بين الضغط العسكري والاستنزاف.. ماذا ينتظر لبنان جنوباً؟

2026.11.05 - 14:59
Facebook Share
طباعة

تتجه الأنظار إلى مستقبل الجبهة اللبنانية في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، واتساع نطاق المخاطر التي تواجه المناطق الحدودية، ولا سيما بعد استهداف المدنيين في بلدة قبريخا، في تطور يعيد طرح التساؤلات بشأن طبيعة العمليات الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة، والحدود التي قد يبلغها التصعيد في لبنان بالتزامن مع المتغيرات السياسية والعسكرية في المنطقة.
ولا تقتصر المخاوف على احتمال توسيع الضربات العسكرية، بل تشمل انعكاسات استمرار العمليات الإسرائيلية على حياة السكان في الجنوب، وقدرة الأهالي على البقاء في قراهم، في ظل الضغوط الأمنية والاقتصادية والخدماتية المتزايدة.
وفي قراءة لهذه التطورات، يطرح المحلل العسكري العميد المتقاعد بهاء حلال، في حديث إلى «ليبانون ديبايت»، ثلاثة مسارات رئيسية يمكن من خلالها تفسير السلوك الإسرائيلي على الجبهة اللبنانية، معتبراً أن الاعتداءات لا تنفصل عن أهداف تتجاوز استهداف مواقع أو قدرات عسكرية محددة.


فرض واقع أمني بالنار على الحدود
يتمثل المسار الأول، وفق حلال، في محاولة إسرائيل فرض منطقة أمنية فعلية من خلال العمليات العسكرية، حتى من دون الإعلان رسمياً عن إقامة منطقة عازلة أو تغيير الوضع الجغرافي للحدود.
ويقوم هذا التوجه على جعل الحركة داخل المناطق القريبة من خطوط التماس أكثر خطورة، عبر استهداف المدنيين والمزارعين والأنشطة اليومية، بما يحد من قدرة السكان على التنقل وممارسة أعمالهم، ويضع قيوداً غير معلنة على الوجود المدني في تلك المناطق.
ويشير هذا النمط من العمليات إلى استخدام القوة النارية لفرض واقع ميداني ينعكس مباشرة على الحياة اليومية، خصوصاً في القطاعات الزراعية والإسعافية والخدماتية، الأمر الذي يزيد صعوبة استمرار الأهالي في قراهم، حتى في غياب توغل بري واسع أو إعلان رسمي عن إقامة منطقة عازلة.


اختبار الردود اللبنانية وقياس حدود المواجهة
أما المسار الثاني، فيرتبط بمحاولة قياس طبيعة ردود الفعل على الاعتداءات الإسرائيلية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، بحسب تقدير حلال.
ويشمل ذلك مراقبة حجم الردود وسرعة حدوثها، ومدى الانضباط على الجبهة، فضلاً عن معرفة المواقف التي ستتخذها الأطراف اللبنانية المعنية إزاء استمرار العمليات الإسرائيلية.
وتكتسب هذه الحسابات أهمية في تحديد سقف التحركات العسكرية اللاحقة، إذ إن طبيعة الردود قد تدخل ضمن تقدير إسرائيل لمخاطر توسيع عملياتها أو إبقائها ضمن نطاق محدد.
كما تتداخل هذه المعادلة مع التطورات الإقليمية، ولا سيما المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، باعتبار أن الجبهة اللبنانية لا تعمل بمعزل عن مسار الصراع الأوسع، وأن أي تغير في مستوى المواجهة الإقليمية قد ينعكس على حسابات الأطراف وحدود تحركاتها.


استنزاف المجتمع والاقتصاد في الجنوب
يتمثل المسار الثالث، وفق القراءة العسكرية نفسها، في استنزاف البيئة الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الحدودية، وهو مسار لا تقتصر نتائجه على الجانب العسكري، بل تمتد إلى مختلف مقومات الحياة المدنية.
فاستمرار الاعتداءات يضع ضغوطاً على السكان والبلديات والمرافق الصحية والاقتصاد المحلي، ويؤثر في قدرة المؤسسات والخدمات الأساسية على مواصلة عملها، فضلاً عن تعقيد عودة النازحين واستعادة النشاط الطبيعي في القرى المتضررة.
ويرى حلال أن هذا الجانب يحمل أهمية خاصة، لأن الحفاظ على الوجود السكاني في المناطق الحدودية يرتبط بتوافر مقومات الاستقرار والخدمات والقدرة الاقتصادية، وليس فقط بوقف العمليات العسكرية.
وبالتالي، فإن تداعيات الاعتداءات قد تستمر حتى بعد توقف الضربات، نتيجة الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية، وما تفرضه من أعباء على السكان والجهات المحلية المعنية بإعادة الاستقرار.


الانتخابات الإسرائيلية والحرب الإقليمية
في ما يتعلق بتأثير الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة على مستقبل الجبهة اللبنانية، لا يرى حلال أن النتائج السياسية وحدها كافية لتحديد اتجاه العمليات العسكرية، إذ تبقى الاعتبارات الأمنية والعسكرية والإقليمية عوامل أساسية في صياغة القرار الإسرائيلي.
ويرتبط المشهد المقبل، وفق هذه القراءة، بمسار المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، وبطبيعة الخيارات التي ستعتمدها إسرائيل في إدارة جبهاتها، إضافة إلى تقديراتها المتعلقة بحجم التهديدات والضغوط الميدانية.
وعليه، فإن أي تغير في المشهد السياسي داخل إسرائيل لا يعني بالضرورة انتقالاً تلقائياً نحو التهدئة أو التصعيد، ما دام القرار العسكري مرتبطاً أيضاً بتطورات الحرب الإقليمية وحسابات المواجهة على أكثر من جبهة.


حزب الله وسقف المواجهة المقبلة
على الجانب اللبناني، تبقى طبيعة مشاركة حزب الله وحدود تحركاته مرتبطة، بحسب حلال، بمستوى التصعيد الإقليمي وحجم التهديدات والتطورات الميدانية، إلى جانب الحسابات المرتبطة بالوضع الداخلي اللبناني.
وتضع هذه المعطيات لبنان أمام مرحلة تتداخل فيها الضغوط العسكرية والسياسية، في وقت تبقى فيه المناطق الجنوبية معرضة لاستمرار الاعتداءات وتداعياتها على المدنيين والبنية الاقتصادية والخدماتية.
وبين فرض واقع أمني بالنار، واختبار ردود الفعل، واستنزاف مقومات الحياة في المناطق الحدودية، تبرز ثلاثة مسارات تشكل إطاراً لقراءة السلوك الإسرائيلي، فيما يظل اتجاه المرحلة المقبلة مرتبطاً بتطورات المواجهة الإقليمية والقرارات العسكرية المتصلة بالجبهة اللبنانية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3

اقرأ أيضاً