ممداني وعبدول ولولا.. وصفة انتخابية تتحدى نفوذ المليارديرات

2026.11.07 - 18:29
Facebook Share
طباعة

 لم تعد الحملات الانتخابية تعتمد بالدرجة الأولى على حجم الإنفاق الإعلاني أو الحضور المكثف في وسائل الإعلام التقليدية، بعدما أظهرت تجارب سياسية في الولايات المتحدة والبرازيل قدرة المرشحين على بناء قواعد شعبية واسعة عبر التواصل المباشر والمنصات الرقمية والعمل الميداني. وتقدم تجارب زهران ممداني في نيويورك، وعبدول السيد في ولاية ميشيغان، والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، نماذج مختلفة لاستثمار هذه الأدوات في مواجهة خصوم يمتلكون إمكانات مالية وإعلامية أكبر.

ورغم اختلاف المواقع السياسية والخلفيات الشخصية للمرشحين الثلاثة، فإن حملاتهم التقت عند فكرة أساسية، تتمثل في مخاطبة الناخبين بلغتهم، والاستماع إلى مشكلاتهم اليومية، وتقديم رسائل واضحة قابلة للتداول، ثم تحويل التفاعل الإلكتروني إلى مشاركة فعلية في الشوارع ومراكز الاقتراع.

وتبرز أهمية هذه التجارب في أنها لا تقدم وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها بديلاً كاملاً عن التنظيم التقليدي، بل باعتبارها جزءاً من منظومة انتخابية متكاملة، تتداخل فيها الرسائل السياسية والمحتويات الرقمية والتغطية الإعلامية والأنشطة الميدانية.

 

ثلاث ركائز صنعت نموذج الحملات الحديثة

تقوم التجربة الانتخابية لممداني، وفق دراسة أكاديمية أعدتها ميغانا هالبيه في جامعة شيكاغو ونُشرت في نيسان 2026، على ثلاثة عناصر مترابطة: وضوح الرسالة السياسية، والتوظيف الفعّال للإعلام الرقمي، والوجود المستمر بين الناخبين.

وتشير الدراسة إلى أن هذه العناصر لم تُعتمد بصورة جامدة أو تُفرض من جانب مستشاري الحملة، بل تطورت تبعاً للتفاعل مع الجمهور وردود الفعل على الإنترنت والتغطية الإعلامية واللقاءات المباشرة.

ويصف أستاذ الاتصال السياسي ستيوارت سوروكا هذا النموذج بأنه حملة انتخابية هجينة، تجمع بين النشاط الميداني والإعلام التقليدي والمنصات الرقمية، بحيث تتحول الفعاليات الشعبية إلى محتوى قابل للانتشار، فيما تسهم المشاهدات والتفاعلات في استقطاب متطوعين جدد للمشاركة على الأرض.

وأكد أعضاء في فريق ممداني أن الانتشار الرقمي لم يكن ليحقق النتائج نفسها من دون التنظيم الميداني، مشيرين إلى أن الجمهور لم يتفاعل مع مقاطع المرشح وحدها، بل مع صورة حملة موجودة فعلياً في الأحياء وبين السكان.

 

الاستماع إلى الناخبين قبل صياغة الرسائل

بدأ ممداني بناء خطابه الانتخابي من خلال التواصل مع سكان برونكس وكوينز، عقب الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2024، محاولاً فهم أسباب تصويت بعضهم لدونالد ترمب أو امتناعهم عن المشاركة في الاقتراع.

وأظهرت اللقاءات أن قضايا غلاء المعيشة والسكن والغذاء كانت أكثر حضوراً في اهتمامات السكان من الملفات التي اعتادت الحملات الديمقراطية التركيز عليها. وعلى هذا الأساس، أعادت حملته ترتيب أولوياتها، وجعلت القدرة على تحمّل تكاليف الحياة محوراً رئيسياً لخطابها.

وتقول غابرييلا زوتراو، من الفريق الرقمي للحملة، إن التواصل مع الناس كان عملية مستمرة، تبدأ بتحديد ما يقلقهم، ثم تحويل إجاباتهم إلى سياسات ورسائل انتخابية، بدلاً من الاكتفاء بتقديم برنامج جاهز من مكاتب المستشارين.

أما تجربة لولا، فقد كشفت أهمية مراجعة الخطاب عندما لا ينسجم مع اهتمامات الناخبين. ففي الجولة الأولى، ركزت حملته على تاريخه السياسي وإرثه السابق، لكن هذا التوجه لم يحقق النتيجة التي كان يتوقعها معسكره. وبعد تأخره عن منافسه فلافيو بولسونارو بأكثر من مليوني صوت، اتجهت الحملة إلى التركيز على القضايا اليومية وتعديل طريقة التواصل مع الجمهور.

وفي ميشيغان، اعتمد عبدول السيد على حضور ميداني مكثف قبل الانتخابات، شمل التواصل مع العاملين في قطاع الصحة وصناعة السيارات، والمشاركة في تحركات العمال، وتنظيم الشباب في الجامعات، وزيارة مناطق شعرت طويلاً بالتهميش. وبحسب الأرقام الواردة عن حملته، زار 125 مدينة وشارك في أكثر من 700 فعالية عامة منذ إطلاق حملته في نيسان 2025.

 

رسائل محددة بدلاً من الوعود المتشعبة

لم تترك حملة ممداني مجالاً واسعاً لتشتت خطابها، بل ركزت على ثلاثة تعهدات مرتبطة مباشرة بتكاليف المعيشة: تجميد زيادات الإيجارات في الشقق المشمولة بالقانون، وتوفير حافلات سريعة ومجانية، وإتاحة رعاية شاملة ومجانية للأطفال.

وجاء اختيار هذه الملفات بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي أن السكن يمثل عبئاً رئيسياً على شريحة واسعة من سكان نيويورك، ولا سيما المستأجرين وأصحاب الدخل المتوسط.

ورأت دراسة جامعة شيكاغو أن وضوح الرسائل وسهولة تكرارها أسهما في تعزيز حضور الحملة، إذ استطاع الناخبون فهم ما تقترحه بصورة مباشرة وربط الوعود بتفاصيل حياتهم اليومية.

واعتمد عبدول السيد بدوره على محاور محددة، تمثلت في الحد من نفوذ الأموال في السياسة، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتوفير الرعاية الصحية للجميع. وبذلك لم يكن المحتوى الرقمي مجرد وسيلة لجذب الانتباه، بل أداة لشرح المواقف والسياسات.

ويشير جوناثان ناغلر، المدير المشارك لمركز الإعلام الاجتماعي والسياسة في جامعة نيويورك، إلى أن الناخب لا يتخذ قراره لمجرد مشاهدة مقطع جذاب، بل عندما تساعده المنصات على فهم سياسات تمس حياته ومصالحه.

 

لغة يومية تكسر الصورة التقليدية للسياسي

استثمر ممداني المقاطع القصيرة لتقديم نفسه بصورة قريبة من الجمهور، بعيداً عن الخطابات الرسمية والمؤتمرات التقليدية. ففي أحد المقاطع ظهر داخل عربة مترو، مستخدماً بطاقة النقل كما لو كانت ميكروفوناً، ومعلناً رغبته في تولي منصب عمدة نيويورك، وهو مقطع تجاوزت مشاهداته ثلاثة ملايين.

وفي مقطع آخر، ربط مشاركته في سباق رياضي بشعاره الانتخابي المتعلق بتجميد الإيجارات، مستفيداً من التشابه في اللغة الإنجليزية بين كلمتي الترشح والركض، لتقديم رسالة سياسية بأسلوب خفيف وسهل التداول.

أما عبدول السيد، فاختار توظيف مثال ساخر من الحياة اليومية لتوضيح موقفه من تركز الثروة. إذ ظهر أمام برغر يحتوي على 12 قطعة لحم، معتبراً أنه مثال على التكديس غير الضروري، وربط ذلك بالثروات الهائلة التي يمتلكها بعض المليارديرات، والتي يرى أنها تتجاوز ما يمكن لأي شخص الاستفادة منه بصورة فعلية.

وفي البرازيل، اضطر لولا إلى تغيير أسلوبه بعد الجولة الأولى، فبدأ بتسجيل مقاطع قصيرة من هاتفه، يظهر فيها خلال حياته اليومية، ويشرب القهوة أو يزور المنازل ويتحدث مع المواطنين. كما نشر مقاطع من تدريباته الرياضية للرد على الانتقادات المرتبطة بتقدمه في السن وقدرته على مواصلة النشاط السياسي.

وأطلق فريقه على هذه المواد تسمية «الصواريخ الصغيرة»، في إشارة إلى المقاطع القصيرة التي كانت تُنشر صباحاً بهدف تنشيط التفاعل الرقمي طوال اليوم.

 

شخصية المرشح أمام الكاميرا وخارجها

لم تقتصر استراتيجية ممداني على اختيار أفكار جذابة للمقاطع، بل اعتمدت أيضاً على تقديمه بصورة تلقائية لا تختلف كثيراً عن شخصيته في اللقاءات المباشرة.

وقال المخرج أنتوني ديميري، الذي عمل على إنتاج محتوى الحملة، إن ممداني كان يشارك في اقتراح الأفكار وإضافة النكات والتفاصيل العفوية أثناء التصوير، وهو ما ساعد على جعل المحتوى أقرب إلى الجمهور.

كما ساهمت اللقاءات المباشرة في ترسيخ هذه الصورة، إذ كان المرشح يلتقي السكان ويتحدث معهم بصورة ودية، بينما حافظ منافسه أندرو كومو على مسافة أكبر في ظهوره العام، واعتمد في بعض جولاته على شاحنة الحملة بدلاً من التفاعل المباشر مع السكان.

وفي البرازيل، لاحظ المؤرخ بيدرو باغلياريني أن لولا أصبح أكثر تحرراً في تواصله مع الناخبين خلال الجولة الثانية، بعدما أدرك أن صورته التاريخية وحدها لا تكفي لإقناع شريحة واسعة من الجمهور.

 

مخاطبة المجتمعات بلغاتها وثقافاتها

اعتمدت حملة ممداني على إنتاج محتوى بلغات متعددة، بينها الإسبانية والعربية والأردية والهندية، في محاولة للوصول إلى شرائح سكانية متنوعة داخل نيويورك.

ولم يقتصر الأمر على ترجمة الرسائل الانتخابية، بل شمل استخدام إشارات ثقافية مألوفة للجمهور المستهدف، مثل تقديم شرح لنظام التصويت التفضيلي باللغة الهندية مع إحالات إلى الثقافة الشعبية في جنوب آسيا.

كما استفاد أعضاء الحملة من التحية والتواصل المباشر مع المجتمعات المختلفة، إذ أشار محمد الحربي، أحد المشاركين في الفريق، إلى أن استخدام عبارات مألوفة مثل «السلام عليكم» كان يساعد على فتح حوار سريع مع السكان وإشعارهم بأن الحملة تحاول التواصل معهم بلغتهم وثقافتهم.

وفي البرازيل، استثمر أنصار لولا رمزاً وطنياً يرتبط بقميص المنتخب البرازيلي، وطلبوا من المؤيدين نشر صور لهم وهم يرتدونه ويرسمون حرف «إل» بأصابعهم، في محاولة لاستعادة رمز رياضي وثقافي كان التيار اليميني قد وظفه خلال السنوات السابقة.

 

المؤثرون والرسل الذين يثق بهم الجمهور

أدركت حملة ممداني أن الوصول إلى الجمهور لا يتطلب الاعتماد حصراً على الحسابات الرسمية، فعملت مع صناع محتوى يمتلكون قواعد متابعة في مجالات مختلفة، من الصحة إلى الثقافة والسياسة.

وتأسس تحالف داعم للحملة تحت اسم «صناع المحتوى من أجل زهران»، واعتمد على منح المشاركين مساحة لإنتاج محتوى بأساليبهم الخاصة، من دون فرض نصوص أو رسائل موحدة عليهم.

وبحسب بيانات الحملة، تجاوز عدد مشاهدات المحتوى الذي أنتجه هؤلاء 1.4 مليار مشاهدة، فيما جرى توظيف خبرات بعضهم في لقاءات متخصصة، مثل مشاركة طبيب مؤثر في فعالية تتناول الرعاية الصحية.

وسلك عبدول السيد مساراً مشابهاً، إذ ظهر برفقة مؤثرين في شوارع ديترويت، وشارك في لقاءات مع صناع محتوى، من بينهم حسن بيكر. كما أجرى مقابلات مع مؤسسات إعلامية تقليدية ومنصات رقمية خلال يوم الاقتراع، في مؤشر إلى أهمية الوصول إلى الجمهور عبر قنوات متعددة.

أما في البرازيل، فقد لعب النائب أندريه جانونيس دوراً محورياً في التعبئة الرقمية لمصلحة لولا، من خلال تنظيم المؤيدين وإدارة قنوات التواصل، رغم أن القناة التي تحولت إلى «جيش لولا» لم تكن مشروعاً أنشأته الحملة الرسمية أو أدارتها مباشرة.

 

قنوات مغلقة تحوّل المتابعين إلى شبكة تعبئة

إلى جانب المنشورات العامة، اعتمدت حملة ممداني على قنوات البث ومجموعات المحادثة للوصول إلى الجمهور الأكثر تفاعلاً، إذ ارتفع عدد أعضاء قناة الحملة على إنستغرام من نحو 66 ألفاً خلال الانتخابات التمهيدية إلى أكثر من 180 ألفاً لاحقاً.

كما انتقل جزء من النقاش إلى مجموعات خاصة تضم أبناء الجيل الثاني من المهاجرين من جنوب آسيا، حيث ساعدت المحادثات المباشرة على تعزيز المشاركة الانتخابية وتبادل المعلومات.

وفي البرازيل، تحولت قناة واتساب إلى إحدى أبرز أدوات التعبئة. فبعد الجولة الأولى، أعاد جانونيس تسمية قناة كان يتابعها نحو 53 ألف شخص إلى «جيش لولا»، وبدأ توسيعها بصورة متسارعة.

وبحسب الأرقام الواردة في التقارير التي تناولت الحملة، وصل عدد المشتركين إلى 3.4 ملايين خلال خمسة أيام، ثم تجاوز عشرة ملايين قبل الاقتراع بيومين، قبل أن يقترب من 11 مليوناً يوم الانتخابات.

وكانت المهام المطلوبة من الأعضاء بسيطة، مثل دعوة الأصدقاء للانضمام، وتداول مقاطع الحملة، ونشر الوسوم المؤيدة، بما يسمح بتحويل كل مشترك إلى نقطة اتصال جديدة ضمن شبكة أوسع.

 

تحويل التفاعل الرقمي إلى مشاركة فعلية

لم تتعامل حملة ممداني مع المشاهدات والتعليقات باعتبارها مؤشراً كافياً على النجاح، بل طورت وسائل لتحويل التفاعل إلى بيانات واتصالات ومشاركة انتخابية.

واستخدم الفريق أدوات آلية لإرسال رسائل خاصة إلى المتابعين الذين يعلقون بكلمات محددة أو يشاركون محتوى الحملة، بحيث يحصلون على روابط للتسجيل أو التطوع أو اتخاذ خطوات إضافية.

ووفقاً لبيانات الحملة، أُرسلت أكثر من 144 ألف رسالة آلية عبر منصة «ماني تشات» على إنستغرام بين أيار وتشرين الثاني 2025، وأسفرت عن أكثر من 45 ألف نقرة، بتكلفة قُدرت بنحو ثلاثة سنتات للنقرة الواحدة.

وعندما بلغت الحملة سقف الإنفاق القانوني البالغ ثمانية ملايين دولار، طلب ممداني من مؤيديه التوقف عن التبرع وتوجيه جهودهم نحو التطوع وطرق الأبواب، في خطوة نقلت التركيز من جمع الأموال إلى توسيع المشاركة الميدانية.

 

العمل الميداني يتجاوز حدود النضال الإلكتروني

أعلنت حملة ممداني أن أكثر من 104 آلاف متطوع شاركوا في أنشطتها، وطرقوا ما يزيد على ثلاثة ملايين باب، وأجروا نحو 4.5 ملايين اتصال هاتفي، وهي أرقام تعكس حجم التنظيم الذي رافق النشاط الرقمي.

كما عملت الحملة على زيارة الأحياء بصورة منتظمة، بما فيها مناطق لم تحظَ باهتمام مماثل من الحملات السابقة، واعتمدت أسلوباً تنظيمياً يقوم على تحويل المتطوعين الجدد إلى قادة مجموعات صغيرة قادرة على توسيع النشاط.

ويرى سوروكا أن وسائل التواصل ساعدت على استقطاب أعداد كبيرة من المتطوعين، وأن هذا الحضور الرقمي كان عاملاً مهماً في بناء شبكة ميدانية بهذا الحجم، متجاوزاً ما يُعرف بالنشاط الاحتجاجي الإلكتروني الذي يكتفي بالتفاعل أو المشاركة عبر الإنترنت من دون الانتقال إلى العمل الفعلي.

وفي ميشيغان، امتلك عبدول السيد شبكة تضم نحو 12 ألف متطوع، وشارك في مئات الفعاليات وزار أكثر من مئة مدينة، بينما دعا لولا أنصاره، منذ أول مقطع سجله بعد الجولة الأولى، إلى النزول إلى الشوارع والتحدث مع الناخبين مباشرة.

 

التجريب ومواجهة نفوذ المال والإعلام

لم تعتمد الحملات الثلاث على صيغة ثابتة للمحتوى، بل اختبرت أساليب مختلفة وعدّلتها وفق النتائج. وتلخص زوتراو هذه الفلسفة بالقول إن على الحملات أن تجرب وتكرر ما ينجح، بدلاً من افتراض أن منصة واحدة أو نمطاً واحداً من الرسائل يمكن أن يحقق النتائج المطلوبة.

وأظهرت بيانات مكتبة إعلانات «ميتا» أن الجهات الداعمة لممداني اختبرت صيغاً إعلانية أكثر تنوعاً مقارنة باللجان المؤيدة لكومو، كما حافظت على حضورها في منصات متعددة، بما فيها فيسبوك، رغم عدم اعتباره المنصة الرئيسية للحملة.

وفي المقابل، تعامل عبدول السيد مع التفوق المالي لمنافسته هالي ستيفنز باعتباره فرصة لإبراز الفجوة بين مصالح أصحاب الثروات والناخبين العاديين، وقدم الإنفاق الخارجي ضده باعتباره دليلاً على نفوذ الأموال في العملية السياسية.

وبحسب البيانات المتاحة حتى 31 تشرين الأول، بلغ الإنفاق المستقل المعلن لمهاجمة السيد في الانتخابات العامة نحو 133.7 مليون دولار، في حين كان متأخراً عن منافسته خلال الانتخابات التمهيدية بفارق كبير في الإنفاق الخارجي والإعلانات التلفزيونية.

وفي نيويورك، حاول ممداني تقديم كومو باعتباره مرشحاً يحظى بدعم أصحاب الثروات الكبرى، بينما لم يمنع تفوق معسكر منافسه المالي وصوله إلى الناخبين عبر الرسائل الرقمية والعمل الميداني.

أما في البرازيل، فقد تحولت محاولة تعليق قناة «جيش لولا» مؤقتاً بقرار من المحكمة الانتخابية إلى قضية أثارت تفاعلاً واسعاً بين المؤيدين، وأعلن جانونيس بعد إعادة القناة أن عدد المشتركين ارتفع بمليون شخص إضافي.

 

معادلة انتخابية تقوم على التكامل

توضح هذه التجارب أن تجاوز التفوق المالي والإعلامي لا يتحقق بمجرد نشر مقاطع قصيرة أو الاستعانة بالمؤثرين، بل يتطلب بناء استراتيجية متكاملة تبدأ بفهم اهتمامات الناخبين، ثم صياغة رسائل محددة بلغة قريبة منهم، وتوزيعها عبر قنوات يثقون بها، قبل تحويل التفاعل إلى تنظيم ومشاركة ميدانية.

كما تكشف أن المنصات الرقمية لم تلغِ دور الشارع أو وسائل الإعلام التقليدية، وإنما أعادت ترتيب العلاقة بينها، بحيث يمكن للقاء محدود أن يتحول إلى محتوى واسع الانتشار، ثم إلى شبكة متطوعين قادرة على طرق الأبواب وحشد الناخبين.

ولم يكن في تجارب ممداني وعبدول ولولا عنصر واحد كافٍ لتفسير النتائج، بل جاء التأثير من تضافر الأدوات وتبادل الأدوار بينها. فالرسالة الواضحة تحتاج إلى وسيلة مناسبة لنقلها، والانتشار الرقمي يحتاج إلى مصداقية ميدانية، والحضور الشعبي يحتاج إلى تنظيم قادر على تحويل التأييد إلى فعل انتخابي.

وبذلك تقدم الحملات الثلاث نموذجاً لتغير قواعد المنافسة السياسية، حيث لم يعد حجم الإنفاق أو مساحة الظهور الإعلامي التقليدي كافياً لضمان التفوق، في وقت بات فيه التواصل المباشر والقدرة على بناء الثقة وتنظيم الجمهور عوامل حاسمة في الوصول إلى الناخبين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 9

اقرأ أيضاً