أكراد سوريا: عقد من التحولات

وكالة أنباء آسيا

2021.11.23 - 10:42
Facebook Share
طباعة

 لعب الأكراد دوراً جوهرياً في الحرب الدائرة في سوريا، وتمكنوا بمساندة الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي ضد "داعش" من السيطرة على مساحات واسعة من شمال شرقي البلاد، الأمر الذي أعاد الحديث، القديم والمستمر، حول رغبة الانفصال أو "الفدرلة" إلى الدائرة السياسية الكردية من جديد، في ظل تحولات كبيرة تشهدها الساحة السورية، رغم ذلك، يواجه الأكراد مجموعة كبيرة ومعقدة من التحديات، الداخلية والخارجية، الأمر الذي يضعهم مرة أخرى على "محك" ما يمكن تنفيذه فعلاً، وما يعد تنفيذه "ضرراً" مباشراً لسوريا الدولة، وللقضية الكردية بشكل عام. ولفهم هذه الجدلية، والتعمق أكثر فيها ومحاولة قراءة مستقبلها، لابد من البداية من التعمق بعض الشيء في المكون الكردي في سوريا، والبحث في تفاصيله وانقساماته الداخلية.


يعتبر الأكراد تاريخياً مكوناً أساسياً لأربعة دول في المنطقة، إيران وتركيا والعراق وسوريا، حيث تعرض هذا المكون خلال القرنين الماضيين من سلسلة من النكسات والنكبات، في ظل تنامي التيارات القومية في هذه البلاد، والتي لطالما نظرت إلى المكون الكردي، المتقوقع على نفسه، على انه تهديد داخلي لوحدة الأراضي، خصوصاً فيظل تنامي الحركات "الانفصالية" الكردية بين وقت وآخر، والتي تنظر إلى المكون الكردي على أنه كتلة واحدة منفصلة عن بقية المكونات، ومن حقها إقامة دولة منفصلة على الدول القومية التي لا تتحدث لغتها الأم (الفارسية، التركية، العربية)، في ظل إمكانية رسم حدود جديدة تجمع المنطقة الكردية بين هذه الدول الأربعة ضمن بقعة جغرافية موحدة، الأمر الذي كان الرد عليه عنيفاً من هذه الدول الأربعة والحركات السياسية التي تحكمها تاريخياً.


التيارات السياسية وتقلباتها

لا يمكن الجزم بشكل دقيق حول عدد الأكراد في سوريا، أو النسبة التي يشكلونها من المجتمع السوري، سواء بسبب عدم وجود دراسات محايدة من جهة، واختلاط قسم كبير من المكون الكردي بمكونات أخرى في سوريا، عربية وآشورية وغيرها، رغم ذلك تقدر بعض الدراسات نسبة هذا المكون بين 10 إلى 15 بالمئة من الشعب السوري. ويتوزع الأكراد بين مختلف المحافظات السورية، إلا أن المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية من سوريا (الرقة، الحسكة، وحلب) تمثّل مركز ثقل هذا المكون. ويتشغل قسم كبير من الأكراد في سوريا في الزراعة.


يعتبر الأكراد من أكثر المكونات السورية نشاطاً سياسياً، حيث يظهر الأمر بشكل واضح بالنظر إلى تعدد الأحزاب السياسية الكردية، سواء في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب في سوريا، أو حتى خلال الحرب. 


ومن أبرز الأحزاب السياسية الكردية في سوريا (جميعها غير مرخصة):

-الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا (البارتي): يعتبر أول حزب كردي، وكان يحمل اسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)، وانضم للحزب ثلاثة أحزاب أخرى بدعم مسعود البرزاني وغيّر اسمه ليصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا، وهو عضو في "الائتلاف المعارض" ممثلاً عن "المجلس الوطني الكردي"، ويعتبر امتداداً للحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق الحزب الحاكم في إقليم كردستان العراق. 


-الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا-البارتي (نصر الدين إبراهيم): نتج عن انشقاقات في الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا و هو مقرب من الجناح اليساري وقد انضم للحركة الكردية و"المجلس الوطني الكردي" عند تأسيسه، تعرّض بدوره لانشقاقات عديدة في قواعده كان أبرزها في العام 2013 حين عاد قسم من أعضائه إلى حزب "البارتي" الأم.


- الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا: تأسس في العام 1965 كانشقاق عن "البارتي"، وقد تمكن من الحفاظ على تماسكه منذ تاريخ تأسيسه فلم يتعرض لانشقاقات تذكر على عكس باقي الأحزاب، وهو عضو أساسي في "المجلس الوطني الكردي"، ومقرّب من "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي يقوده جلال طالباني الرئيس العراقي السابق.


- الحزب الديمقراطي الكردي السوري: تأسس كانشقاق عن الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، وهو حزب شديد التقلبات السياسة، حيث انضم إلى "هيئة التنسيق" و"المجلس الوطني الكردي" ومن ثم تركهم وانضم إلى "الإدارة الذاتية" التي أعلنها "حزب الاتحاد الديمقراطي"، ويعتبر من الأحزاب المقربة من الحكومة السورية.


- حزب اليسار الكردي في سوريا: انضم إلى "المجلس الوطني الكردي" ثم انسحب منه بعدها، وعندما أعلن حزب "الاتحاد الديمقراطي" إقامة "الإدارة الذاتية" في العام 2013 كان من المؤيدين لها والمشاركين فيها ضمن "كانتون الجزيرة". 


- حزب اليسار الديمقراطي الكردي في سوريا: يعتبر انشقاقاً عن حزب اليسار الكردي في سوريا، وأضاف الحزب كلمة الديمقراطي كتمييز عن الحزب اليساري، شارك في "الإدارة الذاتية ".


- حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي): تأسس في العام 1993 نتيجة اجتماع عدة أحزاب ومجموعات كردية، وهو من مؤسسي "المجلس الوطني الكردي" في العام 2011.


- حزب يكيتي الكردي


ي سوريا: تأسس هذا الحزب في العام 1999 كانشقاق عن حزب الوحدة الديمقراطي الكردي، وهو حزب متعصب ضد العرب، وله مواقف موالية لتركيا، وتعرض لاتهامات عديدة بتجنيد مقاتلين أكراد للقتال في صفوف الفصائل التابعة لها.


- حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD): يعتبر فرع حزب العمال الكردستاني في تركيا PKK، رغم إنكاره ذلك. تتبع له ميليشيا عسكرية منظمة تدعى "وحدات حماية الشعب YPG" ويشارك مقاتلون أكراد قادمون من جبال قنديل في صفوفه، ويعتبر من أكثر الأحزاب تنظيماً. يقوده صالح مسلم، ويعتبر صاحب فكرة "الإدارة الذاتية" التي يقودها هو فعلياً رغم انخراط أحزاب أخرى في قيادتها.


-تيار المستقبل الكردي في سوريا: أسسه مشعل تمّو في العام 2005، قبل أن يتم اغتياله في العام 2011، حيث تم اتهام حزب "الاتحاد الديمقراطي" باغتياله. يعمل الحزب بشكل منفصل عن بقية الأحزاب الكردية، ونتيجة عدائه لحزب "الاتحاد الديمقراطي" اتخذ مناصروه موقفاً مؤيداً للتدخل التركي رغم ميول الحزب الانفصالية. يوجد فصيل مقاتل في صفوف "غصن الزيتون" يحمل اسم "الشهيد مشعل تمّو".


- حزب سورية المستقبل: حزب جديد أعلن عن تأسيسه العام الماضي في مدينة الرقة التي تسيطر عليها "الوحدات الكردية"، وتدور حوله شكوك بأنه جاء تلبية لرغبة أميركية بتأسيس حزب بديل عن "الاتحاد الديمقراطي" الذي تعاديه تركيا.


"داعش" وما بعده

أمام هذا المشهد السياسي الكردي المعقد، والانشقاقات المتتالية في هذه الأحزاب، تمكن حزب " حزب الاتحاد الديمقراطي" الذي يقوده مسلم، وبسبب توافر جناح عسكري له، من تقوية علاقته بالقيادة الأميركية، وتأمين إمدادات كبيرة من السلاح والأموال، خلال فترة محاربة تنظيم "داعش"، الأمر الذي أدى إلى تنامي نفوذ هذا الحزب، وتحكمه بشكل كبير في المشهد الكردي في سوريا.


وكنظير لهذا الحزب، والتجمع السياسي الذي ديره، دعمت تركيا تجمع الأحزاب الكردية المناوئة لـ ""PYD ودعمته بشكل كبير، كأداة كردية موالية لأنقرة في الداخل السوري، إلا أن هذا "المجلس" لا يتمتع بأي ثقل يذكر على الأرض.


وتمكنت الوحدات "الكردية" بدعم أميركي من طرد تنظيم "داعش" والسيطرة على مساحات واسعة في الشمال الشرقي من سوريا وصلت إلى حد ثلث مساحة سوريا، قبل أن تتراجع هذه المساحة إثر التوغل التركي في سوريا عن طريق عمليات "غصن الزيتون" و "درع الفرات"، حيث تخلت الولايات المتحدة الأميركية عن الأكراد وتركتهم في مواجهة القوات التركية والفصائل السورية التي تدعمها أنقرة، الأمر الذي أجبر الأكراد على التراجع عن مناطق عدة قرب الشريط الحدودي مع تركيا.


الإدارة الذاتية.. الآمال والواقع


بعد الهجوم التركي وتراجع مساحة سيطرة الأكراد، تعرض المشروع "الكردي" عموماً إلى نكسة كبيرة، إثر الجدار البشري والسياسي الفاصل الذي أنشأته تركيا، والذي تسبب بقطع التواصل الجغرافي مع أكراد تركيا، بالإضافة إلى التغييرات الكبيرة التي طرأت على السياسة الكردية في العراق، وتمكن تركيا من اختراق السياسة الكردية في إقليم كردستان العراق، الأمر الذي تسبب بانتقال عدد كبير من قيادات "جبل قنديل" المتشددة إلى سوريا التي شكلت خلال سنوات الحرب أرضاً خصبة لتحقيق الحلم "الانفصالي".


بعد الانتكاسة الكردية، التي شكل الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة الأميركية من بعض مناطق سوريا، وعدم ثبات ووضوح السياسة الأميركية في سوريا ضربة قاصمة لها، بدأت القيادات الكردية في مشروع الإدارة الذاتية (روج آفا)، الذي أنشأه الأكراد بالتعاون مع بعض العشائر في مناطق شمال شرقي سوريا تبحث عن توازنات تضمن للأكراد المكتسبات التي حققوها خلال الحرب، دون التخلي عن المشروع الأساسي الذي يضمن لهم اعترافاً بحقوق ثقافية وتاريخية تتعلق بالدراسة واللغة الكردية وغيرها.


وتمكنت روسيا، بعد الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة الأميركية من تنمية قنوات التواصل مع الأكراد، كما شهدت العلاقات مع القيادة السورية في دمشق "دفئا" مرحلياً، ما لبث أن عادت إليه البرودة بعد إعلان الولايات المتحدة بقائها في سوريا، ودخولها في مناكفة مع روسيا بحثاً عن إعادة تموضع تضمن لواشنطن مصالحها النفطية في الشمال الشرقي من سوريا.


وأمام عدم استقرار السياسة الأميركية، وعدم وضوح القرار المستقبلي لواشنطن في سوريا، يبدو أن آمال الأكراد بإقامة كيان مستقبل تراجعت بشكل كبير، خصوصاً أن الولايات المتحدة أثبتت أنها غير مأمونة الجانب بالنسبة لحلفائها، أو الفصائل التي تدعمها.


وبينما وفّرت المعارك الميدانية والسياسية التي يخوضها الجيش السوري وحلفاؤه في الشمال السوري (إدلب ومحيط حلب) فرصة للأكراد لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق من جديد، لضمان المكتسبات، في ظل عدم إمكانية الرهان على الولايات المتحدة، تبدو التصريحات الكردية متفاوتة بين وقت وآخر، ففي وقت أيد فيه "مجلس سوريا الديموقراطي" العمليات التي يخوضها الجيش السوري، حمله في بيان أصدره مطلع العام الحالي مسؤولية تدهور الأوضاع. كذلك، وب


ينما ارتفع مستوى التواصل وتعددت اللقاءات بين قيادات كردية ومسؤولين سوريين برعاية روسية، وشهد التنسيق بين دمشق والأكراد ارتفاعاً مطرداً، تصدر القيادات الكردية بين وقت وآخر بيانات مناوئة لدمشق.


لا يمكن التكهن بشكل دقيق في مستقبل التجربة الكردية في مناطق "الإدارة الذاتية"، كون هذه التجربة خاضعة لحسابات سياسية وعسكرية معقدة من جهة، وبسبب تردد السياسة الكردية وتقلبها بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، إضافة إلى هشاشة التركيبة السياسية الكردية، وتشرذمها بين مشاريع مختلفة (تركية – أميركية).


رغم ذلك، يمكن الجزم باستحالة انفصال الأكراد عن سوريا بسبب عدم توفر الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية لها وعدم توافر الإرادة الدولية، وإصرار دمشق واستعدادها لخوض حرب مفتوحة لعدم حصول ذلك، ليبقى الشكل النهائي لهذه التجربة مرهوناً بمدى مرونة الأكراد، وقدرتهم على التملص من "التبعية الكاملة" للولايات المتحدة الأميركية، وتحقيق توازن يضمن لهم الحضور السياسي في المشهد الداخلي لسوريا، ويضمن لدمشق وحدة الأراضي ووحدة القرار السياسي السيادي

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 6