يستعد حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب الأميركي، لتولي رئاسة المجلس مع بداية العام المقبل، في حال نجاح حزبه في تثبيت أغلبيته، ليصبح أول أميركي أسود يتولى هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة. غير أن وصوله إلى موقع القيادة لن يكون التحدي الوحيد، إذ سيواجه مهمة إدارة حزب تتباين مواقفه الداخلية، وقيادة المواجهة التشريعية والسياسية مع الرئيس دونالد ترمب وإدارته.
وتشير الكاتبة المتخصصة في الشؤون السياسية الأميركية ميشيل كوتل، في تحليل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى أن انتقال جيفريز من قيادة الأقلية إلى رئاسة مجلس النواب سيضعه أمام مسؤوليات تختلف جذرياً عن تجربته السابقة، خصوصاً أن أسلوبه السياسي يعتمد على التوافق وبناء العلاقات، بينما تتطلب المرحلة المقبلة قدرة أكبر على ضبط الانقسامات وفرض الأولويات.
وكان جيفريز قد عرض، في خطاب ألقاه عقب الانتخابات، مجموعة من الملفات التي يريد الديمقراطيون التركيز عليها، بينها استعادة التمويل المخصص لبرنامج الرعاية الطبية «ميديكيد»، ومحاسبة مسؤولي إدارة ترمب، إلى جانب طرح قضايا اقتصادية وسياسية تتصل بأوضاع الأميركيين.
انقسامات داخل الحزب واختبار لقيادته
تتمثل إحدى أبرز العقبات أمام جيفريز في التوفيق بين التيار المعتدل والجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي يطالب بمواقف أكثر تشدداً تجاه الإدارة الجمهورية، وبإجراءات تتجاوز أسلوب التفاوض التقليدي.
وينتمي جيفريز، الذي نشأ في حي كراون هايتس بمدينة بروكلين، إلى التيار الديمقراطي المؤسسي الذي يفضل العمل التدريجي والتفاهمات السياسية، بخلاف التيارات المطالبة بتغييرات اقتصادية واجتماعية أكثر جذرية.
وقد ظهرت هذه التباينات خلال الانتخابات التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك العام الماضي، عندما تأخر جيفريز في إعلان تأييده لزعيم التيار التقدمي زهران ممداني، ما أثار انتقادات داخل الأوساط المرتبطة بالاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين.
وتشير كوتل إلى أن عدداً من النواب الجدد القريبين من هذا التيار يسعون إلى الحصول على تنازلات مقابل دعم قيادة جيفريز، تشمل فرض ضرائب على الثروات، وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك، فضلاً عن منحهم مواقع مؤثرة في اللجان الرئيسية داخل المجلس.
لكن امتلاك الديمقراطيين للأغلبية يمنح جيفريز هامشاً أوسع للتعامل مع هذه المطالب، من دون الاضطرار إلى منح المناصب القيادية الأكثر نفوذاً للأجنحة التي تستخدم الضغط الداخلي لفرض شروطها.
الانضباط البرلماني ومشكلة إدارة الأصوات
ولا تقتصر التحديات على الخلافات الأيديولوجية، بل تمتد إلى قدرة جيفريز على ضمان التزام النواب بالقرارات التي تتخذها قيادة الحزب.
وتستشهد الكاتبة بتصويت النائبين الديمقراطيين المعتدلين جاريد غولدن وماري غلوسنكامب بيريز، في أيلول الماضي، لمصلحة المضي في حزمة مشروعات قوانين مدعومة من الجمهوريين، رغم تحذيرات قيادة الحزب من مخالفة الموقف المتفق عليه.
ولم تتبع القيادة التصويت بإجراءات تنظيمية بحقهما، كما أثارت الواقعة تساؤلات بشأن قدرة فريق جيفريز على حصر الأصوات والتأكد من التزام النواب بالتفاهمات الداخلية.
وترى كوتل أن إدارة الأغلبية تتطلب أدوات أكثر حزماً، مستحضرة تجربة نانسي بيلوسي التي كانت تحرص على ضمان توافر الأصوات الكافية قبل طرح أي مشروع للتصويت. وتقترح استخدام أدوات تنظيمية، مثل توزيع مواقع اللجان وتحديد الأولويات التشريعية والتمويل الانتخابي، لضمان عدم تجاوز القرارات الجماعية من دون تنسيق مسبق.
مواجهة ترمب بين التحقيقات والأولويات التشريعية
وفي العلاقة مع البيت الأبيض، سيكون على جيفريز تحديد طبيعة المواجهة مع ترمب، خصوصاً فيما يتعلق بالتحقيق في أداء الإدارة ومساءلة المسؤولين عن قراراتهم.
وتتوقع كوتل تصاعد المطالب داخل الحزب بمحاسبة عدد من المسؤولين، ومن بينهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، فيما ترى أن طرح محاولة عزل ترمب للمرة الثالثة قد يتحول إلى مواجهة سياسية مكلفة، في ظل عدم توافر فرص واقعية لإدانته في مجلس الشيوخ، فضلاً عن إمكانية استخدامه هذه الخطوة لتقديم نفسه باعتباره مستهدفاً سياسياً.
وفي المقابل، تحذر الكاتبة من أن استهلاك الوقت والجهد في التحقيقات والمواجهات السياسية قد يأتي على حساب الملفات التشريعية التي تمس حياة الأميركيين بصورة مباشرة.
وتشمل الأولويات المطروحة خلال المئة يوم الأولى استعادة الإعانات المرتبطة بقانون الرعاية الصحية الميسرة، وإعادة تمويل برامج «ميديكيد» التي طاولتها تخفيضات قانون ترمب، والعمل على إنهاء الحرب مع إيران، والحد من الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الجمهورية.
التفاهم مع ترمب يثير خلافات الديمقراطيين
ويواجه جيفريز معضلة إضافية تتمثل في اختلاف مواقف الديمقراطيين من التعامل مع ترمب؛ فبينما يفضل المعتدلون البحث عن مساحات للتعاون في الملفات الاقتصادية والمعيشية، يرفض التقدميون أي تفاهم قد يُفسر باعتباره تنازلاً للإدارة الجمهورية.
وكان لقاء جيفريز مع جاريد كوشنر في نيويورك خلال آب الماضي، لبحث إمكانات التعاون، قد أثار استياء بعض الديمقراطيين. وترى كوتل أن بإمكانه الحفاظ على قنوات التواصل بشأن القضايا التي تحظى باهتمام مشترك، مع الاستمرار في الضغط على الإدارة في الملفات الخلافية، مستفيداً من علاقاته مع شخصيات داخل الإدارة، بينها وزير الخارجية ماركو روبيو.
الحضور الإعلامي ومقارنة بتجربة بيلوسي
ومن الملفات التي تحتاج إلى تطوير أيضاً قدرة جيفريز على التواصل المباشر مع الجمهور. فعلى الرغم من امتلاكه مهارات خطابية وقدرة على صياغة رسائل سياسية واضحة، تشير كوتل إلى أن ظهوره يبدو أحياناً مقيداً بالنصوص المعدة مسبقاً، ما يستدعي توسيع حضوره عبر البرامج الصوتية والمنصات الرقمية، والاستفادة من أدوات التواصل الحديثة للوصول إلى شرائح أوسع من الناخبين.
وسيواجه جيفريز مقارنات مع نانسي بيلوسي، التي تولت رئاسة مجلس النواب وكانت من أبرز الشخصيات المؤثرة في قيادة الديمقراطيين خلال العقود الأخيرة. لكن تجربتها نفسها شهدت خلافات داخلية وصراعات سياسية، ما يعكس حجم الصعوبات المرتبطة بإدارة الأغلبية البرلمانية.
وفي المحصلة، لن يتحدد نجاح جيفريز بمجرد توليه رئاسة المجلس أو كونه أول أميركي أسود يصل إلى هذا المنصب، بل بقدرته على تحويل الأغلبية الديمقراطية إلى قوة تشريعية منضبطة، وإدارة الخلافات الداخلية، ومواجهة إدارة ترمب من دون إهمال القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
وتخلص كوتل إلى أن استمرار جيفريز في النهج الحذر الذي اعتمده خلال قيادته للأقلية قد لا يكون كافياً في المرحلة المقبلة، إذ ينتظر جزء من القاعدة الديمقراطية تحركات أكثر وضوحاً ونتائج ملموسة بعد فترة من الإحباط السياسي.