مع احتدام الحرب على الإيرانية الاسرائيلية الاميركية برزت مواقف لرجال دين من العرب ممن يعادون دول الخليج ويقفون مع ايران ضد اشقائهم العرب ما اثار استغراب كثيرين.
واحد من كبار رجال الدين العرب هو مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني الذي سألناه عن طبيعة الصراع القائم، وذهب إلى حدّ اعتباره لحظة فاصلة في تاريخ الأمة،والتي تستدعي وضوحًا في الموقف، ورفضًا قاطعًا لكل أشكال الحياد أو التردد.
استهلّ المفتي الغرياني موقفه في حديث لوكالة أنباء أسيا بالتأكيد على أن الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران لا يمكن قراءتها كحدثٍ معزول أو نزاعٍ سياسي عابر، بل هي امتداد لصراع طويل تقوده قوى الهيمنة الدولية لإخضاع المنطقة وإعادة تشكيل موازينها بما يخدم مصالحها. واعتبر أن استهداف إيران، بما تمثّله من ثقل سياسي وعسكري في محور المواجهة، إنما يندرج في سياق محاولة كسر إرادة كل من يرفض الخضوع لمنظومة السيطرة الغربية.
وشدّد على أن الشريعة الإسلامية لا تتيح للمسلمين التزام موقع المتفرج في مثل هذه اللحظات المفصلية، مؤكدًا أن نصرة المسلمين واجبة، وأن الحياد في معركة تُستهدف فيها دول وشعوب إسلامية هو تخلٍّ عن مقتضيات العقيدة، وانفصال عن روح الانتماء للأمة.
وفي قراءة أعمق لخلفيات المواجهة، أشار الغرياني إلى أن الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم العربي شكّل، على مدى عقود، مدخلًا أساسيًا لإشعال الأزمات، معتبرًا أن هذه القواعد لم تكن يومًا عنصر حماية، بل تحوّلت إلى منصات تهديد تستجلب المخاطر إلى الدول التي تستضيفها. وأضاف أن القوى التي راهنت على الدعم الأميركي بدأت تكتشف اليوم هشاشة هذا الرهان، بعدما وجدت نفسها في مرمى تداعيات الصراع.
وعند تناوله لمسار الحرب، لفت إلى أن موازين القوة لم تعد تُقاس فقط بالتفوق العسكري التقليدي، بل بقدرة الشعوب على الصمود، مؤكدًا أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه حين تصل قوى الاستكبار إلى ذروة غرورها، فتبدأ بالانحدار. ورأى أن مظاهر الارتباك التي تبدو على الإدارة الأميركية، وسعيها لحشد تدخلات دولية، تعكس حجم المأزق الذي تواجهه في فرض إرادتها.
وفي سياق متصل، شدّد مفتي ليبيا على دعمه للمقاومة في لبنان، معتبرًا أنها تشكّل أحد أبرز تجليات الردّ على العدوان، وأنها نجحت في ترسيخ معادلات ردع أعادت رسم التوازنات رغم ما تعرضت له من ضربات قاسمة خلال العامين الماضيين. واستحضر في هذا الإطار سيرة الأمين العام لحزب الله الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، مشيرًا إلى أن "سماحة السيد الشهيد" أسّس لمرحلة جديدة في مسار المقاومة، بما حمله من رؤية استراتيجية وإيمان راسخ، جعلا من تجربته نموذجًا يُحتذى في إدارة الصراع مع الاحتلال.
وأضاف أن الحرب على إيران، بما تحمله من تداعيات، تعيد التأكيد على مركزية خيار المقاومة، وعلى ضرورة تكامل أدوار قوى المواجهة في المنطقة، معتبرًا أن وحدة الساحات لم تعد مجرد شعار، بل تحوّلت إلى معادلة ميدانية تفرض نفسها في قلب الأحداث.
و رأى المفتي الغرياني أن استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي شكّل لحظة فارقة في مسار المواجهة، إلا أن تداعياته جاءت معاكسة لما سعت إليه القوى المعادية. وأكد أن "الدماء التي تُسفك في سبيل القضايا الكبرى لا تُهزم، بل تتحوّل إلى قوة دافعة تعيد تشكيل الوعي وتُحفّز مسارات المقاومة"، مشددًا على أن هذا الحدث "قلب السحر على الساحر"، إذ دفع محور المقاومة إلى مزيد من التماسك والتصعيد.
وأشار إلى أن الرهان على إضعاف إيران عبر استهداف قيادتها سقط سريعًا، لافتًا إلى أن التجربة أثبتت أن هذه الحركات لا تقوم على الأفراد بقدر ما تستند إلى نهجٍ متكامل ورؤيةٍ راسخة. وأضاف أن ما جرى كشف حدود القوة الأميركية، وعجزها عن تحقيق أهدافها رغم امتلاكها أدوات ضغط هائلة.
وفي سياق تحليله، لفت الغرياني إلى أن استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي أعاد رسم أولويات المواجهة، وحوّل الصراع إلى مستوى أكثر وضوحًا، حيث باتت خطوط التماس أكثر حدة، والاصطفافات أكثر صراحة. و أن هذا التحوّل سيؤدي إلى اتساع دائرة المواجهة، ولكن في الوقت نفسه سيُسرّع في بلورة معادلات جديدة لصالح قوى المقاومة.
وتوقف عند انعكاسات هذا الحدث على المنطقة، مؤكدًا أن الشعوب باتت أكثر وعيًا بطبيعة المواجهة، وأقل قابلية للانخداع بشعارات الحياد أو التسويات المؤقتة، مشيرًا إلى أن "المرحلة الراهنة هي مرحلة الفرز الكبير، حيث لا مكان للمواقف الرمادية".
وختم المفتي الغرياني تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تفرض على الأمة مراجعة عميقة لمواقفها، داعيًا إلى التحرر من التبعية، وبناء موقف مستقل يستند إلى ثوابت الدين ومصالح الشعوب، مشددًا على أن العزة لا تُنال إلا بالثبات والاصطفاف إلى جانب الحق، مستشهدًا بقوله تعالى: "فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين"، في دعوة صريحة إلى موقف جامع لا يقبل التردد في زمن التحولات الكبرى.