إسرائيل إيجاد قاعدة قويَّة من العملاء في تونس، وحسب صحيفة "معاريف" فإنَّ كثيراً من عملاء الموساد زاروا تونس كسياح أو كرجال أعمال أوروبيِّين، وأن هؤلاء زاروا تونس كثيراً تحت هذا الغطاء وفي فترات متقاربة، وفتحوا فروعاً لشركات أوروبيَّة في العاصمة كانت غطاء لنشاط الموساد.
          وكشف التقرير عن أنَّ التقارب التونسي الإسرائيلي، جاء بعد اتفاقيَّات أوسلو، الذي تُرجم على الصعيد العلني بفتح "مكتب التعاون الاقتصادي الإسرائيلي" العام 1996م، حيث تضمَّن شقَّاً سريَّاً تمثَّل في "إنشاء منظومة التعاون الأمني الموسادي مع تونس"، على يد "شالوم كوهين"، وهو أيضاً تونسي يهودي عمل في شعبة شمال أفريقيا بالموساد الإسرائيلي، وتسلَّم في العام ذاته منصب مدير مكتب رعاية المصالح الإسرائيلية في تونس, ووفقاً للتقرير، قام كوهين تحت غطاء نشاطه الدبلوماسي المزعوم ببناء "شبكة موساديَّة" قاعدتها في تونس العاصمة، ولها تفرعات في مدينتي "سوسة" و"جربة", وتتوافق المعلومات، التي أوردها تقرير "مركز يافا" استناداً إلى وثائق وتقارير عديدة, لا سيما في ما يتعلق برصد معالم شبكة الموساد السريَّة التي "تضم نحو 300 عميل" يتوزَّعون بين ثلاثة مراكز للتجسس, تتوزع بين تونس, وسوسة, وجربة.
          وبالرغم من الضجة الكبيرة التي أثارها الكشف عن هذه الشبكات، إلا أنَّ السلطات الرسميَّة التونسيَّة التزمت الصمت، ولم تتخذ أي إجراء علني بخصوصها, وفي تصريح لجريدة "المغرب" التونسية، قال وزير الداخليَّة علي العريض، إن «التصريحات القائلة بوجود 300 عميل لجهاز الموساد في تونس، يعملون تحت لافتات جمعيَّات ثقافية ووكالات أسفار، عارية من الصحة، وغير مسؤولة بالمرَّة، لأنَّ من شأنها أن تشوش على عمل أجهزة الأمن.     
 
          أمَّا بعد توقيع اتفاقيَّات أوسلو، فإنَّ التيَّارات القوميَّة واليساريَّة والجمعيَّات المناوئة للتطبيع في تونس, تتَّهم الرئيس المخلوع بـ"تسهيل مهمَّات الموساد ونشاطاته في تونس"، كما ورد في شريط وثائقي بثه التلفزيون التونسي بعد الثورة، بعنوان "دولة الفساد".
 
          وتشير العديد من المصادر إلى أنَّ عدداً من الجمعيَّات الأجنبيَّة التي تنشط في تونس بعد الثورة، مثل "فريدوم هاوس"، تخترق المجتمع التونسي, وكذلك "مؤسسة أميديست"، التي تدرّس اللُّغة الإنكليزية تحت إشراف السفارة الأميركيَّة، تحث التلامذة التونسيين علناً على التخلي عن معاداة إسرائيل، ولم تنفي إسرائيل التدخل في الشأن الداخلي التونسي, حيث أشارت الدوائر الأمنيَّة والسياسيَّة الإسرائيلية إلى متابعة حثيثة لما يدار في تونس بعد سقوط بن علي, وكان أوَّل المتحدثين نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي "سيلفان شالوم"، المنحدر من أصول تونسيَّة، الذي أعرب عن «أمله أن يستمر الاعتدال في هذا البلد بعد إطاحة بن علي».
          أصبحت الكثير من الوجوه الأكاديميَّة والفنيَّة والثقافيَّة التونسية خاصة بعد "الثورة" لا تخجل من زيارة تل أبيب ومناطق أخرى من فلسطين المحتلَّة 48 في شكل مشاركات مختلفة في ندوات وحفلات فنيَّة كما فعل مثلا المطرب المعروف صابر الرباعي قبل سنتين, بل إنَّ زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي لم يتردد في زيارة منظَّمات صهيونيَّة كثيرة مرات عديدة بعد "الثّورة"، أهمّها: Aipac وLe WINEP – Washington Institute for Near EastPolicy وSaban Center for Middle East Policy وCouncil on Foreign RelationsCFR و Chatham House وForeign Policy, وهو ما أهَّلَه لتصنيفه واحدا من بين أكثر 100 شخصية مؤثّرة في العالم سنة 2012 في صحيفة TIME.
          في أواخر سنه م2018 استنكرت جمعيَّات وهيئات حقوقيَّة تونسيَّة عدَّة مناهضة للتطبيع مع إسرائيل افتتاح فرع لمنظمة صهيونيَّة في تونس تحت غطاء العمل الجمعيَّاتي, معتبرة ذلك تحولاً خطيراً ومحاولة لفرض التطبيع كأمر واقع وذلك بالسماح والترخيص لفرع "الرابطة الدوليَّة لمناهضة العنصريَّة ومعاداة الساميَّة" "ليكرا" وهي منظمة مُتّهَمة بدعم الصهيونيَّة.
          ولم يقتصر معسكر المطبعين على النخب الأكاديميَّة والعلميَّة بل توسع وطال أهل الفن والثقافة ففي صيف سنة 2010 فوجئ التونسيون بفيديو انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي للفنان التونسي محسن الشريف يغني في إحدى الحفلات التي يحضرها يهود من أصول تونسيَّة في فلسطين المحتلَّة, وهو يصيح على المسرح هاتفا بحياة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو".
          تُوضَّح الإحصائيَّات التفصيليَّة الواردة في قاعدة البيانات الخاصَّة بمنظّمة التجارة والأمم المتَّحِدة، طبيعة السلع المتبادلة بين الطرفين, حيث تتكوّن معظم صادرات الكيان الصهيوني إلى تونس من الأسمدة الزراعيَّة والمواد الكيميائيَّة والمعدَّات الفلاحيَّة المختلفة، لتستحوذ على ثلاثة أرباع رقم معاملات التوريد بقيمة تجاوزت سنة 2012م ذروة الصادرات الإسرائيلية إلى تونس 12 مليون دولار، في حين تشمل باقي الواردات المعدّات الطبيّة والصيدليّة والمكوّنات الصناعيّة الإلكترونيّة, أمَّا من الجهة التونسيَّة، تمثِّل المنتوجات الفلاحيَّة على غرار اللُّحوم والزيوت والبقول والحبوب 85% من الصادرات التونسيَّة إلى إسرائيل, بينما تتوزَّع باقي السلع المصدَّرة بين الجلود والخشب والنسيج والتّي بلغت قيمتها 825 ألف دولار من إجمالي 5.5 مليون دولار في أعلى مستوى لها سنة 2017م.
 
2.    التواجد الصهيوني في الجزائر:
          إنَّ العلاقات الجزائريّة الإسرائيلية شبه منعدمة, كما ترفض الجزائر دخول أراضيها أيّ شخص يحمل جواز سفر إسرائيلي أو أي جواز سفر آخر لديه تأشيرة دخول من إسرائيل, خلال حرب الأيّام الستة عام 1967م، أرسلت الجزائر كتيبة من المشاة وسرب من طراز ميج 21 إلى مصر، وخسرت ثلاث طائرات ميج 21, وخلال حرب يوم الغفران في عام 1973م، أرسلت الجزائر قوة استكشافيَّة لمحاربة إسرائيل، بما في ذلك 59 طائرة وفصيل مشاة ولواء مدرّع مع ما يُقدّر بنحو 19 سلاح مدفعي, وفي منتصف التسعينيّات، وبينما بدأت إسرائيل ودُول شمال أفريقيا ببطء العلاقات الدبلوماسيّة، ظلّت الجزائر بعيدة عن ذلك, لكن كثير من التقارير تشير إلى تواصل سري أو غير مباشر بين البلدين, مثل الحادثة التي حصلت العام 1999م, وهي المصافحة التاريخية بين الرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز بوتفليقة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إيهود باراك، في الرباط المغربية، على هامش جنازة الملك المغربي الحسن الثاني, والتي وصفها بوتفليقة "لقاءً عفوياً وردّ تحية ليس إلا", ناهيك عن زيارة وفد إعلامي جزائري لإسرائيل, وكذلك في يوليو/تموز 1999م سمحَت السلطات الجزائريَّة للمرة الأولى لنوادي الروتاري والليونز بالعمل في الجزائر، على الرغم مما يحوم من شبهات حول علاقة هذه النوادي بلوبيات مالية وسياسية متصلة بإسرائيل والصهيونيَّة.
          وتتغلغل إسرائيل في دول المغرب العربي والجزائر عبر العديد من الطرق الملتوية, حيث سمح قانون كريميو "Cremieux" الذي منح الجنسيَّة الفرنسية إلى كل اليهود الجزائريين, ما يجعل الاختراق داخل المجتمع الجزائري أسهل, بل نجحوا بتقسيم الجزائريِّين إلى تيارين: تيار فرانكفوني لغة وتفكيراً ومنظوراً وسلوكاً ولباساً وعادات، وتيار عروبي إسلامي منبوذ ومضطهد من قبل العسكر.        
          ثم جاء ما سمي بـ"التصحيح الثوري" الذي أتى بحكم العسكر برئاسة الراحل هواري بومدين سنة 1965ك، رافعا شعار "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة", أما حقبة الرئيس "الشاذلي بن جديد"، عرفت أوَّل لقاءات سريَّة جزائريَّة إسرائيليَّة بوساطة فرنسيَّة وأمريكيَّة في أوروبا و أمريكا اللاتينيَّة، لقاءات خُصِّصَت لميدان التعاون الاقتصادي، فـ "إسرائيل" باتت تبيع للجزائر الطماطم والبطاطس والقمح والدواء والبذور عبر شركات إسرائيليَّة مقراتها في أوروبا.
 
          وبعد الإطاحة بـ"الشاذلي بن جديد" من طرف المؤسَّسة العسكريَّة، وما تبعها من حصار غربي للجنرالات، ورفض أغلبيَّة الدول بما في ذلك دول المعسكر الشرقي بيعهم أسلحة متطوِّرة لمجابهة "الجماعة المسلَّحة الجزائريَّة وجماعة الدعوة والقتال" تحوَّل جنرالات الجزائر إلى شراء الأسلحة من "إسرائيل" عن طريق البوابات التركيَّة والجنوب أفريقيَّة، ومن خلال السوق السوداء التي يسيطر عليها العملاء الإسرائيليون التابعون للموساد "تجار الموت" أو "Les Marchands de la mort", كما تشير بعض المعلومات إلى اختراق وتغلغل إسرائيلي في قطاعات مختلفة, منها العلاقات التجاريَّة فالجزائر تستهلك أكتر من 5 مليار دولار سنويَّاً من المنتوجات الصناعيَّة والفلاحيَّة والطبيَّة "الإسرائيليَّة".
 
          كما يشير خبراء أنَّ شركة "إسرائيليَّة" تدير إحدى أكبر مناجم الفوسفات في البلاد تحت غطاء شركة فرنسيَّة, كما يتغلغل الإسرائيليون بجوازات سفر أوربيَّة في الجزائر, لزيارة المقابر والأضرحة المقدَّسة اليهوديَّة، وهنا لعب الحاخام "هنري هادنبريغ" رئيس منظمة اليهود الفرنسيِّين "CRIF" دوراً محوريَّاً في ترتيب وتدبير تلك العلاقة, كل هذا يدور في عهد بوتفليقة رغم تصنيف مسؤولون صهاينة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة واحد من ألد أعداء الكيان البغيض.
 
          وكمؤشر عن التغلغل والاستهداف حرَّكت إسرائيل أحد أقمار التجسس ليعمل فوق الجزائر، في تطور مهم لنشاطها التجسِّسي, وأوضحت تقارير صحفيَّة أنَّ المخابرات الإسرائيلية سربت صوراً لقواعد صواريخ أرض جو قرب الجزائر العاصمة، بينها صواريخ روسية الصنع, وتحدثت عن صور نشرها الموقع الإلكتروني العسكري الشهير "ديفونس إيبدات" التقطها قمر التجسس "إيروس بي" تظهر منشآت عسكريَّة في الجزائر العاصمة، التي أحيطت بمنظومات الدفاع الجوي لحماية المراكز الحكوميَّة المهمَّة كالرئاسة ووزارة الدفاع, وووفقاً للصحيفة فإنَّ الأقمار الاصطناعيَّة الصهيونيَّة عملت على تصوير المواقع العسكريَّة الجزائريَّة منذ 2006م على الأقل, ومؤخَّراً أشارت بعض التقارير أنَّ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "موساد"، كثَّف من نشاطه بالعاصمة التونسيَّة بعد سقوط نظام بن علي وتدهور الوضع الأمني بعد الثورة، حيث كوّن ثلاث خلايا نشطة بكل من العاصمة تونس وجربة وسوسة للتجسُّس على كل من الجزائر وليبيا.
 
3.    التواجد الصهيوني في المغرب:
          شَهِدت العلاقات الإسرائيلية المغربيَّة موجة من الصعود والهبوط، بحسب الوضع الإقليمي، والشخصيّة الحاكمة في المغرب, فنشأت بين البلدين علاقات تباينت في درجاتها بين العلنية والسريَّة, العام 1948م بعد إعلان تأسيس إسرائيل، ألقى الملك محمد الخامس خطاباً شديد اللهجة، هاجم فيه الصهيونيَّة وإسرائيل, كما أنَّ مجموعة كبيرة من المتطوِّعين المغاربة، انضموا إلى القوَّات العربيَّة التي تقاتل في حرب 1948م, وفي العام 1956م حصلت المغرب على استقلالها عن فرنسا، فكانت أولى الخطوات التي اتخذتها الحكومة الجديدة، الحد من هجرة يهود المغرب لإسرائيل, وبعد نحو عام، حظرت المغرب، بشكل نهائي، الأنشطة الصهيونيَّة على أراضيها, ما دفع الحركة الصهيونية السريَّة في المغرب، إلى إدارة عمليات التهريب وتهجير اليهود بشكل سري تحت رعاية وتوجيه الموساد.
 
          العام 1961م، بعد غرق السفينة "إيغوز"، وانتقال السلطة من الملك محمد الخامس إلى ابنه حسن الثاني، جرت مفاوضات سرية بين إسرائيل والمغرب، وتوصل الجانبان إلى اتفاق للسماح بهجرة يهود المغرب, وبمقتضاه تحصل الرباط على 250 دولاراً عن كل يهودي تسمح له بالهجرة إلى إسرائيل، كما تلتزم الأخيرة بمساعدة المغرب على تطوير أجهزتها الأمنيَّة.
 
          وشهد منتصف الستينيات ذروة استفادة إسرائيل أمنياً من التعاون مع المغرب, ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكريَّة الإسرائيلية "شلومو غازيت"، قوله إنَّ المغرب مكَّن إسرائيل من تسجيلات قمَّة عربيَّة استضافها عام 1965م, ثم توالت زيارات بين البلدين بشكل سري وعلني.
 
          العام 1995م، وبعد اتفاق أوسلو، تأسست العلاقات الدبلوماسيَّة الكاملة بين البلدين, لكن عام 2000م، بعد أحداث الانتفاضة الثانية، قطع المغرب العلاقات الدبلوماسية الرسميَّة مع إسرائيل.
          ومن مظاهر التغلغل الإسرائيلي في المغرب, العمل على تنفيذ اتفاقيات عسكريَّة بين البلدين, وحسب ما ذكرت القناة الثانية الإسرائيلية, أنَّ إسرائيل باعت للمغرب معدَّات عسكريَّة تضمَّنَت منظومات حرب إلكترونيَّة واتصالات ومراكز تحكُّم، وكذلك 3 طائرات بدون طيار من طراز هيرون, وفي العام 1994م قدَّرَ معهد الصادرات الإسرائيلي حجم الصادرات الإسرائيلية في مجال الزراعة و"الهاي تك"، إلى المغرب بنحو 220 مليون دولار في العام, وفي عام 2012م وصل حجم الصادرات الإسرائيلية للمغرب إلى نحو 12 مليون دولار, وعام 2012م، وعلى خلفيَّة "ثورات الربيع العربي"، وتراجع السياحة الإسرائيلية المتجهة نحو مصر وتونس، قال الدكتور يحيئيل حمو، مدير شركة "مروكو تور" للسياحة، إن عدد السياح الإسرائيليين الذين يتجهون إلى المغرب يراوح بين 10 و13 ألف سائح سنوياً.
 
          في العام 2013م، تمَّ طرح مشروع قانون على البرلمان المغربي يجرم التطبيع مع إسرائيل, وينص على معاقبة كل من يساهم أو يشارك في التطبيع مع إسرائيل أو يحاول ارتكابه، بعقوبة حبس تراوح بين سنتين وخمس سنوات، بالإضافة إلى غرامة ماليَّة, لكن الأحزاب الأخيرة الموالية للملك، سرعان ما تراجعت عن دعم مشروع القانون، وفشل البرلمان على مدار السنوات التالية في إقراره.
 
          وشهدت الأعوام الماضية جدلاً مغربياً بشأن انتشار التمور الإسرائيليَّة في المغرب، وهذا ما دفع للتساؤل بشأن العلاقات الاقتصاديَّة الخفيَّة بين البلدين, فيما قدَّرَ البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض "مهدي مزواري"، قيمة ما يدخل للمغرب من منتجات إسرائيليَّة بنحو 50 مليون دولار, وعلى الرغم من قطع العلاقات الدبلوماسيَّة الرسميَّة بين المغرب وإسرائيل، فإنَّ التغلغل الإسرائيلي لم يتوقف, إذ وفقاً لما ذكرته "القناة الثانية الإسرائيلية" العام 2014م، لتعاون تقني بين البلدين, كما تتغلغل إسرائيل عبر شركات السياحة والسفر, ويزور المغرب بانتظام إسرائيليون للسياحة أو لحضور احتفالات دينيَّة لليهود, كما يلعب اليهود المغاربة دواراً في كبيراً في المغرب, حيث يعيش حوالي 3 آلاف يهودي فيها,
 
          وفي أغسطس 2015م، كشفت قناة i24 الإسرائيلية أنَّ المغرب أرسلت نحو 30 شاباً من اليهود المغاربة إلى إسرائيل، للمشاركة في برنامج يرمي إلى دمجهم داخل المجتمع الإسرائيلي قبل توطينهم في إسرائيل والخدمة في الجيش الإسرائيلي.
 
          ومن أهم الشركات الإسرائيلية العاملة في المغرب شركة "أحرير" المختصَّة في زراعة الطماطم بالمغرب, وشركة "زيريم اكادير" الإسرائيلية المغربية, وشركة "نفطاليم" وشركة "حازير" للبذور، و تلعب اتصالات المغرب اكبر دور في التعامل مع الشركات الإسرائيلية ، وتستثمر هذه الشركات في مدن كالصورة وفاس والراشدية وبوذنيب، وهذه بعض الإحصاءات الرسمية لصادرات وواردات المغرب من والى إسرائيل.
 
          وبحسب موقع «كان» الإسرائيلي، فإنَّ مسؤولين أمريكيِّين "لم تُكشف عن هويتهم"، صرَّحوا بأنَّه يُنظر إلى المملكة المغربيَّة "على أنَّها مرشَّح محتمل للالتحاق بالاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، لأنَّ لديها بالفعل علاقات سياحيَّة وتجاريَّة مع إسرائيل".
 
4.    التواجد الصهيوني في موريتانيا:
          رفضت موريتانيا منذ الستينيات عروضاً إسرائيليَّة بالاعتراف المتبادل مقابل دعم الإسرائيليين للقضيَّة الموريتانيَّة, تجاوزت موريتانيا عقبة الاستقلال فكانت من أنشط دول العالم العربي في دعم القضية الفلسطينيَّة وفقاً لإمكانياتها, وفي مطلع التسعينيَّات تحديداً اندفع النظام الموريتاني لربط علاقات مع إسرائيل, حيث أصبحت موريتانيا ثالث دولة عضو في الجامعة العربيَّة "إلى جانب مصر والأردن" تعترف بإسرائيل كـ"دولة" ذات سيادة.
 
          واستباقا لخطوات بدأتها "حركة تحرير الأفارقة", بالإضافة للسياق العربي المنهك بعد حرب الخليج, والتحديات الداخليَّة المتعلِّقة بالصراع مع الحركات السياسيَّة, ووجود صعوبات اقتصاديَّة, وتحوُّل عاصف من نمط الحكم العسكري إلى الانفتاح الديمقراطي, كل هذا دفع النظام الموريتاني لفتح صفحة جديدة كانت مغلقة مع الكيان الإسرائيلي, وبالفعل بدأ العلاقات تتطور بدءاً من العام 1999م, وزار وفد من الكنيست الإسرائيلي موريتانيا في شهر أبريل/نيسان 2000م, وضمَّ أعضاء الكنيست: نعومي شازان من حزب "ميرتس"، وماكسيم ليفي من كتلة "إسرائيل واحدة"، وجيدون عزرا من حزب "الليكود"، وهاشم محاميد من حزب "اللائحة العربيَّة الموحَّدة", واستقبل الرئيس الموريتاني وفد الكنيست الإسرائيلي في قصره، كما تمَّ تأسيس جمعيَة للصداقة الموريتانيَّة الإسرائيلية في نهاية الزيارة.
          كما استغلَّت إسرائيل تلك العلاقات للتغلغل في الداخل الموريتاني,         وعقدت لقاءات متتالية بين الطرفين, وتؤكِّد مصادر مسؤولة تغلغل إسرائيل في الجانب العسكري كحصول القيادة الموريتانيَّة على الخبرة الأمنيَّة والاستخباريَّة الإسرائيلية, كما عملت إسرائيل على محاولة إدخال السلع الإسرائيلية إلى السوق الموريتانيَّة، وتقديمها إلى المستهلك الموريتاني عبر شركات فرنسيَّة, وكذلك استخراج وتصنيع خام "الليثيوم" الذي تمتلك موريتانيا الاحتياطي الأول منه في العالم, ووقَّعت إسرائيل اتفاقيَّة مع موريتانيا العام 2000م ‏تقضي باحتكارها عملية البحث والتنقيب عن معدن الليثيوم في أراضيها, كذلك تقديم المساعدات في مجال تطوير زراعة النخيل, وموَّلت إسرائيل مشروعاً صغيراً لحماية النخيل تحت غطاء برنامج الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، كما ساهم الإسرائيليون بالتعاون مع رجل أعمال موريتاني في مشروع لزراعة البطاطس على النهر قدرت تكلفته بما يعادل 26 مليون دولار تقريبا, كذلك تغلغلت إسرائيل عبر البوابة الصحيَّة, فقد زارت البلاد منذ بداية أربعة وفود طبيَّة إسرائيلية, وزارت وفود موريتانية إسرائيل مشاركة في دورات وملتقيات في مجالات متنوعة,
 
          في العام 2009م, في الرابع من مارس, أمرت السلطات الموريتانيَّة السفير الصهيوني "بوعز بوسميث" وطاقم سفارته بمغادرة البلاد خلال ثمانية وأربعين ساعة, وفي السادس من مارس 2009 أزالت الجرافات الحواجز الإسمنتيَّة التي كانت محيطة بمقر السفارة, وفكَّكت كاميرات المراقبة وأعيدت وحدات الشرطة وقوات الأمن الداخلي الخاصة التي تحرس المكان إلى ثكناتها, وأسدل الستار على عشر سنوات من مداعبة الرياح الساحليَّة للعلم الإسرائيلي.
 
          غير أن موريتانيا وهي تجمد هذه العلاقات لم تعلن عن القطيعة النهائية مع إسرائيل إلا بعد عام تقريبا "22 مارس 2010م" حيث أعلنت وزيرة الخارجيَّة الموريتانيَّة "الناها بنت حمدي ولد مكناس" أنَّ بلادها قد قطعت "نهائيَّاً" علاقاتها مع إسرائيل، ردا على اتهامات المعارضة للحكومة بأنَّ العلاقات التي تم تجميدها ما زالت قائمة، وأن نظام الرئيس ولد عبد العزيز "يضلل الشعب الموريتاني، ويتكتم على هذه العلاقات".
          لكن يبدي الكثيرون من مخاوفهم من استمرار مستوى من مستويات العلاقة الموريتانية الإسرائيلية بشكل سري, ويستدلون على ذلك بالمكانة التي منحت للطاقم الموريتاني الذي عمل في السفارة بتل أبيب حيث عين السفير "أحمد ولد تكدي" على رأس الخارجيَّة الموريتانيَّة بينما عين محاسب سابق في السفارة "مختار جا ملل" وزيرا للتعليم الأساسي.
 
          وتعتبر أولى خطوات انتعاش العلاقات الموريتانيَّة الإسرائيلية الإبقاء على العلاقة القائمة في المجال الأمني بين الدولتين، والعمل ضمن منظومة أمنيَّة مشتركة لمواجهة خطر "الإرهاب" بالمنطقة.
          بعد الحديث المتعارض حول إمكانية إقامة موريتانيا لعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل على خطى الإمارات والبحرين، كثر الحديث في الصحافة الغربيَّة عن الدول العربيَّة التي ستأخذ نفس المسار الدبلوماسي, في هذا الإطار، جاء في ورقة إخباريَّة لصحيفة Lalibre.be الالكترونيَّة البلجيكيَّة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قال، خلال لقائه الأخير برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "لقد قطعنا خطوات متقدمة مع خمسة أو ستة دول عربية إضافية ستلتحق بنا قريبا لربط علاقات دبلوماسية مع إسرائيل كما هو حال الإمارات والبحرين". مضيفا: "إسرائيل لم تعد معزولة حسب اعتقادي", كما نقلت الصحيفة عن أحمد مجدلاني، عضو المكتب التنفيذي لمنظمة تحرير فلسطين، قوله: "حسب معلوماتنا، فإن أربعة أو خمسة دول عربية يمكن أن تكون مستعدة، بعد البحرين والإمارات، للمضي قدما في هذا السلام المتخيل", وقالت الصحيفة أن مجدلاني لم يكشف أسماء هذه الدول، إلا أن مصادر فلسطينيَّة أشارت إلى عمان والسودان وموريتانيا والمغرب, ويشير بعض المراقبين أن هذا موريتانيا من الممكن أن تعيد علاقتها مع إسرائيل, لكن "الوقت لم يحن بعد".
 
يتبع...
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 6