ضحيّة الشّهرة

عادل شريفي

2020.06.27 - 11:59
Facebook Share
طباعة

 أمرت "علا" نجمة الأغاني الهابطة سائقها الوسيم أن يبطّئ السّرعة أمام الطّابور الطّويل والزّحام غير المسبوق في منتجع "كريستال بالاس" الخمس نجوم وسط العاصمة. لم يكن الازدحام بسبب مهرجان خطابي لزعيم سياسي، أو تجمّعٍ لجمعيّة ذات صبغة اجتماعيّة، ولا لحركة تدعو للسلام أو مناهضة الحروب، بل إنّه موعد تصوير البرنامج الأهمّ في العالم العربي، برنامج "أنت النّجم" لصناعة المشاهير! عادت "علا" بذاكرتها ثماني سنوات للخلف وهي تلمح وجوه نكرات المجتمع الطّامحين للشهرة. "آه.. آه.. ها هو التّاريخ يعيد نفسه مع نكرة أخرى.. علا ثانية ربّما تكون مثلي شقراء.. أو ربّما سمراء.. طويلة ممتلئة أو قصيرة نحيفة لا يهمّ.. فثقب الشّهرة الأسود مستعد لابتلاع الجميع.. كل الأشكال والأجناس قابلة لأن تصبح موديلاً! بمجرّد تسليط الأضواء عليها.. هنا توقّفتُ لعدّة أيام محمّلة بكلّ أماني الكون منتظرةً دوري في تجربة الأداء الأولى.. خفقان قلبي لم يكن يهدأ كلّما خرج أحدهم من غرفة التّصوير سواءً أكان خائباً مكسور الفؤاد، أم أذهبت الفرحة عقله صارخاً كأرخميدس وجدتها، مع الفارق الكبير بين ما صرخ لأجله أرخميدس وما يصرخ لأجله هؤلاء.. آه لو تعلمون أيّها الطّامحون أيّ أسلوب حياة -خال المشاعر- ينتظر النّاجحين منكم! فبعد عدّة أيّام من المجد تنقشع الغشاوة عن أعينكم وتبقون وحدكم مع الحقيقة العارية.. لقد بعتم أنفسكم لمشغّليكم.. أنتم مجرّد وجبة طازجة لغول الإعلام الكبير الذي يمتصّ روحكم ويترككم بعدها للاكتئاب يهندس حياتكم وخطواتكم التالية.. لن يطول بكم الأمر حتّى تكتشفوا أن الاكتئاب هو حاكم الظلّ في عالم الشّهرة البائس.. ليتني استمعت لنصائح أمّي يوم تركت جامعتي في السّنة قبل الأخيرة وتوجّهت لهذا البرنامج بكلّ براءة وعفوية.. يومها سلّمت حريّتي على باب غرفة التّصوير ودخلت لمواجهة مصيري الذي يرسمونه لي خطوة بخطوة.. حتّى دخول الحمّام أصبح بشروطهم.. اللعنة! كلّ قصص الشّهرة مشابهة.. الشيء الوحيد المختلف هو مدى تحمّل كل شخص فينا"..
تابعت السيّارة طريقها إلى الفيلا الفاخرة التي أهداها إيّاها مؤخّراً "كمال" رجل الأعمال الكبير. توجّهت من فورها إلى الحمّام، ملأت البانيو ونزلت فيه بعد أن حضّرت كأساً من الفودكا أذابت فيه مسحوقاً غريباً كانت قد اشترته مؤخّراً من صيدلانيّ صديق. غبّت "علا" الكأس على ثلاث دفعات متجرّعة مراره الشّديد.

صباح اليوم التّالي ضجّت وسائل الإعلام والميديا، ووسائل التّواصل الاجتماعي بخبر انتحار النّجمة الشّابّة "علا" في حمّامها، والأسباب -على حدّ زعمهم- مجهولة!.............

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6