ترقية ستيفن ميلر.. هل يختار ترمب المواجهة بدلاً من التسويات؟

2026.11.07 - 18:31
Facebook Share
طباعة

 لم تكن ترقية ستيفن ميلر إلى منصب كبير موظفي البيت الأبيض مجرد تعديل إداري في فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بل أعادت فتح النقاش بشأن الاتجاه الذي ستسلكه الإدارة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن القرار جاء عقب خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، وما أظهرته النتائج من تراجع في التأييد الشعبي لعدد من السياسات التي شكلت ركائز أجندة ترمب، وفي مقدمتها ملف الهجرة.

وبدلاً من إجراء تغييرات توحي بمراجعة النهج السياسي أو إعادة ترتيب الأولويات استجابة للنتائج الانتخابية، اختار ترمب أحد أبرز مهندسي سياساته المتشددة، ليحل محل سوزي وايلز في إدارة العمل اليومي للبيت الأبيض. ويثير هذا الاختيار تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، ومدى اعتماد الإدارة على المواجهة واستخدام الصلاحيات الرئاسية، في وقت تستعد فيه للتعامل مع كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون.

وتتقاطع قراءات عدد من وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية، بينها نيويورك تايمز وواشنطن بوست ووول ستريت جورنال ونيوزويك وذا هيل وذا أتلانتيك وإندبندنت، عند اعتبار ترقية ميلر مؤشراً إلى تمسك ترمب بأجندته، ومنحه شخصية أكثر تشدداً موقعاً متقدماً في صنع القرار.

 

الهجرة في صدارة أجندة ميلر

يُعد ميلر من أبرز الشخصيات التي ساهمت في صياغة سياسات الهجرة خلال إدارة ترمب، ولا سيما خطط الترحيل الجماعي وتشديد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة وتوسيع صلاحيات وعمليات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية.

ومن هذا المنطلق، تتوقع القراءات الإعلامية أن يكون ملف الهجرة أحد أبرز المجالات التي سيظهر فيها تأثيره من موقعه الجديد، خصوصاً أن صعوده يأتي بعد انتخابات أظهرت تراجعاً في تأييد بعض سياسات الإدارة، بما فيها الإجراءات المتشددة تجاه المهاجرين.

ولا يقتصر تأثير هذا الملف على الجدل السياسي والحقوقي، إذ يمتد إلى قطاعات اقتصادية تعتمد على العمالة المهاجرة، مثل الزراعة والبناء، حيث حذرت جهات تمثل هذه القطاعات من أن استمرار حملات الترحيل وتشديد الرقابة قد يؤديان إلى تفاقم نقص العمالة وتأخير المشروعات وارتفاع تكاليف الإنتاج، مع احتمالات انتقال بعض الأعباء إلى أسعار الغذاء.

وتبرز هذه المخاوف جانباً آخر من التحديات التي تواجه الإدارة، إذ إن تداعيات سياسات الهجرة لا تقتصر على خصوم ترمب السياسيين أو المدافعين عن حقوق المهاجرين، بل قد تطال أيضاً قطاعات اقتصادية تحتاج إلى العمالة الأجنبية.

 

نفوذ يتجاوز المنصب الرسمي

ركزت صحيفة نيويورك تايمز على التحول في موازين النفوذ داخل الدائرة الرئاسية، مشيرة إلى أن ميلر كان يتمتع بدور واسع في صياغة عدد من السياسات التنفيذية قبل توليه منصب كبير موظفي البيت الأبيض.

وتناولت الصحيفة علاقاته داخل المؤسسات الحكومية، وقدرته على التأثير في عمل وكالات ووزارات متعددة، بما يتجاوز الصلاحيات المرتبطة بمنصبه الرسمي السابق. كما أشارت إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد استعداداً لمواجهة التحقيقات والاستدعاءات التي يمكن أن يطلقها الكونغرس الجديد، بدلاً من التركيز على بناء تفاهمات مع الديمقراطيين.

أما وول ستريت جورنال، فقد قدمت تفاصيل إضافية عن طبيعة نفوذ ميلر داخل الإدارة، مشيرة إلى أنه كان يتواصل بصورة يومية مع مسؤولين في مؤسسات حكومية مختلفة، ويشارك في إعداد أو مراجعة عدد كبير من الأوامر التنفيذية التي يوقعها ترمب.

كما تحدثت عن تنسيقه مع مدير مكتب الميزانية راسل فوت بشأن تطوير أجندة تعتمد على إجراءات تنفيذية لا تتطلب موافقة الكونغرس، وهو ما يضع الصلاحيات الرئاسية في قلب النقاش حول طبيعة الحكم خلال المرحلة المقبلة.

وتناولت الصحيفة أيضاً احتمال أن يُطلب من ميلر التعامل مع رغبة ترمب في ملاحقة خصومه السياسيين، وهو ما قد يوسع نطاق مسؤولياته من إدارة التنسيق داخل البيت الأبيض إلى المشاركة في رسم المواجهات السياسية والقانونية للإدارة.

 

السلطة التنفيذية في مواجهة الكونغرس

تتصل إحدى أبرز دلالات التعيين بطبيعة العلاقة المنتظرة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية. فمع انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين، تواجه الإدارة احتمال فتح تحقيقات في قراراتها وسياساتها وأداء مسؤولين فيها.

وفي هذا السياق، يبرز ميلر بوصفه من المدافعين عن توسيع صلاحيات الرئيس والاعتماد على الأوامر التنفيذية لتجاوز العقبات التشريعية. وقد يؤدي هذا التوجه إلى زيادة الاعتماد على أدوات السلطة التنفيذية، في مقابل تراجع فرص التوصل إلى تسويات مع الكونغرس بشأن ملفات الخلاف.

ولا يعني ذلك أن جميع قرارات الإدارة ستصدر بالضرورة من دون تشاور أو تفاوض، لكنه يسلط الضوء على أهمية الخيارات القانونية والتنفيذية التي ستلجأ إليها في ظل الانقسام السياسي، وما قد ينشأ عنها من نزاعات أمام المحاكم.

 

مخاوف اقتصادية تتجاوز ملف الهجرة

قدمت واشنطن بوست قراءة ركزت على التداعيات الاقتصادية المحتملة لصعود ميلر، ولا سيما في القطاعات التي تعتمد على العمالة الأجنبية.

ونقلت الصحيفة مخاوف ممثلين عن قطاعات الزراعة والبناء من أن يؤدي استمرار الإجراءات المشددة إلى صعوبة تأمين العمالة المطلوبة، وتأخر تنفيذ المشروعات، وزيادة النفقات التشغيلية. وفي القطاع الزراعي، قد تنعكس هذه التطورات على تكاليف الإنتاج وأسعار بعض المنتجات الغذائية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ضوء التحديات الاقتصادية التي تواجه الإدارة، إذ إن ملف المعيشة والأسعار يمثل أحد العوامل التي تؤثر في تقييم الناخبين لأداء الحكومة، ولا سيما بعد تراجع التأييد الجمهوري في الانتخابات الأخيرة.

وبذلك، قد يجد البيت الأبيض نفسه أمام معادلة تجمع بين الالتزام بوعود تشديد الهجرة من جهة، والحاجة إلى الحد من آثار تلك السياسات على قطاعات اقتصادية تعتمد على العمالة المهاجرة من جهة أخرى.

 

ستة ملفات تنتظر المسؤول الجديد

تناولت نيوزويك التحديات المرتبطة بموقع ميلر الجديد من خلال ستة ملفات رئيسية، تشمل الهجرة، والعلاقة مع الكونغرس، والأمن القومي، والاقتصاد، والمحكمة العليا، والحفاظ على تماسك حركة «ماغا».

ويكشف هذا التصنيف أن مسؤولياته لن تقتصر على ملف الهجرة، رغم دوره المركزي فيه، بل ستشمل ملفات تتصل بتماسك القاعدة السياسية لترمب وقدرة الإدارة على إدارة الخلافات داخل الحزب الجمهوري.

كما أشارت الصحيفة إلى أن الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود يمثلان عبئاً إضافياً على الإدارة، في وقت تحتاج فيه إلى معالجة قضايا المعيشة والتكاليف الاقتصادية، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بتقييم الناخبين لأدائها.

وتبرز هنا معضلة الحفاظ على التحالف الانتخابي الذي دعم ترمب، خصوصاً بعد ظهور مؤشرات على تراجع التأييد في بعض الشرائح، ومنها الناخبون من أصول لاتينية، الذين شكلوا جزءاً مهماً من حسابات الجمهوريين الانتخابية.

 

انتقادات ديمقراطية وتحفظات جمهورية

ركزت صحيفة ذا هيل على ردود الفعل السياسية التي أعقبت التعيين، ولا سيما انتقادات قيادات الحزب الديمقراطي، وفي مقدمتهم تشاك شومر وحكيم جيفريز، اللذان اعتبرا أن ترقية ميلر تعكس تجاهلاً للرسائل التي حملتها نتائج الانتخابات، واستمراراً للسياسات التي أثارت اعتراضات لدى شرائح من الناخبين.

وفي المقابل، لم تقتصر التحفظات على الديمقراطيين، إذ أبدى بعض الجمهوريين انتقادات لاختيار ميلر، معتبرين أن تشدده في ملف الهجرة ساهم في إضعاف موقف الحزب خلال الانتخابات.

وتكشف هذه المواقف عن تباينات داخل المعسكر الجمهوري بشأن كيفية التعامل مع نتائج الاقتراع، بين اتجاه يرى ضرورة الحفاظ على الخط السياسي الذي يتبناه ترمب، وآخر يطالب بمراجعة بعض السياسات التي قد تكون ساهمت في خسارة التأييد الانتخابي.

 

شخصية مؤثرة في صياغة قرارات ترمب

ذهبت مجلة ذا أتلانتيك إلى قراءة أيديولوجية لصعود ميلر، معتبرة أن ترمب لا يتجه إلى مراجعة نهجه بعد الهزيمة الانتخابية، بل يمنح نفوذاً أكبر لشخصية ساهمت في تشكيل سياساته وتوجيهها.

وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر دور ميلر على تنفيذ توجهات الرئيس أو ترجمتها إلى إجراءات، بل يمتد إلى المشاركة في صياغة الأفكار والخيارات التي تُعرض عليه.

أما صحيفة إندبندنت، فقد ركزت على شهادات أشخاص تعاملوا مع ميلر، وقدمت صورة عن أسلوبه في إدارة العمل الحكومي، القائم على التدخل في التفاصيل والضغط على المسؤولين ومتابعة الملفات بصورة مباشرة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن نفوذه لا يرتبط فقط بقربه من ترمب، بل أيضاً بقدرته على التأثير في المعلومات والخيارات التي تصل إلى الرئيس، وهو جانب يكتسب أهمية إضافية مع توليه منصباً يضعه في مركز التنسيق بين المؤسسات والإدارة الرئاسية.

 

حدة الأسلوب وحدود التسويات

وتناولت وول ستريت جورنال جانباً من شخصية ميلر وأسلوبه في العمل، مشيرة إلى أن حتى ترمب أبدى في بعض المواقف ملاحظات على حدة تعبيراته وتشدد مواقفه.

وفي مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض في تشرين الأول 2025، تحدث ترمب عن رغبته في أن يعبر ميلر عن مشاعره الحقيقية أمام الحاضرين، قبل أن يضيف أن ذلك قد يكون مبالغاً فيه قليلاً، في تعليق أثار ضحك الموجودين، وفق ما أوردته الصحيفة.

كما أشارت إلى أن ميلر تبنى مواقف متشددة إزاء الجرائم العنيفة، وكان يتولى أحياناً إدارة اجتماعات مع مسؤولين في الشرطة المحلية بواشنطن، بما يعكس طبيعة تدخله المباشر في بعض الملفات الأمنية.

وتضع هذه الصورة أسلوبه الإداري والسياسي ضمن العوامل التي ستؤثر في طريقة إدارة البيت الأبيض لعلاقته مع المؤسسات والخصوم، خصوصاً في مرحلة تتسم بارتفاع مستوى الاستقطاب.

 

ما الذي يعنيه صعود ميلر للمرحلة المقبلة؟

لا يبدو أن ترقية ميلر تمثل انتقالاً إلى أجندة سياسية جديدة، بقدر ما تمنحه موقعاً أوسع لتنسيق السياسات التي ساهم في وضعها سابقاً، وتسريع تنفيذها، وربط عمل المؤسسات الحكومية بأولويات الرئيس.

وتكمن أهمية التوقيت في أن التعيين جاء بعد انتخابات كشفت عن تراجع التأييد لبعض أبرز سياسات الإدارة، ولا سيما الهجرة والاقتصاد. وكان من الممكن أن تدفع النتائج إلى إعادة تقييم الأولويات أو تقديم إشارات نحو تخفيف حدة المواجهة، لكن اختيار ميلر يشير إلى استمرار الرهان على النهج القائم وتعزيز موقع الشخصيات الأكثر ارتباطاً به.

غير أن هذا المسار يضع الإدارة أمام تحديات متعددة، تبدأ من التداعيات الاقتصادية لتشديد الهجرة، ولا تنتهي عند احتمالات المواجهة القانونية مع الكونغرس والمحاكم، فضلاً عن الحاجة إلى الحفاظ على تماسك القاعدة الجمهورية ومعالجة ملفات الأسعار والطاقة والأمن القومي.

كما أن إدارة مرحلة سياسية منقسمة تتطلب تنسيقاً بين المؤسسات واحتواء الخلافات، في وقت قد يؤدي توسيع الاعتماد على الإجراءات التنفيذية إلى زيادة النزاعات بشأن حدود الصلاحيات الرئاسية.

وعليه، فإن الاختبار الأساسي لميلر لن يكون في حجم النفوذ الذي يمتلكه داخل البيت الأبيض، بل في كيفية توظيفه لإدارة ملفات متشابكة، والتعامل مع كونغرس معارض وقطاعات اقتصادية متضررة من بعض السياسات، دون أن تتحول المواجهة المستمرة إلى عبء إضافي على الإدارة.

وتضع ترقية «صقر الهجرة» البيت الأبيض أمام مرحلة تتداخل فيها ملفات الهجرة والاقتصاد والصلاحيات الرئاسية والعلاقة مع الكونغرس، فيما يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا التوجه سيقود إلى توسيع المواجهة السياسية، أم ستفرض تحديات الحكم والضغوط الاقتصادية مساحة أكبر للتفاوض والتسويات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 6

اقرأ أيضاً