شهدت مياه الخليج ومضيق هرمز سلسلة حوادث بحرية متلاحقة خلال الأيام الخمسة الأولى من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، طالت ناقلات نفط وسفن بضائع وقاطرة بحرية، وأسفرت عن غرق إحدى القاطرات ومقتل بحارين في حادثتين منفصلتين، وسط اتساع نطاق المخاطر التي تواجه حركة الملاحة التجارية في المنطقة.
وبحسب رصد أجرته وحدة المصادر المفتوحة، استناداً إلى بلاغات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية الصادرة حتى السادس من الشهر، سُجلت سبعة حوادث استهداف بين الأول والخامس من تشرين الثاني، وقعت خمسة منها في مضيق هرمز ومحيطه، فيما امتدت الحوادث الأخرى إلى مياه الخليج قبالة سواحل السعودية وقطر. ولم تحدد الهيئة جهة مسؤولة عن الهجمات، كما لم تحسم طبيعة المقذوفات المستخدمة في معظم الوقائع.
قاطرة غارقة وسفن تجارية متضررة
كانت القاطرة البحرية «سيلات ستورم» أولى السفن التي تعرضت للاستهداف، بعدما أصابها مقذوف مجهول في الأول من تشرين الثاني أثناء وجودها في مضيق هرمز. ونقل ربان سفينة تجارية قريبة نداء استغاثة أطلقته القاطرة عبر قناة الاتصالات البحرية، قبل أن يؤكد تحذير ملاحي رسمي في اليوم التالي غرقها قرب جزيرة أم الغنم العمانية، غرب شبه جزيرة مسندم.
وتشير بيانات التتبع إلى أن القاطرة، التي ترفع علم بنما وتحمل رقم التعريف البحري الدولي 9266657، غادرت منطقة الحمرية الإماراتية متجهة إلى خور فكان، قبل أن تتوقف إشارات موقعها في اليوم نفسه الذي تعرضت فيه للحادث.
وفي اليوم ذاته، تعرضت ناقلة المنتجات النفطية والكيميائية «لارغو أتوم»، التي ترفع علم ليبيريا، لإصابة بمقذوفين مجهولين في جانبها الأيسر، أثناء إبحارها في مياه الخليج قبالة مدينة رأس الخفجي السعودية. وكانت الناقلة تحمل، وفق بيانات «كبلر»، نحو 344 ألف برميل من المنتجات النفطية، جرى تحميلها من مصفاة ميناء عبد الله في الكويت في 29 تشرين الأول، قبل مغادرتها المنطقة باتجاه الإمارات.
وامتدت الحوادث إلى سفن نقل البضائع، إذ تعرضت سفينة الشحن السائب «إيرا إس»، التي ترفع علم بنما، لمقذوف مجهول على مسافة نحو تسعة أميال بحرية شمال شرقي مدينة ليما العمانية. وأدى الاستهداف إلى إحداث فتحة في جانبها الأيمن، من دون ورود معلومات عن إصابات بين أفراد طاقمها. وكانت السفينة قد غادرت ميناء كاندلا الهندي في 27 تشرين الأول، وعلى متنها شحنة من الملح متجهة إلى الإمارات.
مقتل بحار هندي في محيط هرمز
وفي الثاني من تشرين الثاني، تعرضت سفينة الشحن التقليدية الهندية «الجسوفي» لهجوم بجسم جوي مجهول قرب منطقة ليما العمانية، أثناء خروجها من مضيق هرمز، بعدما كانت قد غادرت ميناء الحمرية الإماراتي قبل ذلك بيومين.
وأعلنت الحكومة الهندية مقتل أحد البحارة على متن السفينة، فيما تمكنت السلطات العمانية من إنقاذ البحارة الثلاثة عشر الآخرين. وسجلت هذه الواقعة أول حالة وفاة معلنة ضمن سلسلة الحوادث البحرية التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأولى من الشهر.
وفي اليوم التالي، تعرضت ناقلة النفط الخام العملاقة «غريت»، التي ترفع علم باربادوس، لإصابة بمقذوفين مجهولين وصلا إلى غرفة محركاتها، على بعد نحو 14 ميلاً بحرياً شمال شرقي ليما العمانية. ولم يتضمن البلاغ البريطاني معلومات عن إصابات بشرية أو تلوث بحري ناجم عن الحادث.
وتظهر سجلات «كبلر» إدراج شحنة نفط خام للناقلة من ميناء البصرة العراقي في 29 تشرين الأول، إلا أن بيانات التتبع المتاحة لا توفر معلومات كافية لتأكيد مسارها أو حمولتها الفعلية لحظة تعرضها للاستهداف.
قتيل ثانٍ بعد انفجار ناقلة شمال قطر
وفي الخامس من تشرين الثاني، انتقلت الحوادث إلى المياه الواقعة شمال قطر، حيث تعرضت ناقلة المنتجات النفطية «فيلوس سافاير»، التي ترفع علم جزر مارشال، لهجوم بمقذوفين مجهولين على مسافة نحو 50 ميلاً بحرياً شمال مدينة الشمال القطرية.
وقالت الشركة المشغلة «فيلوس تانكرز» إن الانفجار أصاب الجزء الخلفي من الجانب الأيسر للناقلة، وأدى إلى اندلاع حريق تمكن أفراد الطاقم من السيطرة عليه. وبعد الإبلاغ عن فقدان أحد البحارة، عُثر عليه ميتاً، لترتفع حصيلة القتلى المعلنة في الحوادث السبع إلى بحارين.
وبحسب بيانات «كبلر»، كانت الناقلة قد حملت نحو 512 ألف برميل من المنتجات النفطية في ميناء الجبيل الصناعي السعودي يوم 27 تشرين الأول، ثم فرغت شحنتها في منطقة الفجيرة الإماراتية مطلع تشرين الثاني، قبل عودتها إلى مياه الخليج من دون حمولة تجارية، وهو ما أكدته الشركة المشغلة في بيانها بشأن الحادث.
أما الواقعة السابعة، فكُشف عنها في بلاغ متأخر أصدرته هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية في السادس من تشرين الثاني، بشأن انفجار وقع في اليوم السابق عند مستوى سطح الماء في الجانب الأيسر لناقلة نفط، على بعد نحو 16 ميلاً بحرياً شرق خصب العمانية، أثناء خروجها من مضيق هرمز.
وحددت شركة الأمن البحري «فانغارد» هوية الناقلة بأنها «فييرا»، التي ترفع علم فانواتو، وفق ما نقلته الباحثة في الشؤون البحرية نعوم ريدان. ولم يرد اسم السفينة في البلاغ البريطاني الأولي، فيما أظهرت بيانات «كبلر» أنها سجلت شحنة نفط خام بنحو 1.93 مليون برميل من ميناء البصرة العراقي في 28 تشرين الأول.
لكن غياب إشارات تتبع حديثة للسفينة، إذ تعود آخر إشارة متاحة لها إلى 26 تشرين الأول، لا يسمح بالتحقق من حمولتها الفعلية عند وقوع الانفجار. وأكدت الهيئة البريطانية سلامة جميع أفراد الطاقم، مشيرة إلى أن الناقلة واصلت رحلتها بقوتها الذاتية، من دون تحديد سبب الانفجار أو الجهة المسؤولة عنه.
سفن تواصل رحلاتها رغم الأضرار
وعلى الرغم من الأضرار التي لحقت بعدد من السفن، أظهرت بيانات الملاحة أن بعضها تمكن من مواصلة رحلته والوصول إلى وجهات أخرى بعد تعرضه للاستهداف.
فقد وصلت ناقلة «فيلوس سافاير» إلى منطقة الحد في البحرين صباح السابع من تشرين الثاني، بعد الحادث الذي أدى إلى مقتل أحد أفراد طاقمها. ويتوافق ذلك مع إعلان الشركة المشغلة توجيه الناقلة إلى البحرين لتقديم المساعدة للطاقم وفحص الأضرار.
كما أظهرت بيانات التتبع وصول سفينة «إيرا إس» إلى منطقة الانتظار البحري قبالة ميناء خليفة الإماراتي في الخامس من الشهر، بعد أربعة أيام من تعرضها للهجوم قرب الساحل العماني. ووصلت ناقلة «لارغو أتوم» بدورها إلى منطقة مخطاف الشارقة في الثالث من تشرين الثاني، عقب إصابتها بمقذوفين أثناء رحلتها من الكويت باتجاه الإمارات.
في المقابل، لم تتوفر بيانات تتبع حديثة كافية للناقلتين «غريت» و«فييرا»، إذ تعود آخر الإشارات المعروضة للأولى إلى 28 أيلول، وللثانية إلى 26 تشرين الأول، ما يحول دون التحقق من حركتهما اللاحقة أو تحديد وجهتيهما استناداً إلى المعلومات المتاحة.
نطاق الاستهداف يمتد خارج مضيق هرمز
وتكشف خريطة الحوادث أن خمسة من الاستهدافات السبعة وقعت في مضيق هرمز أو بمحاذاة الممرات البحرية القريبة من شبه جزيرة مسندم العمانية، بينما سُجل حادثان داخل مياه الخليج، أحدهما قبالة الساحل الشرقي للسعودية والآخر شمال قطر.
ولا يقتصر دلالة هذا التوزع على تكرار الحوادث في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية، بل يشير أيضاً إلى امتداد المخاطر إلى مناطق أوسع داخل الخليج، بعيداً عن نطاق المضيق المباشر. كما أن طبيعة السفن المستهدفة، التي شملت ناقلات نفط ومنتجات نفطية وسفن بضائع وقاطرة بحرية، تعكس تعدد القطاعات البحرية المعرضة للأخطار.
ومع تسجيل غرق قاطرة ومقتل بحارين، واستمرار بعض السفن في الإبحار رغم تعرضها لأضرار، تبقى ملابسات هذه الحوادث والجهات التي تقف وراءها غير محسومة. ولم تنسب هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أياً من الاستهدافات إلى طرف محدد، كما لم تقدم معلومات نهائية بشأن طبيعة المقذوفات المستخدمة، ما يترك المسؤولية عن الهجمات مفتوحة في انتظار معطيات إضافية.