في ظل التحديات الاستراتيجية التي تواجه التحالف عبر الأطلسي من انتقام روسيا، وصعود الصين العالمي، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان لدى الرئيس الأمريكي جو بايدن شريك مقرب للتحدث رسمياً عن أوروبا، في حين ما زالت أوروبا منقسمة مع وجود خلافات حول الأولويات الإستراتيجية ومخاوف متزايدة من أن الولايات المتحدة قد لا تكون الحليف الموثوق الذي يريده ويحتاجه الأوروبيون.
حتى في خطابها الأخير أمام منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، بدا أن ميركل ترفض فكرة وقوف أوروبا إلى جانب الولايات المتحدة ضد الصين.
وساهم أيضاً في محاولات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المستمرة من أجل استقلال ذاتي استراتيجي أوروبي أكبر.
إذاً، من الذي ستتمكن إدارة بايدن من التوجه إليه في أوروبا لمواجهة التحديات الاستراتيجية الكبرى؟ برلين أم باريس أم بروكسل أم لندن؟
قد تبدو ألمانيا الوجهة الطبيعية لبايدن، إذ يمكن أن تلعب دوراً رئيساً في ردع روسيا والصين من دق إسفين بين محيط أوروبا وقلبها، لكن ألمانيا تشهد حالياً تحولاً سياسياً حيث تنهي ميركل فترة ولايتها وتُجرى الانتخابات البرلمانية في الخريف.
هذا يجعل ألمانيا شريكاً غير متوقع كملاذ أول لمحاولة بناء تحالفات عالمية، وعادة ما تكون فرنسا البديل الأوروبي الرئيس للولايات المتحدة، البديل الذي لجأت إليه إدارة باراك أوباما في كثير من الأحيان، وخلال إدارتي أوباما ودونالد ترامب، تعاون البلدان بشكل وثيق في القضايا الأمنية في الشرق الأوسط وأفريقيا، إلا أن يواجه تحديات داخلية بسبب جائحة الفيروس، كما أن سياسته الخارجية لم تسفر عن نتائج تذكر، وليس واضحاً ما إذا كانت فرنسا ستكون أكثر فائدة من ألمانيا لإدارة بايدن، فمن خلال مبادرات فرنسا بشأن روسيا وتركيا ولبنان وليبيا، أحرق ماكرون الجسور مع عديد من العواصم الأوروبية وينظر إليه بتشكك في وسط وشرق أوروبا رغم أنه يمكن أن يكون شريكاً مفيداً لبايدن في القضايا الأمنية، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وبالتأكيد يريد الاتحاد الأوروبي أن يكون لاعباً ومحاوراً رئيساً لإدارة بايدن، لكن بداية يجب على بايدن عكس سياسة ترامب الذي عامل الاتحاد الأوروبي كمنافس، وقد يستخدم صيغاً جديدة مثل الحوار بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن الصين ومناقشة القضايا الرقمية، لكن يجب على واشنطن أيضاً أن تدرك حدود العمل المباشر مع بروكسل في ظل انقسام الاتحاد الأوروبي.
أما المملكة المتحدة فلا تبدو شريكاً يمكن أن يحظى بالتقدير الكافي، إذ إن تأثيرها في أوروبا سيكون محدوداً نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي، وبذلك تكون إدارة بايدن قد تُركت بدون شريك أوروبي مثالي من أجل تجديد التحالفات عبر المحيط الأطلسي، لذا فإن تضمين دولة عضو أخرى في الاتحاد الأوروبي أمر لا بد منه بشأن القضايا المتعلقة بروسيا، بالتالي بولندا هي المرشح الأكثر احتمالاً، خاصة أنها تشارك في حوارات مع فرنسا وألمانيا من خلال مثلث فايمار، ويمكن الاستفادة منها في هذا المنتدى الجديد عبر الأطلسي، كما أنها تشترك مع جمهورية التشيك والمجر وسلوفاكيا في مجموعة Visegrád، وبما يتعلق بقضايا روسيا والصين، من المرجح أن تلتقي مصالح بولندا مع مصالح فرنسا وألمانيا.
في كافة الأحوال سيكون على بايدن بذل جهود حثيثة لإعادة كسب ثقة القادة الأوروبيين بعد أن كسرها سلفه ترامب، وهم بدورهم متفائلون بحذر بشأن آفاق التعاون، لذا فإن إعادة تنشيط حلف شمال الأطلسي قد تستغرق وقتاً ليس بالقصير.