تكساس ترفض التوسع التكنولوجي وتطالب بمحاسبة شركات ماسك

2026.11.07 - 15:30
Facebook Share
طباعة

لم تكن خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي بولاية تكساس مجرد انتكاسة سياسية لإيلون ماسك، الذي أنفق مئات الملايين من الدولارات لدعم مرشحي الحزب، بل فتحت الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن حدود نفوذه السياسي والاقتصادي، في الولاية التي اتخذها مركزاً رئيسياً لتوسع شركاته ومشروعاته التكنولوجية.

 

فالملياردير الأميركي الذي سعى إلى توظيف ثروته ومنصة «إكس» للتأثير في المشهد السياسي، يواجه اعتراضات متصاعدة لا تقتصر على مواقفه السياسية أو تدخله في الانتخابات، بل تمتد إلى مشروعات مراكز البيانات واستهلاكها المتزايد للطاقة والمياه، وتأثيرها على الأراضي الزراعية والبيئة، فضلاً عن حجم الامتيازات والعقود الحكومية التي تستفيد منها شركاته.

 

وتكشف تقارير نشرتها صحيفتا «تايمز» و«إندبندنت» البريطانيتان عن اتساع الفجوة بين طموحات ماسك السياسية والاقتصادية ومواقف قطاعات من سكان تكساس، في وقت تضع فيه نتائج الانتخابات علاقاته بمؤسسات الدولة الأميركية أمام مرحلة جديدة من التدقيق والمساءلة المحتملة.

غضب محلي من مشروعات ماسك

 

تقدم صحيفة «تايمز» صورة للتحولات التي شهدتها بعض المناطق الريفية في تكساس، من خلال قصة المزارع الجمهوري كولبي سميث، الذي تنتمي أسرته إلى قطاع الزراعة منذ أربعة أجيال، ويستعد لبيع مزرعته بعد التوسع في إنشاء مراكز البيانات والمنشآت المرتبطة بها في محيط المنطقة.

 

ويقول سميث، البالغ من العمر 44 عاماً، إن المشهد الريفي الذي اعتاد عليه تغير بصورة كبيرة، مع إزالة الأشجار وتراجع وجود الحيوانات البرية وانتشار محطات الكهرباء والمنشآت الصناعية، معتبراً أن التوسع التكنولوجي بات يهدد طبيعة الحياة الزراعية التي ميزت المنطقة لعقود.

وفي تعبير ساخر عن رفضه لمشروعات ماسك، قال المزارع: «اركب صاروخك وارحل»، في إشارة إلى صواريخ شركة «سبيس إكس»، مضيفاً أنه لا يخطط لنقل حيواناته إلى الفضاء، ولا يستطيع حلب بقرة هناك.

كما تساءل عن الثمن الذي تدفعه المجتمعات المحلية مقابل التوسع التكنولوجي، مشيراً إلى أن صورة تكساس ارتبطت تاريخياً بمزارع الماشية والأراضي الزراعية، ومطالباً بنقل مراكز البيانات إلى الفضاء بدلاً من إقامتها على الأراضي الريفية.

 

ولا يقتصر الاعتراض على المزارعين، إذ تنقل الصحيفة عن مهندس البرمجيات جون بويد إقراره بأهمية مراكز البيانات والاحتياجات المتزايدة إليها، لكنه يرى أن أسلوب التوسع الحالي يثير مشكلات تتعلق بالتخطيط واستخدام الموارد. كما أعربت زوجته عن رفضها لما يفعله ماسك في الولاية.

 

وتشير «تايمز» إلى أن استطلاعاً أجرته جامعة هيوستن أظهر تأييد 8 من كل 10 ناخبين محتملين في تكساس فرض قيود على عدد مراكز البيانات التي يمكن إنشاؤها، في مؤشر على اتساع المخاوف بشأن استهلاك المياه والطاقة والضغط على البنية التحتية والموارد المحلية.

 

خسارة الرهان الانتخابي

 

 


على المستوى السياسي، أنفق ماسك نحو 474 مليون دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، وفقاً لما أوردته «تايمز»، من بينها 224 مليون دولار في سباق مجلس الشيوخ بولاية تكساس، لكنه لم يتمكن من منع الديمقراطيين من تحقيق مكاسب انتخابية واسعة.

وحقق جيمس تالاريكو الفوز بمقعد مجلس الشيوخ، ليصبح أول ديمقراطي يمثل الولاية في المجلس منذ عام 1988، كما فازت جينا هينوجوسا بمنصب حاكم الولاية، وتمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلس نواب تكساس.

 

واستثمر الديمقراطيون حالة الاستياء من نفوذ أصحاب الثروات الضخمة وشركات التكنولوجيا في حملتهم الانتخابية، مقدمين ماسك نموذجاً لتأثير الأموال الكبيرة في الحياة السياسية ومحاولة توجيه القرار العام.

وفي خطاب الفوز، قال تالاريكو إن الناخبين وجهوا رسالة إلى كبار المانحين من أصحاب المليارات والتريليونات، مؤكداً أن السلطة في الولاية والبلاد تعود إلى الشعب.

 

وأضاف أن حملته واجهت إنفاقاً تجاوز 300 مليون دولار، إلى جانب إعلانات سلبية وحملات تشويه وحسابات أجنبية مزيفة ومقاطع فيديو مفبركة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

من جانبه، سخر ماسك من نتائج الانتخابات عبر منصة «إكس»، وكتب أن فكرة إنشاء مراكز البيانات في الفضاء تبدو جذابة للغاية في الوقت الحالي، في إشارة إلى الانتقادات التي تواجه مشروعاته داخل تكساس.

 

 

نفوذ اقتصادي تحت الرقابة

 

 

من جهتها، ترى صحيفة «إندبندنت»، في تحليل للكاتبة آن ماكلفوي، أن خسارة ماسك تكشف حدود قدرته على توظيف الثروة والنفوذ الإعلامي للتأثير في الخيارات السياسية، مشيرة إلى أن إنفاق مئات الملايين من الدولارات وامتلاك منصة تواصل اجتماعي واسعة الانتشار لم يضمنا له تحقيق النتائج التي سعى إليها.

 

ولا تتوقف تداعيات الهزيمة، وفق الصحيفة، عند فشل الرهان الانتخابي، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين شركات ماسك والحكومة الأميركية، في ظل اعتماد عدد من مشروعاته على التراخيص والعقود الحكومية والإعانات والدعم الفيدرالي وعلى مستوى الولايات.

وتشير «إندبندنت» إلى أن عودة الديمقراطيين إلى السيطرة على الكونغرس قد تفتح المجال أمام مزيد من الرقابة البرلمانية على هذه العلاقات، من خلال عقد جلسات استماع واستدعاء مسؤولي الشركات وفحص طبيعة تعامل مؤسسات ماسك مع الوزارات والهيئات الحكومية.

 

كما تثير الصحيفة تساؤلات بشأن فترة عمله مسؤولاً عن إدارة كفاءة الحكومة الأميركية، وهي التجربة التي أتاحت له الوصول إلى كميات كبيرة من المعلومات والبيانات الحكومية، وما إذا كانت هذه الصلاحيات قد وفرت لشركاته مزايا أو فرصاً لم تكن متاحة للمنافسين.

ستارلينك والأمن القومي

 

وتستحضر الصحيفة الجدل المرتبط بشبكة «ستارلينك» ودورها في الحرب الأوكرانية، باعتبارها مثالاً على حجم النفوذ الذي يمتلكه ماسك في قطاعات تتصل بالاتصالات والأمن القومي والعمليات العسكرية.

وفي هذا السياق، تشير إلى دعوة السيناتور الديمقراطي أليكس باديلا إلى التحقيق مع ماسك عقب تقارير عن توقف خدمات الشبكة في أوكرانيا، وهي قضية قد تكتسب أهمية إضافية مع اتساع الرقابة البرلمانية على أنشطة شركاته وعلاقاتها بالمؤسسات الحكومية.

 

كما تلفت «إندبندنت» إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبدى، قبيل الانتخابات، استعداده لمنح عفو استباقي لبعض مساعديه وحلفائه، ومن بينهم ماسك، تحسباً لتحقيقات أو ملاحقات محتملة في حال سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس.

معادلة سياسية واقتصادية معقدة

 

وتخلص قراءة «إندبندنت» إلى أن ماسك يواجه معادلة صعبة بين مواصلة حضوره كشخصية سياسية ذات مواقف أيديولوجية مثيرة للجدل، وبين التركيز على حماية مصالح شركاته التي ترتبط أعمالها بعقود وتراخيص ودعم حكومي، وتتطلب علاقات مستقرة مع مؤسسات الدولة.

فقد استخدم ماسك منصة «إكس» للترويج لخطاب قريب من حركة «ماغا»، وخاض سجالات بشأن الهجرة والسياسات الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي وضعه في قلب الاستقطاب السياسي الأميركي. غير أن هذا الحضور قد ينعكس على مصالح شركاته، خصوصاً مع تصاعد الاعتراضات على نفوذ عمالقة التكنولوجيا وتأثير مشروعاتهم على المجتمعات المحلية.

 

وتشير الصحيفة إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن أكثر قليلاً من نصف الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه ماسك، وهو ما تراه دليلاً على أن الثروة والنفوذ الإعلامي لا يضمنان الحصول على قبول شعبي واسع.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما رصدته «تايمز» في تكساس، حيث تجاوزت الاعتراضات على ماسك حدود مواقفه السياسية لتشمل آثار مشروعاته على البيئة والموارد الطبيعية والأراضي الزراعية وحياة السكان.

 

وتكشف التطورات عن تداخل متزايد بين النفوذ الاقتصادي والسياسي لشركات التكنولوجيا الكبرى، وقدرة المجتمعات المحلية على الاعتراض على مشروعاتها ومطالبة السلطات بفرض ضوابط أكثر صرامة. كما تضع خسارة الرهان الانتخابي ماسك أمام تساؤلات بشأن حدود تأثير المال والمنصات الرقمية في خيارات الناخبين، ومدى قدرة شركاته على مواصلة التوسع وسط مطالب متزايدة بالشفافية والمساءلة.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 8

اقرأ أيضاً