واشنطن وبكين.. خمسون عاماً من التحولات والصدامات الكبرى

2026.05.15 - 12:49
Facebook Share
طباعة

شكّل عام 1972 نقطة تحول تاريخية في العلاقات الدولية، مع الزيارة الأولى للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الصين منذ قيام الجمهورية الشعبية عام 1949، برفقة مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر. لم تكن الزيارة مجرد حدث دبلوماسي، بل مثلت بداية إعادة تشكيل المشهد الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.

 

فتحت الخطوة الأميركية الباب أمام خروج الصين من عزلتها السياسية الدولية، وأسهمت في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة ونقل التكنولوجيا وتوسيع العلاقات التجارية. كما ساعدت البضائع الصينية منخفضة الكلفة لاحقًا في التأثير على السوق الأميركية وخفض معدلات التضخم وإعادة تشكيل أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.

 

بعد أكثر من نصف قرن، تأتي زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين في سياق مختلف تمامًا، بعدما تحولت الصين من دولة خرجت من العزلة إلى أحد أبرز المنافسين على قيادة النظام العالمي.

 

تتزامن الزيارة مع تصاعد الصراع الدولي حول شكل النظام العالمي المقبل، وسط تحالفات سياسية واقتصادية تسعى إلى تقليص هيمنة القطب الواحد التي برزت منذ نهاية الحرب الباردة.

 

تحضر في خلفية هذه التطورات استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025، التي شددت على ضرورة "إعادة التوازن للعلاقة الاقتصادية مع الصين"، مع إعطاء أولوية لاستعادة ما وصفته واشنطن بـ"الاستقلال الاقتصادي الأميركي".

 

أعادت الوثيقة ترتيب أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، معتبرة أن المنطقة لم تعد تحظى بالأولوية نفسها التي فرضتها اعتبارات الطاقة طوال عقود، في ظل تنوع مصادر الإمدادات العالمية.

 

صنّفت الاستراتيجية أمن الممرات البحرية والمضائق الدولية باعتباره "مصلحة قومية عليا"، مع الدعوة إلى توزيع أعباء حماية هذه الممرات بين الحلفاء والشركاء.

 

تكتسب هذه النقطة أهمية متزايدة في ظل أزمة مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى أحد أكثر الملفات حساسية في حسابات الأمن والطاقة العالميين.

 

يرى مراقبون أن الحرب مع إيران فرضت تعديلات عملية على الحسابات الأميركية، بعد انخراط واشنطن بصورة مباشرة في تطورات المنطقة، بينما بات أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم مرتبطًا بتفاهمات سياسية ومفاوضات معقدة.

 

يبرز الدور الصيني داخل هذا الملف بحكم موقع الصين بوصفها الشريك التجاري الأكبر لإيران، الأمر الذي يمنحها هامشًا سياسيًا واقتصاديًا في إدارة التوازنات دون تحمل أعباء أمنية مباشرة.

 

تتداخل هذه الحسابات مع قائمة طويلة من الخلافات الأميركية الصينية، تتصدرها ملفات تايوان والتنافس التجاري والتكنولوجي والتوترات في بحر الصين الجنوبي.

 

تُصنّف هذه القضايا ضمن الملفات المرتبطة مباشرة بالأمن القومي للطرفين، الأمر الذي يجعل فرص التوصل إلى تسويات شاملة محدودة.

 

تبقى هناك مساحات مشتركة تتعلق باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن سلاسل الإمداد وقضايا المناخ، إضافة إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة للطرفين وللنظام الدولي بأكمله.

 

تفرض حماية الأسواق العالمية واستقرار حركة التجارة نفسها ضمن المصالح المشتركة رغم اتساع هوة الخلافات.

 

تشير تقديرات سياسية إلى أن موازين القوى الحالية لا تسمح لأي طرف بفرض نظام عالمي جديد بصورة منفردة، كما أن تشابك المصالح وحجم التنافس يجعل الوصول إلى تسوية كاملة أمرًا معقدًا.

 

تتجه التقديرات إلى أن الهدف الأكثر واقعية لا يتمثل في إنهاء التنافس بين واشنطن وبكين، بل إدارة هذا التنافس ووضع قواعد تمنع تحوله إلى صدام مباشر قد يعيد رسم النظام الدولي بصورة أكثر حدة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 4