انتهت الانتخابات النصفية الأميركية، لكن تداعياتها على لبنان والمنطقة لا تزال مفتوحة على احتمالات عدة، بين التصعيد العسكري والتسويات السياسية. فنتائج الاستحقاق، التي حملت انتكاسة للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، أعادت طرح تساؤلات بشأن انعكاس التحولات داخل واشنطن على ملفات الشرق الأوسط، ولا سيما المواجهة مع إيران، والدعم الأميركي لإسرائيل، ومستقبل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.
ويرى السفير اللبناني السابق لدى الولايات المتحدة الأميركية أنطوان شديد أن الناخب الأميركي عبّر من خلال صناديق الاقتراع عن استيائه من الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، إلى جانب تداعيات السياسات الداخلية والخارجية لإدارة ترامب. ويعتبر أن خسارة الجمهوريين مواقع أساسية في مجلس النواب ومناصب حكام عدد من الولايات تمثل تحولاً في المزاج الانتخابي الأميركي، وتضع الإدارة أمام حسابات سياسية أكثر تعقيداً.
ورغم أن التأثير المباشر للانتخابات سيظهر داخل المؤسسات الأميركية، فإن انعكاساتها قد تمتد إلى الخارج، خصوصاً الشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح الأميركية مع ملفات إيران وإسرائيل ولبنان، وسط ترقب لمسار السياسة الأميركية خلال المرحلة المقبلة.
حسابات ترامب وإيران
يعتبر شديد أن الأوضاع الاقتصادية كانت من أبرز العوامل التي أثرت في خيارات الناخبين، إلى جانب تداعيات السياسة الخارجية، وخصوصاً المواجهة مع إيران. ويرى أن الحرب لم تحقق الحسم الذي كانت تسعى إليه واشنطن، في حين تمكنت طهران من مواصلة المواجهة رغم الخسائر التي تكبدتها.
كما يشير إلى أن مضيق هرمز شكّل عاملاً مؤثراً في حسابات الصراع، بعدما انعكست التوترات المرتبطة به على أسواق الطاقة وأسعارها عالمياً، ما زاد الأعباء الاقتصادية على المستهلكين.
وبحسب قراءة شديد، تراهن إيران على عامل الوقت، وقد تنظر إلى استمرارها في المواجهة باعتباره مكسباً سياسياً، في حين يبقى احتمال استئناف العمليات العسكرية قائماً. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن خيارات ترامب بعد الانتكاسة الانتخابية، وما إذا كان سيتجه إلى تصعيد جديد مع طهران أم سيبحث عن تسوية تحد من كلفة المواجهة.
الدعم الأميركي لإسرائيل
على الرغم من الحديث عن احتمال تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل بعد خسارة الجمهوريين، يستبعد شديد حدوث تغيير جوهري في طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.
ويعتقد أن تصريحات ترامب بشأن وقف المساعدات لإسرائيل ارتبطت بالحسابات الانتخابية، في ظل تراجع شعبيته وشعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولا سيما بين الشباب والجامعات الأميركية، على خلفية الحرب في غزة والقضية الفلسطينية.
ويؤكد شديد أن الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل لا يرتبط بهوية الحزب الحاكم وحدها، سواء كانت الإدارة جمهورية أم ديمقراطية، مشيراً إلى أن الخلافات بين الحزبين تتصل بأسلوب التعامل مع الحكومة الإسرائيلية وأدائها، وليس بجوهر التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
لبنان أمام واقع مستمر
في ما يتعلق بالملف اللبناني، يستبعد شديد أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى وقف اتفاقية الإطار الخاصة بالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، موضحاً أن إدارة السياسة الخارجية تبقى من صلاحيات الرئيس وإدارته، فيما يستطيع الكونغرس التأثير في بعض الملفات من خلال صلاحياته الرقابية والتشريعية، من دون امتلاك القرار النهائي في إدارة المفاوضات.
ولا يتوقع السفير السابق أن يتغير المشهد اللبناني بصورة جوهرية نتيجة تبدل موازين القوى داخل الكونغرس، في ظل استمرار الموقف الإسرائيلي المتشدد بشأن أمنه القومي. ووفق قراءة شديد، لا تزال إسرائيل تحتل نحو 700 كيلومتر من الأراضي اللبنانية، وتربط انسحابها بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وامتلاكها قرار الحرب والسلم.
كما يحذر من استمرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وما يرافقها من تدمير للقرى وتهجير السكان، بما قد يؤدي إلى توسيع المنطقة العازلة وعرقلة عودة الأهالي إلى بلداتهم. ويرى أن هذه السياسة قد تستمر بصرف النظر عن نتائج الانتخابات الأميركية أو التغيرات في تركيبة الكونغرس.
ويستند شديد في تقديره إلى استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل خلال الإدارات المتعاقبة، مستشهداً بزيارة الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن إلى إسرائيل عقب هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، معتبراً أن اختلاف المقاربات بين الحزبين لا يغيّر ثوابت العلاقة الاستراتيجية.
حرب جديدة أم تسوية مؤجلة؟
تبقى المرحلة المقبلة، بحسب شديد، مفتوحة على احتمالات التصعيد أو استمرار المفاوضات، في ظل غموض اتجاه الإدارة الأميركية بعد خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس.
ويطرح السفير السابق تساؤلات بشأن احتمال لجوء ترامب إلى مواجهة عسكرية مع إيران لتجاوز تداعيات الهزيمة الانتخابية، أو شن حرب بهدف وقف البرنامج النووي الإيراني، فضلاً عن مدى قدرة إسرائيل على دفع واشنطن نحو مواجهة جديدة.
بالنسبة إلى لبنان، ترتبط السيناريوهات المحتملة بمسار المواجهة الإسرائيلية الإيرانية، ومدى استمرار العمليات العسكرية في الجنوب، ومستقبل المفاوضات والترتيبات الأمنية على الحدود. وبين احتمال التصعيد وفرص التسوية، لا يرى شديد أن نتائج الانتخابات الأميركية وحدها كافية
لإحداث تحول جذري في المشهد، فيما تبقى اتجاهات المرحلة رهناً بحسابات واشنطن وطبيعة التوازنات الإقليمية.