كتبَ جورج حايك.. مقاربة ثلاثة خبراء اقتصاديين: لبنان في خطر!

2020.07.10 - 09:52
Facebook Share
طباعة



 استفحلت الأزمة الاقتصادية والمعيشية في لبنان الذي يشهد ركوداً اقتصادياً وزيادة في عدد الفقراء والبطالة وارتفاع الأسعار، فيما تعاني السلطة السياسية من العزلة الدولة نتيجة انعدام الثقة الخارجية والداخلية، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الاختلالات في الاقتصاد اللبناني. فالثقة الخارجية تتمثل بتشجيع المجتمع الدولي وبعض الدول العربية على تقديم الدعم المالي والسياسي المطلوب للنهوض بالاقتصاد. أما الثقة الداخلية فتتمثل في عودة الثقة بالنظام اللبناني ومؤسساته الدستورية والرسمية والانتظام العام. والأهم من ذلك كله استعادة الثقة بالنظام المصرفي والمالي وتحقيق الاستقرار النقدي والتوازن المالي.

المقاربات الاقتصادية عديدة لكن الخبير الاقتصادي روي بدارو يرى "اننا دخلنا في دوامة سلبية لا خروج منها إذا لم يحصل تغييراً سياسياً عميقاً يبدأ بخروج ايران وجماعتها من التأثير على السياسة اللبنانية، نحن لا نتكلم عن خروج الطائفة الشيعية الكريمة حتماً، انما لا بد أن يقتنع حزب الله نفسه بأن لا خروج من الأزمة إلا بخروجه من السلطة. غير ذلك لن ينفع وسعر صرف الدولار سيستمر في الارتفاع وكلما ارتفع سيؤدي إلى انكشاف أكثر للطبقات الفقيرة، أي ان الفقر سيحصل تدريجياً وقد التهم الطبقتين الفقيرة والوسطى. نحن ذاهبون إلى اضمحلال الدولة من الجانب الاقتصادي".

ويوضح بدارو "ان هناك سببان للأزمة التي نعيشها: السبب الأول سياسي بمعناه الاقليمي الواسع وترجمته على الساحة المحلية أي ذهاب حزب الله إلى حروب سوريا واليمن والعراق، وأصبحنا الأداة المفضلة لدى النظام الايراني للتدخل في أزمات الدول الأخرى، وهذا ما دفعنا ثمنه على الصعيدين الاقليمي والدولي، وهذا ما لن تقبل به دول الخليج والغري أي خربطة التوازنات العالمية وبالتالي حجب مساعداتها عن لبنان. والسبب الثاني ان المسؤولين السياسيين الذين جاؤوا إلى السلطة غير قادرين على تطبيق الاصلاحات".

بالنسبة إلى الخبير الاقتصادي حسن مقلد تعود الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان اليوم إلى العام 1992 ويعتبرها "أزمة بنيوية تتجلى بشكل أساسي بتراجع كل مؤشرات الاقتصاد. فالاقتصاد المنتج كان يتدمر لصالح الخدمات السياحية والمالية والمصرفية والعقارية، هذا ما جعل البلد يصل في لحظة من اللحظات أن يكون مكشوفاً بأكثر من 87 في المئة على الخارج، بمعنى ان البلد لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس من انتاجه المحلي، وبذلك هو بلد غير صديق للاستثمار، يفضل فيه المواطن أن يدخر أمواله بالمصارف على أن يؤسس مشروعاً انتاجياً".

أما الأزمة المالية والنقدية فيرى مقلد "ان لها علاقة بفقدان العملات الأجنبية وهذا ما هو جديد. الأزمة الاقتصادية كانت موجودة منذ زمن بعيد لكن ما كان يغطيها هو تدفق أموال تدخل لبنان سنوياً أكان ديناً أو من خلال ودائع بالمصارف. هذا التدفق المالي كان يسمح لنا أن نشعر كأن الدولار عملة وطنية وقد وصلت ودائع القطاع المصرفي في لحظة من اللحظات لتتجاوز ناتجه المحلي بـ4 مرات. أما الآن فنحن نتخبط بأزمة عملات أجنبية".

من جهته يشير الخبير الاقتصادي شربل قرداحي "ان صدمات عدة تعصف بالاقتصاد اللبناني، الصدمة الأولى تأتي من الأزمة الاقتصادية وصدمة ثانية من سعر صرف الدولار وصدمة ثالثة تتعلق بتمويل ميزان المدفوعات وصدمة رابعة نتيجة العجز الكبير الذي نضطر إلى تمويله عبر الاستدانة من البنك المركزي. وصدمة رابعة تتعلق بحسابات المصرف المركزي غير المتوازنة، اضافة إلى ان أزمة كورونا التي عصفت بدول عدة وأجبرتنا في لبنان بأن نطفئ المحركات الاقتصادية خلال فترة ألابعة أشهر. مجموع هذه الصدمات من دون الاتفاق على خطة واضحة ومن دون التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي جعلها تتفاعل مع بعضها وتظهر في سعر صرف الدولار الذي أصبح مرتفعا بشكل كبير".

ويؤكد قرداحي "انه اذا لم تقم الحكومة والمجلس النيابي والسلطات المسؤولة بأخذ الاجراءات الكفيلة بوقف التدهور وتطبيق خطة تكون موضع ثقة تقنع صندوق النقد الدولي بمساعدة لبنان، فإن الوضع سيتدهور أكثر وسعر صرف الدولار سيرتفع أكثر والبطالة ستزداد ومعدلات التضخم سترتفع والانتاج الوطني سيتراجع".

الولايات المتحدة أو ايران

والمفارقة ان الشعب اللبناني غير متفق على أسباب الانهيار، فالبعض يحمّل الولايات المتحدة الاميركية هذه المسؤولية والبعض الآخر يحمّل ايران وحزب الله المسؤولية. بالنسبة إلى بدارو يقول:"لم تضع الولايات المتحدة عقوبات على لبنان بل بالعكس قدّمت مساعدات للدولة اللبنانية وخصوصاً للجيش اللبناني، انما اذا أراد حزب الله ربط نفسه بطريقة غير مباشرة بالعقوبات على ايران فهذا شأنه".

أما مقلد فيعتبر النظريتان عاملان مساعدان وليسا السبب الأساسي للانهيار وأضع المسؤولية على التركيبة الاقتصادية اللبنانية، فلا يمكن لبلد في العالم أن يعتمد نظام العملتين أي الليرة والدولار. ولا تنسى ان لبنان مركب تاريخياً على علاقة مالية مع الخليج، وهذه العلاقة كانت تشكل له بلسماً، الا اننا ولا مرة استفدنا من هذه الأموال منذ الخمسينات حتى اليوم. لا استطيع أن أحمّل الخليج المسؤولية لأن لديه سياسته ونهجه، وهو ليس معتاداً على اطراف تشتمه. لكن الجدير بالذكر ان السياسات الأميركية الاقتصادية منذ 1992 حتى 2015 مروراً بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي كانت تعتبر النموذج الاقتصادي اللبناني ريادياً في المنطقة، وعندما تغيرت الخيارات السياسية صارت تتعاطى معه كأنه شر مطلق".

من جهته، ينفي قرداحي أي تأثير للعوامل الخارجية بالأزمة الاقتصادية اللبنانية ويعتبر "ان العوامل الداخلية هي الأساس عبر الحسابات المالية وهو أمر تراكم عبر الزمن. وانهيار سعر العملة هو نتيجة للعوامل الداخلية بسبب تراجع دخول العملات الصعبة الذي بدأنا نشهده منذ نشأة الأزمة السورية. علماً ان الدول الصديقة للبنان اذا أحبت أن تساعدنا ستقول لنا اذهبوا إلى صندوق النقد الدولي، والأخير لن يقبل مساعدتنا إذا لم نقم بالاصلاحات التي نصت عليها الخطو الحكومية، ومن الواضح ان هذه الخطة تلاقي معارضة كبيرة من اللوبيات الموجودة في الاقتصاد".

لبنان في أزمة فنزويلية أو يونانية؟

نسأل الخبراء الاقتصاديين أي نموذج في العالم عاش أزمتنا الاقتصادية في ظل الحديث عن النموذجين الفنزويلي واليوناني وغيرهما؟ يجيب بدارو:"نحن نعيش نموذجاً اسوأ من النموذج الفنزويلي وغيره. ففنزويلا لديها نفط ويمكنها استخدامه للتخفيف من الأزمة، واليونان هو جزء من الاتحاد الاوروبي. أما نحن فما يميزنا انه لدينا الانتشار وهو عامل مساعد وخاص بلبنان، الا ان التخوف أن يفرغ لبنان وربما سنشهد مع فتح المطار هجرة 500000 لبناني إلى الخارج خلال سنتين، ربما يصبحون جزءاً من الانتشار الذي يدعم لبنان في المستقبل، لكن هذا يحتاج إلى وقت. المؤسف اننا نصدّر شبابنا والموارد البشرية بدلاً من أن نصدر انتاجنا الزراعي والصناعي".

يلتقي مقلد مع بدارو بشأن ان لبنان لا يشبه أي تجربة أخرى في أزمته الاقتصادية، ويرى "ان لبنان عاش لفترات طويلة على تمويل تثبيت الليرة بالدين، ويموّل العجز بالدين. هذا خيار مالي أخذناه منذ زمن بعيد واستمرينا عليه. النموذج الاقتصادي اللبناني كان يتكسر والنموذج المالي أي التدفقات المالية ندفع ثمنها الآن غالياً. بين عامي 2011 و2015 جعل الربيع العربي والحرب غي سوريا كل التدفقات المالية تنعكس عجزاً في ميزان المدفوعات بشكل راكمت فوق الـ17 مليار دولار كسر، ترافق ذلك مع أزمة النزوح السوري، علماً انه ليس هناك دولة في العالم تتحمّل 25 في المئة زيادة في عدد سكانها. وفي عام 2016 أُعدت هندسة مالية أجّلت الانهيار أربعة أعوام وها نحن في قلب الانهيار".

ويوافق قرداحي على ان نموذج الأزمة الاقتصادية اللبنانية فريد من نوعه، ويقول:"نحن البلد الوحيد الذي يعاني فيه البنك المركزي من فجوة بالموجودات والعملات الصعبة، فالموجودات أقل من المطلوبات بحدود 46 مليار دولار ولديه خسائر متراكمة غير ظاهرة ونقص في السيولة. هذه الأزمة ليست موجودة في أي بلد آخر وتضاف اليها أزمات أخرى كأزمة سعر الصرف وأزمة تمويل ميزان المدفوعات وأزمة المالية العامة والأزمة الاقتصادية".

الخطة الحكومية

في ما يخص الخطة الحكومية، يقول بدارو أنه يؤيد الأرقام التي تحدثت عنها "الا انها لم تركز على النمو، لدينا 1800000 من القوى العاملة إذا لم نخلق لهم فرص عمل سيهاجر منهم 500000، هؤلاء بحاجة إلى ثقة كي لا يهاجروا قبل أيلول. هذه الحكومة لا تطمئن ويجب الاسراع إلى تشكيل حكومة متنوّرة لا تضم وزراء حزبيين، ومن الضرورة خروج حزب الله من المعادلة".

لا يعتبر مقلد ان هناك خطة اقتصادية للحكومة بل يعتبرها ورقة محاسبة، "نحن كنا نرفع صوتنا منذ 30 عاماً حتى اليوم للمطالبة بخطة اقتصادية فجاءت هذه الحكومة لتقدّم نموذج محاسبة ونقدي لا خطة اقتصادية".

أما قرداحي فيرى ان الخطة الحكومية تندرج في اطار مقاربة المؤسسات الدولية وخصوصاً مقاربة صنجوق النقد الدولي للأزمات الكبيرة بدول العالم. الخطة تتضمن الكثير من المتطلبات القاسية، الا انه من الخطأ بنظري التعامل مع هذه الأزمة كأنها أزمة اقتصادية عابرة ونعتبر انه غداً سيأتينا الدولار. هذه الأزمة عميقة وتتطلب اصلاحات بنيوية عميقة في الجسمين المالي والاقتصادي وبدور القطاع وبنيته في لبنان".

الاصلاحات أولاً

ماذا عن الاصلاحات؟ يجيب بدارو:"المدخل لإنقاذ لبنان هو المثلث الذهبي: أرض، شعب ونظام. نحن أرض مفتوحة، لا يمكن أن نبدأ بالاصلاحات في أرض مفتوحة، علينا ترسيم الحدود واقفالها وخصوصاً الحدود اللبنانية السورية، من هنا باب كل الاصلاحات، ثم الجمارك. والشعب يجب أن يحدد وجهته للتعامل مع دول العالم المتقدمة والدول الصناعية الكبرى. وأخيراً النظام، إذ يجب اعادة النظر بالحوكمة تحت سقف الطائف، ثم ندخل باصلاحات أخرى كالكهرباء وغيرها".

من جهته، يرد مقلد "نحن مختلفون على فكرة الاصلاحات، ونرى ان البداية يجب أن تكون بالاصلاح البنيوي للاقتصاد يعني لا يمكن للبلد يحتاج إلى الحد الضروري من الصناعة والتجارة والزراعة والاقتصاد المعرفي، فلا يعود اقتصاد ريعي ومكشوف، وهذا ما يعزز بقاء الناس في أرضها فلا ترحل. ثانياً، نحتاج إلى بنية تحتية بالحد الضروري مثل الكهرباء واصلاحها وتنوّع الاستثمارات".

ويضيف مقلد:"كل الطبقة السياسية مستفيدة من منع الاصلاحات وخصوصاً تلك التي لديها مصالح سياسية ومالية وباتت موجودة في هيكل الدولة والقطاع العام".

صندوق النقد الدولي

الأنظار لا تزال متجهة إلى صندوق النقد الدولي، الا ان بدارو يعتبر ان المفاوضات مع صندوق النقد انتهت ويستطرد:"بطبيعته لا ينسحب صندوق النقد من أي مفاوضات وهناك سلسلة مطالب للمؤسسة الدولية لا يبدو ان رعاة الحكومة موافقين عليها ومنها ترسيم الحدود. القصة انتهت".

برأي مقلد "ان الذهاب إلى صندوق النقد كان يتطلب من لبنان اعداد خطة فعلية وليست ورقة محاسبة، ثم ذهبنا إلى صندوق النقد باسوأ طريقة، أعلنا التعثر، لذلك لم يعد منطقياً مفاوضاً الصندوق، علماً ان الصندوق ليس جمعية خيرية بل هو جزء من سياسة، نحن نضيّع الوقت بانتظار شيء ما".

ويختصر قرداحي ما حصل مع صندوق النقد بأمرين: الأول تأكيد صندوق النقد بأن الخطة هي الاطار الصالح للتفاوض وما يطرحه المفاوضون اللبنانيون من أمور أخرى لا يصلح للتفاوض. والثاني ما جرى في المجلس النيابي من حيث انه لم يكن هناك موقف موحد خلف الخطة الحكومية أدى إلى توقف المفاوضات".

بقي أمراً واحداً وهو الكلام عن الذهاب شرقاً للخروج من الأزمة الاقتصادية، وهذا ما ولّد جدلاً كبيراً بين اللبنانيين. في هذا الاطار يقول بدارو "ان الذهاب شرقاً ليست سوى مزحة وكلام للاستهلاك الداخلي لأن جزب الله محشور داخلياً ويريد أن يعطي مبررات، فهل الصين جمعية خيرية؟ رأينا ماذا فعلت في سيريلانكا عندما اقرضتها اموالاً ثم انتزعت منها المرفأ. الصين تعمل وفق حساباتها ومصالحها، ولا أقتنع بأن أي دولة ممكن أن تتعامل معنا بالليرة اللبنانية لا الصين ولا ايران ولا غيرهما".

لدى مقلد رأياً معاكساً ويقول:"العالم كله يتجه شرقاً، تعالوا نستفيد من الشرق والغرب. صحيح نحن على تعاون تجاري مع الشرق الا اننا ما نحتاج اليه هو الاستثمارات".

ويظن قرداحي "ان وضعنا ضعيف جداً لأننا بحاجة لأي مساعدة من اينما جاءت الا انني أرى ان الخيار الدولي هو أكثر أمر متاح وسهل أي صندوق النقد الدولي والمنظومة الغربية إذ يكفي أن نطبق الاصلاحات المطلوبة حتى تأتينا المساعدات، فنخفف الدين العام بالنسبة للناتج المحلي بشكل كبير ونعيد هيكلة القطاعين المالي والمصرفي ونخرجه من الوضع الذي يتخبط فيه ونعيد تنظيم ادارة البنك المركزي وتحسينها ونجري الاصلاحات الهيكلية في البنية التحتية والكهرباء ونعالج مشكلة صناديق التقاعد، ونمنع التوظيف في القطاع العام. لكن هذا لا يمنع أن نستقبل مساعدات من الصين وغيرها، علماً ان الصين لديها قدرة كبيرة على أن تقوم بمشاريع في البنية التحتية، الا ان الصين لن تستطيع مساعدتنا إذا لم نساعد أنفسنا، وما يسري على المؤسسات الدولية يسري على دول الشرق. لا أرى احداً سيساعدنا إذا لم نبادر إلى القيام باصلاحات داخلية".

في الخلاصة، يُجمع الخبراء الاقتصاديين الثلاثة أنه اذا لم تجر الاصلاحات ويقوم صندوق النقد بمساعدتنا، سيستمر سعر صرف الدولار بالارتفاع وستزداد البطالة وأسعار السعار السلع، مما سيخلق المزيد من المشاكل الاجتماعية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 7