انعكاس الاتفاق العسكري السعودي- الروسي على العلاقات الأمريكية

2021.09.13 - 03:01
Facebook Share
طباعة

 نشر موقع "المجلس الأطلسي" مقالًا تناول فيه الكاتب موضوع التعاون العسكري الذي جرى بين السعودية وروسيا وعرض إنعكاساته على العلاقات مع أمريكا. وقال فيه الكاتب إن نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان ونظيره الروسي العقيد ألكسندر فومين وقعا خلال المنتدى العسكري التقني الدولي «آرمي 2021»، في 24 آب/أغسطس اتفاقية تهدف إلى تطوير التعاون العسكري المشترك بين البلدين. وأجرى خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، محادثات مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو لاستكشاف سبل تعزيز التعاون العسكري والدفاعي.

وعلى الرغم من عدم الكشف عن فحوى الصفقة، فإن الاتفاقية تتماشى مع نهج السعوديين طويل الأمد المتمثل في السعي إلى الاستقلال النسبي عبر شراء الأسلحة من الجهات الفاعلة الدولية الرئيسية وتجميع شراكات دولية متنوعة بدلًا من الاعتماد حصريًّا على الولايات المتحدة. لقد خلقت الدبلوماسية الأمريكية مع إيران وطريقة تعاطيها مع الانتفاضات العربية أرضًا خصبة للتوترات بين السعودية والولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. وبحسب الكاتب، كان السعوديون مستائين من تقاعس الولايات المتحدة عن مساعدة مصر عندما تمت الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، حليف السعودية، في انتفاضات الربيع العربي.

وفي سوريا، كان السعوديون يأملون في تدخل عسكري أمريكي قوي لمنع القوات الإيرانية من الفوز بأراضٍ إستراتيجية من خلال تحالفهم مع الرئيس بشار الأسد والتحالف الضمني مع روسيا. وقد فاقمت دعوات الرئيس دونالد ترامب المتكررة لسحب القوات الأمريكية من سوريا شعور السعوديين بالإحباط. كما تسبب مضي الرئيس السابق باراك أوباما نحو إبرام الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 دون مشاورات كافية مع دول مجلس التعاون الخليجي في استياء بالغ لدى الحلفاء الخليجيين. وأشعل استعداد ترامب العلني للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني نيران القلق السعودي.

ويعتبر تعليق مبيعات الأسلحة التي تم التفاوض عليها مع إدارة ترامب السابقة في كانون الثاني/يناير، وتجديد اهتمام الولايات المتحدة بالاتفاق النووي، واستمرار التداعيات بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي والصراع في اليمن، كلها مصادر للتوتر المستمر في العلاقة الثنائية. وبينما خففت إدارة الرئيس جو بايدن نهجها بشأن مبيعات الأسلحة إلى السعودية والإمارات في نيسان/أبريل، أصبح السعوديون بحلول شهر حزيران/يونيو  قلقين عندما سحبت الولايات المتحدة تسليم نظام الدفاع «ثاد» الذي جرى نشره مؤقتًا في المملكة عام 2019 بعد أن استهدفت مسيرات وصواريخ منشآت نفطية. من المرجح أن يتم تسليم بطاريات ثاد السبع (باتريوت) التي اشتراها السعوديون للدفاع الصاروخي والتي من المقرر تسليمها بين عامي 2023 و2026 إلى المملكة، ولكن هناك المزيد من عدم اليقين بشأن الذخائر الهجومية من الولايات المتحدة.

حيث أنهت إدارة بايدن الدعم الأمريكي للحملة العسكرية السعودية في اليمن في شباط/فبراير ومنعت بيع الذخائر الموجهة بدقة، وربما تمدد تعليق الأسلحة الهجومية الأخرى، مثل الطائرات المقاتلة والمسيرات. لكن الكونجرس لم ينجح قط في منع صفقة مقترحة لبيع الأسلحة. قد يؤثر إجراء الكونغرس لعام 2019، الذي رفضه ترامب في نهاية المطاف (وأعيد تقديمه في كانون الثاني/يناير من دون اتخاذ مزيد من الإجراءات من الكونغرس)، في توقيت مبيعات الأسلحة التي يتبعها البيت الأبيض ونوعها.

وفي أذهان العديد من السعوديين، فإن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان – على الرغم من أن الظروف مختلفة تمامًا عن تلك الموجودة في الخليج – يثير المزيد من الأسئلة حول التزامات الولايات المتحدة تجاه السعودية وقد يسلط الضوء على مزايا الشراكات الأمنية السعودية مع قوى عالمية أو إقليمية أخرى.

في ضوء عدم اليقين في علاقتها مع الولايات المتحدة، وإجبارها على تحمل عبء دفاعي أكبر، اعتمدت المملكة العربية السعودية نهجًا ذا شقين. أولًا، سعت إلى إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة، بما في ذلك من خلال قيادة جهود الوساطة مع قطر قبل قمة مجلس التعاون الخليجي في العلا في كانون الثاني/يناير، وبدأت المملكة مناقشات ثنائية أكثر جدية مع إيران في نيسان/أبريل. يبدو أن الإجراء الأخير، على الرغم من أنه مدفوع بحسابات المصالح السعودية فيما يتعلق بإيران، يهدف أيضًا إلى استرضاء فريق بايدن المنغمس في دبلوماسيته تجاه إيران. ثانيًا، سعت إلى توسيع تعاونها في مجال الطاقة وعلاقاتها الأمنية مع روسيا ردًا على الغموض الذي تسبّب به ترامب وعدم اليقين الناجم عن إجراءات السلطة التنفيذية والكونجرس خلال إدارة بايدن.

ومن المحتمل تمامًا أن تكون الرياض قد أبلغت واشنطن بالاتفاقية الأخيرة مع روسيا بسبب مخاوف من الوقوع في دائرة أعداء أمريكا من خلال قانون العقوبات، وربما للتأكيد على اهتمام السعودية بالعودة إلى الوضع السابق في العلاقات الأمريكية السعودية. زار خالد بن سلمان واشنطن في تموز/يوليو والتقى بوزير الخارجية أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، ورئيس هيئة الأركان المشتركة مارك ميلي.

ولا بد أن الاتفاق السعودي الروسي محدود بسبب استمرار قوة العلاقات الأمريكية السعودية، بما في ذلك الحوار الاستراتيجي الأمريكي السعودي لعام 2020، الذي يجمعهما ضد التهديدات المشتركة في المنطقة، وتواصل التعاون الأمني ​​والاستخباراتي، والعمل على تطوير البنية التحتية، وأشكال أخرى من التعاون. وبالمثل، ستعمل بعثات التدريب العسكرية والمدنية الأمريكية واسعة النطاق في الرياض والبرامج التعاونية والاستشارية طويلة الأجل على تقييد نطاق أي تعاون سعودي مع روسيا.

تشمل المصادر الأخرى للقيود على الصفقة التصرفات الروسية على المسرح العالمي، التي سعت تاريخيًّا لمنافسة القوى العظمى والحفاظ على مجالات نفوذها أو توسيعه. كان هناك تاريخ طويل من عدم التوافق الأيديولوجي والديني بين روسيا والسعودية على مستوى الدولة، فضلًا عن انعدام الثقة المتبادل. لعبت المملكة دورًا محوريًا في دعم المجاهدين ضد الجيش السوفيتي في أفغانستان في الثمانينيات. وواصلت الجماعات الجهادية السعودية القتال في صراعات أخرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك الحرب الشيشانية الثانية، التي استمد منها الرئيس فلاديمير بوتين رأس المال السياسي من أسلوب تعامله مع الصراع.

ربما كان لدى بوتين شكوك حول مكائد سوق النفط في أوائل التسعينيات، والتي ربما تكون قد ساهمت في انهيار الاتحاد السوفيتي. وربما تتصادم روسيا والسعودية مرة أخرى بشأن السياسة النفطية في السنوات المقبلة كما حدث في عام 2020، كما أن لهما وجهات نظر متباينة بشأن سوريا واليمن وأوكرانيا.

ومع ذلك فإن التعاون يجذب كل من السعودية وروسيا على عدد من المستويات حيث تبحثان عن صفقات عملية قائمة على المصالح المشتركة. تعكس الاتفاقية الأخيرة نية السعودية الحفاظ على علاقات ودية مع موسكو (وبكين) مع التركيز السعودي على إدراك إمكانات تطوير قاعدتها الصناعية العسكرية.

وتريد الرياض بناء علاقات مع الكرملين في وقت يبدو فيه أن روسيا تعود إلى الشرق الأوسط بشكل أساسي من خلال تدخلها في سوريا والعلاقات مع إيران. وعلى الرغم من أنه إذا عادت سوريا للانضمام إلى جامعة الدول العربية أو أعادت العلاقات مع السعودية، فقد يمنح ذلك المملكة نفوذًا متجددًا في سوريا، وبالتالي يزيل أحد المجالات السياسية القليلة التي سعى السعوديون إلى إشراك موسكو فيها على سبيل الأولوية.

ويحرص بوتين على المنافسة بشكل أكثر فاعلية في سوق مبيعات الأسلحة في المنطقة بالنظر إلى توسع مبيعات الصين من المسيرات المسلحة والاستفادة في الحالات التي قد تحد فيها الولايات المتحدة مبيعات المسيرات أو تعلقها أو تلغيها. وتسعى موسكو أيضًا إلى ترسيخ موقعها الإقليمي بطرق أخرى من خلال استكشاف الفرص في الخليج والبحر الأحمر.

في سياق رؤية 2030 التي تسعى إلى توطين ما يصل إلى 50% من نفقاتها الدفاعية وتنمية القطاعات غير النفطية تمنح الصفقة السعودية تكافؤًا نظريًا مع الإمارات في العلاقات الدفاعية مع روسيا وتفوقًا على الشركاء العرب الآخرين، وكذلك إيران التي حضر ممثلوها أيضًا المنتدى. إنها تفعل ذلك في حدود متطلباتها العسكرية، وطبيعة التهديدات الإقليمية المتطورة، وعلاقتها الحالية مع الولايات المتحدة. لذلك من غير المرجح أن تتطابق الصفقة السعودية الروسية مع الشراكة الإستراتيجية التي وقعها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان وبوتين في 1 حزيران/يونيو 2018.

الاتفاق الإماراتي الروسي يقضي بالتعاون في السياسة والأمن والاقتصاد والثقافة. ويتضمن مشاورات منتظمة على مستوى وزراء الخارجية. ويشمل أيضًا التطوير المشترك للطائرة المقاتلة من الجيل الخامس «تشيك ميت» مع شركة «روستيك» التي تم الإعلان عنها في شباط/فبراير 2017. ومع ذلك، يبقى أن نرى ما إذا كانت القائمة الكاملة للأهداف السامية للإمارات وروسيا ستتحقق بالفعل.

كما أنه من المؤكد أن العلاقات السعودية الروسية الأوثق تضيف مصداقية لعروض روسيا المتمحورة حول الأمن، وتعزز احتمالية مشاركة روساتوم في بناء محطات للطاقة النووية في المملكة، وتدعم مقترحات الكرملين لأمن الخليج لتقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة وصده. في هذه الصفقة، وسط تغير سياسة الولايات المتحدة بشأن ضبط الأمن في العالم واحتمال تقييد مبيعات الأسلحة إلى المملكة، تعد السعودية نفسها لبناء قدر أكبر من الاعتماد المتبادل مع روسيا.

إذا أصبح التعاون الدفاعي المقترح مع روسيا حقيقيًّا، فسيتعين على القادة السعوديين تحديد ما إذا كانت أي زيادة ملحوظة في استقلالها الإستراتيجي تستحق احتمال إضعاف التعاون الدفاعي والاستخباراتي بشكل كبير مع الولايات المتحدة، وربما مع الغرب عمومًا.

ونظرًا للمخاطر والمصالح التي لا تزال تربط المملكة العربية السعودية بالولايات المتحدة والغرب، يبدو من غير المرجح أن يتخذ السعوديون أي خطوات محددة من شأنها أن تعرض تلك العلاقات للخطر. سيستمر المسار الأكثر ترجيحًا، مع توخي السعودية الحذر بشأن الضغوط المحلية الأمريكية وخطوات إدارة بايدن التي تؤثر في العلاقة الثنائية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 9