كتبت رندا قسيس: من سيربح "الإنسانية"؟

2022.02.09 - 08:40
Facebook Share
طباعة

 من الملاحظ أنه ومنذ عقد تقريبًا، ومع انتشار ظاهرة شبكات التواصل الاجتماعي، بشكل واسع إلى كل دارٍ أو بارٍ أو شارع، هناك نمو للكلمات والجمل (بغض النظر عن صحة تركيبها اللغوي أو قدرتها على التعبير)، قد استطاع مطلقوها بلا شك الفوز بأوسمة "إنسانية" من قِبَل جمهوره من متابعين وأصدقاء، هذه الأوسمة ما هي إلا صور رمزية مستخدمة في كتابة التعليقات أو الرسائل الإلكترونية (إيموجي) وفي أحسن الأحوال تكون هذه الأوسمة عبارة عن كلمات خالية من النقاط.


 خلقت هذه الشبكات الاجتماعية نظامًا اجتماعيًا جديدًا قائمًا بجزئيةٍ منه على المبالغة القطيعية شعوريًا أو كلاميًا، لتخلق حالة من السلوكيات "الكبيرة" والكلمات "العظيمة" المتسمة بقيم "إنسانية عظيمة"، فأعمدة هذه القيم الأساسية هي أولًا التخيلات الفانتازية الخارجة عن الواقع، لتتحول إلى أفيكة، محرضة لنمو الأنا "العظيمة"، وهذا سهل جدًا الحصول عليه؛ لأن هذه القيم لا تكلف ناطقيها أكثر من رموز وكلمات وعبارات باهتة.


شاهدنا هذا الكم الهائل من "الإنسانية" خلال الأيام الماضية مع قصة الطفل "ريان" المغربي، ومما لا شك فيه أن الحادثة مؤلمة، وخصوصًا لذويه وأقاربه، لكن ما يستدعي الدهشة هو التغطية الإعلامية "الكبيرة" (وأشدد هنا على كلمة "كبيرة"؛ لأننا في زمن الكلمات والقيم والعبارات والسلوكيات "الكبيرة") والتفاعل الحسي الجماعي؛ حيث شهدنا ظاهرة ليست بالأولى، وهي سباق للفوز بالقيم "الإنسانية" الأكثر رهفًا والتي يتسابق الأفراد فيما بينهم للحصول على وسام "الحضارة".


وهنا يحق لأطفال آخرين التساؤل عن القيمة المضافة لهذه الإنسانية غير المكترثة بهم - ربما لأنهم يموتون جماعات وليس فرادى - فأطفال سوريا واليمن وليبيا والعراق... والذين يتساقطون جماعات بسبب الجوع والبرد والمرض...الخ لا يحق لهم الفوز بهذه التغطية، ولا أن يكونوا أحدوثة هذا السباق؛ لأنهم أصبحوا "قصة قديمة"، كما أصبح أطفال بعض الدول الإفريقية الذين يتعرضون لحوادث كثيرة كالوفاة دهسًا من قبل فرس النهر دون ذكر الأعداد الأخرى التي تموت من نقص المستلزمات الحياتية الأساسية، "قصة قديمة".


فلا أحد من هؤلاء الأطفال يمكنه أن يحظو بفوز هذا "الشعور السامي الجماعي" كالذي لاحظناه في الأيام الأخيرة، لأن الإنسانية تحتاج إلى قصص درامية فردية غير مستمرة، وكوكبنا مملوء بالمآسي غير المنتهية كي لا تتعرض إلى صدمات يمكن أن تدخلها في غيبوبة تسبق الوفاة.


وكي تحافظ على استقرارها الحسي والإنساني دون الإفراط بعملية "الأنسنة" نلحظها موجدة لسلوكيات جماعية قطيعية، تتجاوز فيها مسافات شاسعة وتسافر عبر البلدان، بفضل العولمة الحسية.


لا يقتصر ما نراه على الأفراد والجماعات، بل نجده عند عاملي القنوات التلفازية التي تتسابق فيما بينها بكيفية إضافة عبارات ومبالغات حسية من خلال معديها ومقدمي أو مقدمات الأخبار، لنرى من منهم سيسكب الدموع أكثر؟ ومن الأبرع بحركاته العاطفية البهلوانية، ليتسموا جميعًا ببلاهة "إنسانية" بامتياز، ولن نعجب إن وجدنا هذه القنوات تقوم في المستقبل القريب بإعداد سباق "من سيربح الإنسانية"؟


هذا السباق يقود وسيقود إلى دفع الكثير من الأفراد العقلانيين - والمتفاعلين بشكل منطقي من دون نفاق أو مبالغة مع جميع الحوادث والكوارث بشكل مساوٍ - إما للنفاق أو للسكوت خوفًا من التعرض إلى إدانات بانعدام "إنسانيتهم".


لا شك أن الحالة الحسية الموحدة التي لا تتطابق مع الطبيعة ولا تتناسب مع التنوع الإحساسي عند الأفراد تقود إلى استبدادية الميديا والتي تقوم بدورها بعملية سلبية على عقلية المشاهد وحسيته تجاه الأشياء.


لا أبالغ عندما أقول إن الميديا ذات السلوك الواحد، قادرة على صنع تركيبات بشرية مجهضة، ليصبح هدفها إيجاد نموذج مثالي لإنسانية منتقية، تقودنا إلى خلق كائن إنساني غريب تختلط عليه القيم والمفاهيم.


ليست هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة لهذه الحادثة الأليمة، فالحياة مليئة بالحوادث الفردية التي تحدث في كل لحظة وتغطيتها (أي الحوادث) تقع على عاتق القنوات والميديا المحلية لا أكثر.


لا شك أن الإنسان الواعي للحياة والموت ليس بحاجة لاقتفاء أثر الآخرين، ولا أن يتحول إلى إمعة كي لا يقع ضحية "متلازمة الببغاء".


ولا شك أيضًا أن المشاعر المضخمة الممزوجة بحالة من النفاق وعقلية القطيع والتي تريد البرهنة على حالة "إنسانية" ما هي إلا حالة عاجزة عن إحداث التغيير، وصنع مسارات جديدة تفيد البشرية بدلًا من اللطم على الحجر.


منذ سنوات ونحن أمام حالات تتفاخر بالمعايير والقيم الإنسانية الجديدة التي لا حدود لها، لكننا وللأسف مازلنا أمام حالات لم تتجاوز "الإيموجي" أو الكلمة أو حركة الأجساد، فالقيم ليست عبارة عن حركات بهلوانية أو هستيريا بكائية أو سلوكيات انفعالية، بل هي ذلك الوعي غير المتجزئ أو المشروط بظرف أو حدث ما.

 

 

 المقال لا يعبّر عن رأي الوكالة وإنما يعبّر عن رأي كاتبه فقط


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3