تدخل الأزمة السياسية في إقليم كردستان العراق مرحلة حساسة، مع تصاعد الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، على خلفية تشكيل السلطات الجديدة وتوزيع المناصب والنفوذ داخل مؤسسات الإقليم. وبينما اختار الاتحاد الوطني الانسحاب من الحكومة ومقاطعة الجلسات البرلمانية، يتمسك الحزب الديمقراطي بشرعية المسار الذي أفضى إلى انتخاب هيئة رئاسة البرلمان، في وقت تتحرك فيه أطراف أميركية وإقليمية لاحتواء الخلاف ومنع تحوله إلى انقسام سياسي ومؤسساتي يصعب احتواؤه.
وتكشف المعطيات المتداولة عن بدء مفاوضات غير معلنة بين الطرفين، بالتزامن مع تراجع حدة التراشق الإعلامي، وسط طرح عدة سيناريوهات لتجاوز الأزمة، تتراوح بين تشكيل حكومة توافقية جديدة والاتفاق على انتخابات مبكرة، في حين يثير التلويح بتقسيم الإقليم إلى إدارتين تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين أربيل والسليمانية وحدود الخلافات الحزبية.
مفاوضات وضغوط خارجية
وبحسب مصادر مطلعة، تشهد الاتصالات بين الحزبين حراكاً مكثفاً بعيداً عن الأضواء، بهدف التوصل إلى تفاهم بشأن توزيع المناصب التنفيذية والإدارية وإنهاء حالة الجمود السياسي.
وتشير المصادر إلى أن الولايات المتحدة وعدداً من الأطراف الإقليمية يمارسون ضغوطاً باتجاه التهدئة، في محاولة لمنع اتساع الخلاف وانعكاساته على استقرار الإقليم.
ورغم ارتباط الحزب الديمقراطي بعلاقات وثيقة مع تركيا، والاتحاد الوطني بعلاقات مع إيران، فإن المصادر تستبعد أن يكون الخلاف امتداداً لمواجهة إقليمية، معتبرةً أن جوهر الأزمة يرتبط بتقاسم السلطة والنفوذ داخل مؤسسات الإقليم.
كما تستبعد عودة الاقتتال الداخلي الذي شهدته تسعينيات القرن الماضي، مشيرةً إلى أن طبيعة إدارة الخلافات بين الحزبين تغيرت، وباتت المفاوضات والوسائل السياسية تشكل الإطار الأساسي لمعالجتها.
سيناريوهات التسوية
وتبرز أمام الطرفين عدة خيارات لتجاوز الأزمة، في مقدمتها تشكيل حكومة توافقية تشاركية تضمن توزيعاً جديداً للمناصب والصلاحيات، أو التفاهم على إجراء انتخابات مبكرة تعيد تحديد موازين القوى السياسية.
وفي المقابل، ترى المصادر أن تهديد الاتحاد الوطني بالاتجاه نحو بغداد أو المطالبة بتقسيم الإقليم إلى إدارتين قد يندرج ضمن أوراق الضغط التفاوضية، بهدف تحسين موقعه في مفاوضات تشكيل الحكومة.
لكن هذه الطروحات تفتح الباب أمام إشكالية أوسع تتعلق بمستقبل وحدة المؤسسات السياسية والإدارية في كردستان، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام بين مركزي النفوذ في أربيل والسليمانية.
جدل دستوري
وبالتوازي مع المسار السياسي، برز خلاف قانوني بشأن صلاحيات السلطات التنفيذية وحدود قدرتها على التعامل مع المؤسسات المنتخبة.
وأوضح الخبير القانوني علي التميمي أن وجود المؤسسات التمثيلية والمجالس المنتخبة يستند إلى المواد 5 و20 و122/ثانياً من الدستور العراقي لعام 2005، مؤكداً أن السلطة التنفيذية لا تملك صلاحية إلغاء الانتخابات أو حل المؤسسات المنتخبة أو تجميدها.
واعتبر أن اتخاذ قرارات من هذا النوع يشكل تجاوزاً للاختصاصات الدستورية، مشيراً إلى أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا أكدت مبادئ حماية اللامركزية الإدارية والمؤسسات الدستورية.
ويكتسب هذا الجدل أهمية إضافية في ظل المخاوف من انتقال الخلاف الحزبي إلى مواجهة بشأن شرعية المؤسسات وآليات إدارة السلطة، بما قد يفاقم حالة الانسداد السياسي.
معركة تقاسم السلطة
وعلى المستوى الحزبي، صعّد الاتحاد الوطني الكردستاني مواقفه عقب إعلان رئيسه بافل طالباني انسحاب فريقه من حكومة الإقليم، ملوّحاً بمعادلة «رئيس مقابل رئيس، ووزير مقابل وزير»، في إشارة إلى رفضه ما يصفه باحتكار الحزب الديمقراطي للقرار السياسي في أربيل.
في المقابل، انتقد النائب عن جماعة العدل الكردستانية عبد الستار مجيد ما جرى خلال جلسة البرلمان، محذراً من تداعيات استقطاب النواب والتأثير في أصواتهم على شرعية المؤسسات، ومنح الأطراف الخارجية فرصاً للتدخل في الشؤون الداخلية للإقليم.
أما الحزب الديمقراطي الكردستاني، فيتمسك بشرعية الإجراءات التي أفضت إلى انتخاب رئاسة البرلمان، لكنه يؤكد في الوقت نفسه ضرورة مشاركة الاتحاد الوطني في الحكومة الجديدة، وعدم تشكيلها بمعزل عنه.
خلافات تتجاوز المناصب
وفي قراءة لأبعاد الأزمة، يرى الكاتب الصحافي أنس الشيخ مظهر أن الحزب الحاصل على الأغلبية البرلمانية يمتلك حق قيادة مفاوضات تشكيل الحكومة وفق القواعد الدستورية، من دون أن تعني الشراكة السابقة منح الحزب المنافس حقاً تلقائياً في المشاركة بالحكومة الجديدة.
كما يعتبر أن الدعوات إلى إنشاء إقليم جديد أو إدارة موازية لا تستند إلى أساس دستوري واضح، موضحاً أن الدستور العراقي يعترف بإقليم كردستان وسلطاته القائمة، ولا ينص على إنشاء إقليم موازٍ داخله.
ويشير إلى أن الاتفاق الاستراتيجي السابق بين الحزبين تعرض لخروقات متكررة، ما يستدعي صياغة تفاهم جديد يستند إلى النتائج الانتخابية والقواعد الدستورية، ويحافظ على وحدة الإقليم ومؤسساته.
وفي هذا السياق، يرفض الشيخ مظهر التعامل مع أربيل والسليمانية باعتبارهما ملكيتين حزبـيتين، مؤكداً أن مؤسسات الإقليم لا يمكن تقسيمها وفق موازين النفوذ بين الحزبين.
كما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الخيارات التي يلوّح بها بافل طالباني، سواء إنشاء إقليم جديد يتطلب إجراءات دستورية واستفتاءً وتفاوضاً مع بغداد، أو التحول إلى محافظة تخضع إدارياً للحكومة الاتحادية، معتبراً أن هذه الخيارات تتجاوز حدود الخلاف التقليدي على توزيع المناصب.
إرث الانقسام منذ تسعينيات القرن الماضي
تعود جذور التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني إلى عقود من الصراع على النفوذ والموارد ومراكز القرار في إقليم كردستان. وشهدت تسعينيات القرن الماضي مواجهات مسلحة بين الطرفين، انتهت لاحقاً بتفاهمات وتقاسم لمراكز السلطة، كرّست واقعاً سياسياً يقوم على توازنات حزبية بين أربيل والسليمانية.
ورغم تطور المؤسسات الدستورية في الإقليم بعد عام 2005، بقيت المحاصصة الحزبية عاملاً مؤثراً في تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب، ما جعل الخلافات الانتخابية تتكرر عند كل استحقاق سياسي كبير.
وحدة الإقليم أمام اختبار التفاهمات
تكشف الأزمة الحالية أن الخلاف بين الحزبين الكرديين لا يقتصر على تشكيل الحكومة أو توزيع الحقائب الوزارية، بل يمتد إلى طبيعة إدارة السلطة وحدود النفوذ الحزبي داخل مؤسسات الإقليم. وبينما تتواصل المفاوضات والضغوط الخارجية لاحتواء التصعيد، يبقى مستقبل الأزمة مرتبطاً بقدرة الطرفين على التوصل إلى صيغة توازن بين نتائج الانتخابات ومبدأ الشراكة السياسية.
وفي ظل غياب مؤشرات على توجه نحو مواجهة مسلحة، تبدو التسوية السياسية أحد المسارات المطروحة، لكن نجاحها سيظل مرهوناً بمعالجة الخلافات البنيوية التي أبقت مؤسسات كردستان عرضة لتجاذبات الحزبين، وبمنع تحول التنافس على السلطة إلى انقسام إداري يهدد وحدة الإقليم واستقراره.