السوريون يلجؤون لقرشهم الأبيض في يومهم الأسود : بيع الذهب لتأمين لقمة العيش

نور ملحم _ دمشق وكالة أنباء آسيا

2020.07.29 - 08:44
Facebook Share
طباعة



 تنزع "أم يحيى" قلادتها التي اعتادت عليها معلقةً في عنقها منذ يوم زفافها. تتغيرّ تعابير وجهها الذي بدا عليه الشقاء والتعب، ليكتمل المشهد حينما يعرض عليها صاحب محل المجوهرات 450 ألف ليرة، ما يوازي 200 دولار، فتسأله بخجل "ممكن تشتري بسعر أفضل؟"، قبل أن يوافق على السعر المطلوب.

تتحدث السيدة الخمسينية لـ وكالة أنباء آسيا قائلة : كل ما تبقى لدي هذه القلادة والسلسلة الذهبية عمرها أكثر من 27 عاماً، هدية من زوجي الذي كان يعمل في إحدى الشركات الخاصة العاملة في الاستيراد والتصدير، ولكنه اليوم بلا عمل نتيجة فيروس كورونا، بعدما تم إيقاف العمل في الشركة منذ حوالي شهرين .

تؤكد أم يحيى: "رغم حزني، ولكن لن أتأخر في بيعها من أجل إطعام أولادي، فالوضع المعيشي صعب جداً وكل شيء صار غالي".

من خلف الطاولة الخشبية التي وضع عليها ميزان وبعض الخواتم والسلاسل، يقول الصائغ جورج (45 عاما) : "يأتي يومياً ما بين 10-15 شخص لبيع الذهب، منها قطع بسيطة على شكل حلق للأذنين وخواتم، لتعينهم على ما يبدو في هذه الظروف الصعبة، بالمقابل يوجد فئة قليلة جداً من الأغنياء الذين يشترون المعدن الثمين من ليرات وأونصات بعد انهيار قيمة الليرة السورية، الذهب أسهل للحمل في حال اضطروا للمغادرة سريعا".

لتأمين لقمة العيش ...

ضمن الأوضاع الاقتصادية الصعبة والأسعار المجنونة والركود الكامل لحركة الأسواق، وحده سوق الذهب شهد حركة معكوسة من حيث بيع العائلات للخواتم والأساور وبعض السلاسل الذهبية، ولا سيما الموظفين الذين باتوا عاطلين عن العمل بعدما أقفلت 40% من شركاتهم، فبات معظمهم يبيعون ذهبهم ليتمكنوا من تأمين لقمة العيش.

في سوق الصاغة الواقع في منطقة الحريقة بقلب العاصمة دمشق، تتجادل سيدة أخرى مع أحد الصاغة لبيع خاتم ورثته عن والدتها، يقول لها بأنه سيشتريه منها مقابل 150 ألف ليرة سورية، (ما يعادل 75 دولار) عندما تعتمد البيع .
تغادر السيدة التي رفضت التحدث، لاعتقادها أن السعر منخفض جدا مقارنةً برمزيته بالنسبة لها، لكن التاجر واثق من أنها ستعود للبيع من جديد، لأنها بحاجة إلى المال ضمن الظروف الصعبة كما قال".

و أكد التاجر لآسيا أن الطلب على المجوهرات انخفض بشكل ملحوظ بسبب ارتفاع سعر الذهب في السوق العالمية، وتراجع قيمة العملة السورية التي انخفض سعرها إلى النصف في مقابل الدولار الأمريكي في الآونة الأخيرة.

لا يتناسب مع العمل ...

من جهته، يقول الياس دواد الذي يمتلك ورشة لصياغة الذهب، في تصريحات لآسيا إن السعر الذي وصل إليه الذهب لا يتناسب نهائياً مع عمل الصائغ على عكس ما يشاع، لأنه عندما يكون سعر الذهب رخيصاً أو على الأقل مقبولاً نوعاً ما، تكون حركة السوق جيدة، وتنشط حركة المعامل وورشات الصياغة، وكذلك عمل الصاغة، لأن صناعة الذهب سلسلة متكاملة مع بعضها، ابتداء من المعمل والصائغ وانتهاء بالزبون، مؤكداً أنه عبر تاريخ الذهب المحلي، لم يصل إلى هذا الحد من الارتفاع، فهي سابقة في تاريخه.

ويشير داود إلى أن حركة البيع والشراء حالياً شبه مشلولة، وخاصةً بعدما تم إغلاق أكثر من 70% من الورشات بسبب القرارات المدمرة للمهنة، فاليوم المواطن ليست له قدرة على الشراء، والمشكلة الأخرى هي ارتفاع ضريبة الصياغة، فهي تصل إلى 1500 ليرة على الغرام الواحد، لذلك توقفت الصياغة حالياً، وأيضاً توقفت الورشات عن العمل.

الاحتياطي منخفض ...

في الوقت الذي يشتكي الصائغ من وضع السوق، تشير البيانات الصادرة عن "مجلس الذهب العالمي" إلى ثبات احتياطيات سوريا عند عتبة 25.8 طناً، أي ما يقارب 22 مليون أونصة.
ويرى الدكتور في الاقتصاد بجامعة دمشق، علي كنعان، في تصريحه لـ وكالة أنباء آسيا بأن هذه الكمية تعد قليلة جداً مقارنة مع دولة كانت تحتل المرتبة العاشرة عربياً بحجم احتياط الذهب، متقدمة بذلك على دول كالإمارات والمغرب ودول عربية أخرى .

الوضع المعيشي له أثر ...

بالمقابل، فإن ركود سوق الذهب مرتبط بالركود العام الذي تشهده الأسواق السورية، بحسب تصريح رئيس جمعية الصاغة في سوريا جورج صارجي، الذي بيّن لآسيا أنه "عندما ترتفع المتطلبات المعيشية حتما لن يبقى للذهب موطئ قدم، لأن الذهب سلعة للادّخار في سوريا، ومع ارتفاع ثمن المتطلبات المعيشية لن يتمكن الناس من الادّخار".

لافتاً إلى أنه تم الاتفاق مع المصرف المركزي على السماح للصاغة ببيع الذهب المصنع محلياً في الأسواق الخارجية، وبالمقابل تصريف القطع الأجنبي لثمن المصاغ في المصرف المركزي بموجب شيك أو حوالة، وكذلك السماح بالاستيراد لتنظيم وضع الصاغة الذين يشترون ذهباً من الخارج.

واليوم، تأمل أم يحيى مثل الكثير من السيدات الذين اتبعوا خطاها، في أن يساعدها بيع الذهب على توفير لقمة العيش لأسرتها مدة أطول، لعل القدر يكون معها في الأيام القادمة لتوفير ما يحتاجه أطفالها الخمس.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 2