"ثقافة" الموت والحياة بين الحقيقة والوهم

2024.02.03 - 03:31
Facebook Share
طباعة

 أين نحن من ثقافة الموت وثقافة الحياة؟ وهل حقًا تلك الثقافتان موجودتان؟ وما هو موقف علم الاجتماع من هذا الطرح؟

مايا عدنان شعيب / خاص وكالة أنباء آسيا

جدليّة أزلية لا تزال حتى يومنا موضع نقاش وبحث لا ينتهي، لكنّ المفارقة اليوم وضعتنا أمام "نظرية" مستحدثة تتحدث عن "مفاهيم" جديدة باتت تقلق من يسمعها وتثير استغراب الكثيرين في طرحها، إنها المقولة المتداولة مؤخرًا بعبارة "ثقافة الموت وثقافة الحياة" فهل هذه حقيقة؟ وما مدى واقعية طرحها وحقيقة ارتباطها بالأحداث الأخيرة؟

لتوضيح وتصويب الأمر كان لوكالة أنباء آسيا إضاءة على هذا الموضوع تنطلق من علم الاجتماع، وفي الجزء الثاني سوف نسلط الضوء عليه من الزاوية الدينية آخذين بآراء رجال دين من مختلف الديانات والطوائف.

ولمناقشة هذه الجدلية علميًا كان لنا لقاء بالدكتور قاسم كلوت الاستاذ المحاضر في العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية ومدير ثانوية المصطفى (ص) التربوية.

يشير د. قاسم إلى أن الإنسان ينطلق في نظرته للحياة من خلال معنى المفاهيم الحاكمة لمعنى الحياة البشرية، هذه المفاهيم ترتبط بالفلسفة المطروحة ( إجتماعية، إنسانية أو عامة) لتصير بذلك ركائز لبناء للمجتمعات من جميع النواحي، سواء من ناحية التشريع، الثقافة، الفن، التربية ،الاقتصاد، وإلى ما هنالك…

ويؤكد على استناد الإشكالية المطروحة، حول ثقافة الحياة وثقافة الموت، بشكل أساسي على الرؤية الأساسية أو الرؤية الفلسفية، حيث نجد من يعتبر أن هذه الحياة فرصة ولا يليها شيء لذا وجب عليهم الاستفادة منها إلى أقصى حدّ، وذلك ما ذهبت إليه المدارس المادية والوضعية وحتى الطبيعية. على المقلب الآخر هناك من يعتبر أنّ الحياة محطة مؤقتة يتزوّد منها الفرد للانطلاق في الرحلة التي تنقله إلى الحياة الأخرى الخالدة.

إنّ من يعيش وفقًا إلى النظرة المادية الوضعية للحياة طبيعي أن يجعلوا من أعمارهم فرصة يستغلونها قدر المستطاع في سبيل اكتساب ما يدخل الفرح والسرور والسلام إلى نفسه، على خلاف من يعيشون حياتهم استنادًا إلى الفلسفة المرتبطة بمفاهيم الديانات السماوية، الذين ينعمون في الحياة بقدرِ معتدل من ملذاتها وأطيابها ويسعون لادخار ما يمكن أن يكون لهم زادًا للحياة الأخرى الخالدة.

هذا التضارب في المفاهيم الفلسفية والعقائدية يُترجم حاليًا على مستوى الفهم الشائع بثقافة حياة وثقافة موت وفي الحقيقة ما من ثقافة تحمل تلك العناوين، لأن من يرى الموت معبرًا للحياة الخالدة لا يهابه، أما من يختزل الحياة بعمر الإنسان الذي لا يتعدى العشرات من السنوات، سوف يصعب عليه الموت.
بناءً على ما تقدّم، يرى الدكتور كلوت أن مشكلة الخلط في المفاهيم يكمن حلها في التفكيك والتجزئة والشرح والتوعية، ويبقى للفرد حرية اختيار أي نوع من الرؤى أو الفلسفات التي تناسبه، ولا يحق لأحد أن يعيب الآخر في اختياره.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه "الظاهرة" إن صح القول تعدّ نتاجًا ثقافيًا واجتماعيًا طبيعيًا في المجتمعات التي تتعدد وتتنوع فيها الآراء والثقافات بحسب طبيعة العقل البشري الذي لا يحمل اتجاهًا واحدًا، ويقرّ بذلك الماديّون والوضعيّون الذين أنشأوا لاحقًا المدرسة العلمانية الحاكمة على حياة البشر وردّوا كل شيء للعقل، في المقابل ترى المدرسة الدينية السماوية  أن كل ما في الحياة إنما هو من صُنع خالق، وقد جعل الخالق من العقل البشري مرجعًا للانسان ولكن ذلك لا يعني أنه يفوق الألوهية أو حُكم الخالق.

مسك الختام بعد هذا الحديث، وما لا يختلف عليه عاقلٌ أنّ الحياة والأعمار نعمةٌ ولا بدّ للفرد من استغلالها بما يضمن له العيش الكريم ويحقق له السلام والطمأنينة التي ينشدها في سبيل تحقيق ما هو أسمى من ذلك، أي سلام وطمأنينة المحيط والمجتمع.
ولأن قيمة الإنسان وجوهره الذي سعت إليه الفلسفات الوضعية والسماوية تكمن في تجليات إنسانيته، كان جديرًا به أن يعمل على تعزيز كل ما يسمو بها ويناضل من أجل أن لا يشوهّ تلك الإنسانية ظلمٌ أو همجية أو حتى تخاذل.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 7