أعادت الحرب في السودان رسم خرائط النفوذ والمعارك بعيداً عن العاصمة، بعدما تحولت الأطراف والحدود المفتوحة إلى شرايين رئيسية تتدفق عبرها الإمدادات والتحالفات والتحركات العسكرية، في مشهد يكشف كيف استطاعت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ“حميدتي” البقاء في قلب الصراع رغم خسارة مواقع استراتيجية داخل الخرطوم.
وباتت الجبهات الممتدة من ولاية النيل الأزرق شرقاً إلى إقليم دارفور غرباً تمثل ما يشبه “الرئتين” اللتين تتنفس عبرهما قوات الدعم السريع، مستفيدة من عمق جغرافي وتحالفات إقليمية ومسارات إمداد معقدة أبقت الحرب مشتعلة على أكثر من محور.
وخلال زيارة أجراها حميدتي إلى أوغندا ولقائه الرئيس يوري موسيفيني في فبراير/شباط الماضي، تحدث عن مقاتليه في النيل الأزرق قائلاً إنهم “يبلون بلاءً حسناً”، في إشارة عكست أهمية الجبهة الجنوبية الشرقية ضمن خريطة الحرب الحالية.
تحوّلت ولاية النيل الأزرق خلال الأشهر الأخيرة من ساحة هامشية إلى جبهة استراتيجية شديدة الحساسية، نظراً لموقعها الحدودي المتصل بـإثيوبيا وتشابكها مع ملفات إقليمية معقدة تشمل سد النهضة والنزاعات الحدودية والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي.
منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، ركزت قوات الدعم السريع في البداية على السيطرة على الخرطوم ومؤسسات الحكم الرئيسية، باعتبار أن حسم العاصمة يعني فرض واقع سياسي جديد داخل البلاد.
لكن تعثر المعركة داخل الخرطوم واستعادة الجيش السوداني تدريجياً زمام المبادرة دفعا الدعم السريع إلى تغيير استراتيجيته، عبر التوسع نحو الأطراف وفتح جبهات متزامنة تستنزف الجيش وتشتت قواته على مساحات جغرافية واسعة.
أخذت الحرب تدريجياً شكل “التطويق متعدد المحاور”، حيث لم يعد الهدف السيطرة الكاملة على العاصمة فقط، بل بناء نفوذ موازٍ في الأطراف وإقامة مناطق سيطرة ممتدة جغرافياً.
في هذا السياق، أصبحت جبهة النيل الأزرق جزءاً من مشروع أوسع لإعادة توزيع موازين القوة بعيداً عن المركز السياسي التقليدي في الخرطوم.
وتشكّل إثيوبيا الامتداد الجغرافي المباشر للنيل الأزرق، بحكم الحدود المشتركة والتداخل السياسي والأمني بين البلدين.
رغم تبني آبي أحمد خطاباً رسمياً يدعو إلى التهدئة، فإن التحركات الإثيوبية خلال الحرب أثارت شكوكاً داخل الخرطوم بشأن حجم الدعم غير المباشر الذي تستفيد منه قوات الدعم السريع.
وفي يوليو/تموز 2023، دعا آبي أحمد خلال قمة منظمة إيغاد إلى فرض حظر طيران ونزع المدفعية الثقيلة من السودان، وهو طرح اعتبرته الخرطوم محاولة لإضعاف الجيش السوداني.
لاحقاً، استقبلت أديس أبابا حميدتي في ديسمبر/كانون الأول 2023 بمراسم رسمية، في خطوة أثارت غضباً واسعاً داخل السودان واعتُبرت مؤشراً على منح قائد الدعم السريع غطاءً سياسياً وإقليمياً.
كما تحولت العاصمة الإثيوبية إلى منصة لتحركات سياسية معارضة للجيش السوداني، بعدما استضافت اجتماعات لتحالف “تقدّم” ولقاءات بين حميدتي ورئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك.
تحدثت تقارير وتحقيقات دولية عن نشاط لوجستي قرب الحدود الإثيوبية السودانية، خاصة في منطقة الفشقة ومطار أصوصا، مع معلومات عن استخدام المنطقة في نقل الإمدادات والطائرات المسيّرة.
وفي الغرب، لعبت تشاد دوراً بالغ الحساسية بحكم الحدود الصحراوية المفتوحة مع دارفور، حيث تتحرك القبائل وشبكات التهريب والسلاح منذ عقود.
رغم إعلان نجامينا التزام الحياد، فإن تقارير أممية وتحقيقات صحفية تحدثت عن خطوط إمداد وعمليات نقل عتاد عبر مطارات شرق تشاد باتجاه دارفور.
كما أشارت تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة إلى نشاط مكثف في مطاري أم جرس وأبشي منذ منتصف 2023، مع معلومات عن نقل شحنات مرتبطة بالحرب السودانية.
وكشفت تحقيقات دولية عن استخدام مستشفى ميداني في أم جرس كنقطة دعم لوجستي لقوات الدعم السريع، بما في ذلك علاج الجرحى ونقل الإمدادات.
وفي فبراير/شباط 2025، أثارت تقارير عن اختفاء منظومة دفاع جوي صينية اشترتها تشاد جدلاً واسعاً، بعدما ظهرت المنظومة لاحقاً داخل السودان بحوزة قوات الدعم السريع.
أما ليبيا، فتمثل الرئة الشمالية لقوات حميدتي، خصوصاً مع الامتداد الصحراوي الرابط بين جنوب ليبيا ودارفور.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي، تحولت الحدود السودانية الليبية إلى ممر مفتوح للمليشيات وتهريب الوقود والسلاح.
خلال السنوات الماضية، وثّقت تقارير أممية مشاركة مقاتلين سودانيين، بينهم عناصر من الدعم السريع، في القتال إلى جانب قوات خليفة حفتر شرق ليبيا.
مع اندلاع الحرب السودانية، تصاعدت التقارير المرتبطة باستخدام شرق ليبيا ممراً لوجستياً لنقل الوقود والسلاح والعتاد إلى قوات الدعم السريع في دارفور.
كما تحدثت تقارير استخباراتية عن استخدام قاعدة الخادم ومطاري بنينا والكفرة في عمليات نقل غير مباشرة مرتبطة بالحرب السودانية.
وفي عام 2025، نفذت قوات الدعم السريع هجوماً في المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر، مستفيدة من خطوط الإمداد القادمة من جنوب ليبيا وبدعم مجموعات موالية لحفتر.
أصبحت الجبهتان الغربية والجنوبية الشرقية بمثابة “رئتين” تتنفس عبرهما قوات حميدتي، في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة داخل الخرطوم ومحيطها.
يرى مراقبون أن الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة لم تعد مرتبطة فقط بالسيطرة على العاصمة، بل بإعادة تشكيل موازين النفوذ في الأطراف وبناء سلطات أمر واقع مدعومة بتحالفات إقليمية معقدة.
كما يتقاطع الصراع السوداني مع تنافس إقليمي متصاعد حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وسط مخاوف من تحوّل السودان إلى ساحة نفوذ مفتوحة بين قوى إقليمية متنافسة.
وفي المقابل، عززت مصر دعمها للجيش السوداني باعتبار استقرار الدولة المركزية في السودان جزءاً من أمنها القومي، خصوصاً مع تصاعد المخاطر على الحدود الجنوبية ووادي النيل.
ويبدو أن استمرار الحرب بهذا الشكل يعمّق احتمالات الانقسام الجغرافي والسياسي داخل السودان، مع توسع مناطق النفوذ وتزايد التدخلات الخارجية وتشكل مراكز قوة متوازية بعيداً عن العاصمة.