ملف معتقلي داعش يتعقّد بين بغداد والعواصم الغربية

2026.01.31 - 11:17
Facebook Share
طباعة

 يشهد ملف نقل معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية” من شمال شرقي سوريا إلى العراق تطورات متسارعة، وسط تباطؤ ملحوظ في وتيرة العمليات خلال الأيام الماضية، ما يعكس حجم التعقيدات السياسية والقانونية التي تحيط بهذا الملف الشائك، والذي بات عبئًا ثقيلًا على بغداد وعنوانًا لخلاف غير معلن مع عدد من الدول الغربية.

وبحسب معطيات متقاطعة، لم يتجاوز عدد المعتقلين الذين نُقلوا فعليًا إلى الأراضي العراقية حتى الآن نحو 500 شخص، بينهم عراقيون وأجانب، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن العدد الإجمالي للمحتجزين المرشحين للنقل قد يصل إلى سبعة آلاف. هذا التفاوت بين الأرقام المنقولة والمتوقعة يعكس حالة تردد واضحة في المضي قدمًا بعمليات النقل الجماعي.

مصادر رسمية عراقية أوضحت أن الحكومة طلبت إبطاء وتيرة نقل المعتقلين، بهدف منحها الوقت الكافي للتواصل مع دول أخرى وحثّها على استعادة مواطنيها المحتجزين، إلى جانب الاستعداد اللوجستي والأمني لاستقبال أعداد إضافية داخل منشآت الاحتجاز العراقية، التي تعاني أصلًا من ضغط كبير.

وتشير المعلومات إلى أن من بين المعتقلين الذين نُقلوا حتى الآن نحو 130 عراقيًا، إضافة إلى ما يقارب 400 أجنبي من جنسيات متعددة، وهو ما يضع العراق أمام معضلة قانونية وإنسانية معقدة، في ظل اختلاف القوانين الوطنية للدول المعنية، وتباين المواقف من كيفية التعامل مع هؤلاء.

التحفظ الغربي على إعادة مواطنيه الذين انضموا للتنظيم المتطرف لا يزال عاملًا أساسيًا في تعقيد المشهد. فعدد من الحكومات يخشى التداعيات السياسية والشعبية لإعادة هؤلاء، خصوصًا في حال عدم توفر أدلة كافية لإدانتهم أمام محاكمهم الوطنية، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى إطلاق سراحهم، وهو سيناريو يثير مخاوف داخلية واسعة.

في المقابل، يرى مسؤولون عراقيون أن تحميل بغداد مسؤولية محاكمة جميع المعتقلين، ولا سيما الأجانب منهم، يمثل عبئًا غير عادل، سواء على مستوى المنظومة القضائية أو البنية التحتية للسجون. كما يحذرون من أن إصدار أحكام قاسية، قد تصل إلى الإعدام، سيعرّض العراق لموجة انتقادات من منظمات حقوقية ودول غربية، رغم أن هذه الدول نفسها ترفض استعادة مواطنيها.

أحد المصادر القضائية العراقية وصف عملية النقل الجماعي المحتملة بأنها “فخ سياسي”، معتبرًا أن العراق قد يُدفع للقيام بدور لا ترغب الدول الأخرى في تحمّل تبعاته. وأضاف أن رفض تلك الدول لعقوبة الإعدام، مقابل إصرارها على إبقاء مواطنيها خارج حدودها، يضع بغداد في موقع حرج أمام الرأي العام الدولي.

في هذا السياق، تؤكد الحكومة العراقية أنها طالبت، وعلى مدى سنوات، الدول المعنية بتحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية عبر استعادة رعاياها والتعامل معهم وفق قوانينها الداخلية. ورغم استجابة بعض الدول بشكل محدود، فإن الغالبية لا تزال تماطل أو ترفض اتخاذ خطوات عملية.

دبلوماسيون من عدة دول أقرّوا بأن محاكمة هؤلاء في بلدانهم الأصلية عملية معقدة، بسبب صعوبة إثبات التورط المباشر في أعمال عنف، فضلًا عن المخاوف من ردود فعل شعبية غاضبة في حال عودة المقاتلين ثم الإفراج عنهم لاحقًا.

وتسعى بغداد، بالتنسيق مع الجانب الأمريكي، إلى ممارسة ضغط أكبر على الدول المعنية لدفعها نحو إعادة مواطنيها، في محاولة لتخفيف العبء عن العراق ومنع تحوله إلى ساحة تصفية حسابات قانونية دولية.

في الأثناء، أُطلقت مهمة جديدة لنقل المعتقلين من شمال شرقي سوريا إلى العراق، بذريعة تعزيز أمن مراكز الاحتجاز ومنع أي محاولات هروب قد تهدد الأمن الإقليمي. وتؤكد الجهات المشرفة على العملية أن التنسيق جارٍ مع الحكومة العراقية لضمان تنفيذ النقل بشكل “منظم وآمن”.

على صعيد موازٍ، تبرز تطورات لافتة تتعلق بمصير المخيمات التي تضم عائلات وأفرادًا على صلة بعناصر التنظيم. إذ تتجه السلطات السورية نحو إغلاق دائم لمخيمي “الهول” و”روج” خلال فترة زمنية محددة، ضمن خطة تهدف إلى إنهاء هذا الملف المعقد.

ويضم المخيمان عشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من السوريين والعراقيين، إضافة إلى آلاف الأجانب، ما يجعل قرار الإغلاق خطوة ذات تبعات إنسانية وأمنية واسعة. وقد أعلنت الجهات العسكرية المختصة اعتبار مخيم الهول ومحيطه منطقة أمنية مغلقة، مع فرض قيود مشددة على الحركة في محيطه.

بين تباطؤ عمليات النقل، وضغوط إعادة التوطين، وإغلاق المخيمات، يبقى ملف معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية” أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وسط غياب حل دولي شامل يوزّع المسؤوليات بشكل عادل، ويمنع تحميل دولة واحدة كلفة أزمة تتجاوز حدودها.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 1