السودان و"إسرائيل": مبررات التطبيع

إعداد - رؤى خضور

2021.03.11 - 10:03
Facebook Share
طباعة

 في تبادل معبر للهدايا في الخرطوم في 25 كانون الثاني/يناير كانت الرمزية واضحة حين أهدى وزير المخابرات الإسرائيلي إيلي كوهين مضيفه، وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين، حمضيات وزيت زيتون من فلسطين، وتلقى في المقابل بندقية M-16 من صنع مؤسسة الصناعة الحربية السودانية، حيث أعطت تل أبيب بذلك إشارات لهيمنة المستوطنين على الأراضي والموارد الفلسطينية، وردّت الخرطوم بسلاح كإشارة لترسيخ واقع الاحتلال الإسرائيلي، وحظي كوهين بحفاوة الاستقبال والذي تُرجم إلى مذكرة تفاهم حول التعاون الأمني ​​والاستخباراتي، كما ناقش كوهين مع رئيس الدولة السوداني، عبد الفتاح البرهان، إمكانية انضمام (إسرائيل) إلى تحالف البحر الأحمر، وهو تكتل أمني ودفاعي جديد أطلقته السعودية العام الماضي يضم السودان وجيبوتي والصومال وإريتريا ومصر واليمن والأردن، ويسعى لحماية البحر الأحمر من القرصنة والتهريب والتهديدات الإقليمية.


وكانت الحكومة السودانية قد وقعت في وقت سابق من شهر كانون الثاني/يناير على اتفاقات إبراهام، وهي صفقة تطبيع مع "إسرائيل"، وكانت المكافأة الفورية من الصفقة هي التزام الولايات المتحدة بتزويد السودان بقرض للمساعدة في سداد ديونه للبنك الدولي بعد أن ألغت الولايات المتحدة رسمياً تصنيف السودان على أنه "دولة راعية للإرهاب" في كانون الأول/ديسمبر.


كانت المؤسسة العسكرية السودانية قد أعلنت بالفعل عن أجندتها بشكل علني مع الاجتماع المفاجئ بين البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شباط/فبراير 2020 في عنتيبي أوغندا، ونفى في ذلك الوقت سياسيون من قوى الحرية والتغيير علمهم المسبق بالاجتماع، ثم أُطلقت حملة إعلامية للتغني بمزايا "التطبيع" والتسويق لموضوع السلام مع (إسرائيل).


يبدو أن السودان مستمر في مواصلة التطبيع مع (إسرائيل) وتلبية مطالب الولايات المتحدة ورعاتها الأقوياء في المنطقة، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ولا شك أنه يعتبر أن إجماع قمة الخرطوم عام 1967 "لا اعتراف ولا مفاوضات أو سلام مع إسرائيل" بات مخلفات عصر مضى، خصوصاً بعد إبرام دولتي خط المواجهة وهما مصر والأردن منذ فترة طويلة اتفاقيات سلام منفصلة مع (إسرائيل)، فضلاً عن إبرام الفلسطينيين أنفسهم صفقات تعزز الهيمنة الإسرائيلية على حياتهم وبالتالي إجهاض قضيتهم. 


أي أن السودانيين متمسكون بثلاثة حجج لتبرير التطبيع، تستند الحجة الأولى إلى افتراض وجود هيئة سياسية موحدة تحقق مصلحة إستراتيجية للأمة تحت مظلة الجيش الأمريكي، وتستند الحجة الثانية إلى منطق "الفلسطينيون فعلوا ذلك أيضاً" وخلطهم بين الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي وأمراء أوسلو (القيادة الفلسطينية) المنتهية صلاحيتها منذ فترة طويلة، بالتالي تحويل قضية فلسطين إلى سلاح باعتبارها بؤرة خلاف في السياسة بين الإسلاميين السودانيين الراغبين في الحفاظ على سياسة مقاطعة (إسرائيل) وخصومهم الداعمين لتنمية هذه العلاقات.


في حين تنطوي الحجة الثالثة على أن تحول السودان إلى محور إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية والإمارات دليل على تحرر السودان من الهيمنة العربية على خياراته السياسية، ومن المفارقات أن الصهاينة سعداء بالاعتراف بالسودان كدولة عربية باعتبار أن ذلك يخدم أجندتهم الجديدة، وعبّر نتنياهو عن ذلك بعد مكالمة هاتفية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي مع قادة الولايات المتحدة والسودان عندما قال "اليوم نعلن عن إنجاز دراماتيكي آخر من أجل السلام، دولة عربية أخرى تنضم إلى دائرة السلام، هذه المرة تطبيع بين إسرائيل والسودان "، وأكد نتنياهو حينها أن الخرطوم قالت "نعم للسلام مع إسرائيل، نعم للاعتراف بإسرائيل ونعم للتطبيع مع إسرائيل".


بالرغم من أن اتفاق السلام بين السودان و(إسرائيل) هو فرصة لخروج السودان من عزلته الدولية، إلا أن اعتبارات الداخل المعقدة ستجعل العملية شائكة ومحفوفة بالمنغصات، وفي المحصلة فإن هذا الاتفاق سيلقي بتداعياته على المنطقة خلال الأعوام المقبلة، وقد يفتح إلى جانب الاتفاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين شهية دول أخرى للانضمام، وخاصة السعودية التي ما زالت تتحفظ عن علاقاتها السرية مع تل أبيب رغم وجود إشارات تومئ بنشوء علاقات بين الطرفين ليست ببعيدة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 5