أصبحت موجات الحر المتكررة في أوروبا تفرض واقعاً جديداً على قطاع الطاقة، بعدما تحول التركيز من تأمين إمدادات التدفئة خلال الشتاء إلى ضمان استقرار شبكات الكهرباء في الصيف، مع الارتفاع المتواصل في الطلب على أجهزة التبريد.
خلال السنوات الماضية، انصب اهتمام الحكومات الأوروبية على تأمين الغاز الطبيعي عقب الحرب في أوكرانيا وأزمة الإمدادات، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية غيّر أولويات أمن الطاقة، لتصبح قدرة شبكات الكهرباء على استيعاب الأحمال
الصيفية أحد أبرز التحديات.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية نمو الطلب على الكهرباء في الاتحاد الأوروبي بنحو 2% سنوياً حتى عام 2030، مدفوعاً بالتوسع في استخدام الكهرباء بقطاعات النقل والصناعة والمباني، إضافة إلى تزايد الاعتماد على أجهزة التكييف.
ولم يكن التكييف جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في معظم الدول الأوروبية، إلا أن تغير المناخ دفع مزيداً من الأسر إلى اقتنائه، خاصة مع تكرار موجات الحر وارتفاع تأثيرها على كبار السن والأطفال والمرضى.

تعكس بيانات الأسواق هذا التحول، إذ ارتفعت مبيعات أجهزة التكييف في ألمانيا خلال مايو/أيار 2026 بنسبة 37% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما سجلت فرنسا وإسبانيا زيادة ملحوظة في الطلب على أنظمة التبريد.
وامتد ارتفاع الاستهلاك إلى المستشفيات والمدارس ودور الرعاية ووسائل النقل والمكاتب، ما أضاف أعباء جديدة على شبكات الكهرباء، خصوصاً خلال ساعات الذروة عندما تعمل ملايين أجهزة التكييف في الوقت نفسه.
أظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الطلب على الكهرباء في فرنسا ارتفع خلال موجات الحر في أوائل صيف 2025 بنحو 25% خلال ساعات المساء مقارنة بالمعدلات المعتادة، وهو ما فرض على مشغلي الشبكات توفير قدرات إضافية للحفاظ على استقرار الإمدادات.
وفي المقابل، تؤثر درجات الحرارة المرتفعة أيضاً في إنتاج الكهرباء، إذ تعتمد المحطات الحرارية والنووية على المياه للتبريد، بينما يؤدي ارتفاع حرارة الأنهار أو انخفاض منسوبها إلى تراجع كفاءة التشغيل، كما تتعرض خطوط النقل والمحولات لضغوط إضافية خلال فترات الحر الشديد.
تسهم الطاقة الشمسية في تخفيف جزء من هذه الضغوط، إذ يرتفع إنتاجها في الأيام المشمسة التي يزداد فيها الطلب على التبريد، غير أن تراجع إنتاجها مع غروب الشمس، إضافة إلى ضعف الرياح في بعض الفترات، يبرز الحاجة إلى تطوير تقنيات تخزين الكهرباء وإدارة الأحمال.
وتقدر المفوضية الأوروبية حاجة القارة إلى استثمارات تبلغ نحو 584 مليار يورو خلال العقد الحالي لتحديث شبكات الكهرباء وتوسيعها ورقمنتها، ضمن خطة "إعادة تزويد أوروبا بالطاقة" (REPowerEU).
كما أشار اتحاد صناعة الكهرباء الأوروبي (Eurelectric) إلى ضرورة رفع الاستثمارات السنوية في شبكات التوزيع من نحو 33 مليار يورو إلى 67 مليار يورو سنوياً بين عامي 2025 و2050، لمواكبة الطلب المتزايد وربط المزيد من مصادر الطاقة المتجددة.
ويمثل تحسين كفاءة المباني أحد المحاور الرئيسية لتقليل الضغط على الشبكات، من خلال تعزيز العزل الحراري، وزيادة المساحات الخضراء، وتحسين التهوية الطبيعية، واستخدام الأسطح والواجهات العاكسة للحرارة.
وفي الجانب الاجتماعي، برز مصطلح "فقر الطاقة الصيفي" مع تزايد أعداد الأسر غير القادرة على توفير التبريد المناسب بسبب ارتفاع تكاليف الكهرباء أو ضعف تجهيزات المساكن. وأظهر مسح أوروبي أجري عام 2023 أن 26% من الأسر لم تتمكن من الحفاظ على برودة مساكنها خلال صيف 2022، فيما ارتفعت النسبة إلى نحو 35% بين الأسر منخفضة الدخل.

رغم هذه التحديات، خلص تقييم الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الكهرباء (ENTSO-E) لصيف 2026 إلى أن أوضاع الإمدادات الكهربائية في معظم الدول الأوروبية لا تزال مستقرة، مع تسجيل مخاطر هيكلية في مولدوفا، ومخاطر محدودة في بعض الأنظمة الصغيرة مثل أيرلندا ومالطا وقبرص.
وتشير التقديرات إلى أن التحدي الأكبر لا يتمثل في عبور صيف واحد، بل في قدرة أوروبا على تكييف بنيتها التحتية مع موجات حر أكثر شدة خلال السنوات المقبلة، عبر تحديث الشبكات، وتوسيع مشاريع الطاقة النظيفة، وتعزيز كفاءة المباني، وضمان وصول الكهرباء إلى جميع المواطنين بكفاءة وتكلفة مناسبة.