مليارات ماسك لم تنقذ الجمهوريين... هل بدأ نفوذ المال السياسي يتراجع في أمريكا؟

2026.11.05 - 10:29
Facebook Share
طباعة

هزيمة تتجاوز صناديق الاقتراع
لم تكن خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد انتكاسة حزبية داخل الكونغرس، بل حملت دلالات أوسع تتعلق بحدود تأثير الثروة والنفوذ الاقتصادي في توجيه خيارات الناخبين. فالمليارات التي ضُخت في الحملات الانتخابية، ولا سيما من جانب إيلون ماسك، لم تتمكن من تغيير مسار عدد من السباقات الحاسمة، رغم التفوق المالي الواضح للمرشحين الجمهوريين في ولايات رئيسية.
وبالنسبة إلى ماسك، الذي برز خلال الدورة الانتخابية بوصفه أحد أكبر الممولين الأفراد للحزب الجمهوري، تمثل النتائج ضربة لمراهنته على توظيف ثروته ونفوذه الإعلامي والتكنولوجي لتعزيز حضور الجمهوريين في المؤسسات التشريعية. فقد انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، محققين انتصارات في سباقات أنفقت فيها مجموعات محافظة مبالغ تفوق ما خصصه منافسوها.
وأعادت هذه النتائج طرح سؤال جوهري حول مدى قدرة المال السياسي على صناعة الفوز، في ظل تداخل عوامل أخرى، مثل المزاج العام، وشعبية المرشحين، والقضايا المحلية، ومدى ثقة الناخبين بالمؤسسات السياسية.


ماسك.. الرهان الأكبر
ضخ إيلون ماسك نحو نصف مليار دولار لدعم مرشحين جمهوريين، ليصبح أكبر ممول فردي في دورة انتخابية منذ عام 2010، وفق بيانات متخصصة في تتبع تمويل الحملات. لكن حجم الإنفاق لم يتحول إلى مكاسب انتخابية تتناسب معه، بعدما خسر عدد من المرشحين الذين حظوا بدعمه في ولايات ومنافسات بارزة.
وعلّق ماسك بسخرية على النتائج عبر منصة «إكس»، قائلاً إن «أشعة الليزر الفضائية» التي استخدمها للتدخل في الانتخابات لم تنجح هذه المرة، في إشارة تهكمية إلى الجدل الذي أثاره حجم تدخله المالي والسياسي خلال الحملة.
وكانت إحدى أبرز الضربات التي تلقاها الملياردير خسارة المرشح الجمهوري كين باكستون في سباق مجلس الشيوخ بولاية تكساس أمام الديمقراطي جيمس تالاريكو، بعدما أنفق ماسك أكثر من 200 مليون دولار لدعم باكستون.
ولم تكن أهمية النتيجة مرتبطة بالإنفاق وحده، إذ تمكن تالاريكو من تحقيق فوز تاريخي، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بمنصب على مستوى الولاية منذ عام 1994. وخلال حملته، وضع المرشح الديمقراطي نفوذ أصحاب الثروات والشبكات الإعلامية والسياسية في صلب خطابه، معتبراً أن امتلاك المليارديرات خوارزميات التواصل الاجتماعي وشبكات الأخبار والنفوذ السياسي يساهم في إبقاء المجتمع الأمريكي منقسماً.


خسائر متتالية
ولم تقتصر انتكاسات أصحاب الثروات الداعمين للجمهوريين على تكساس، بل امتدت إلى ولايات أخرى شهدت منافسات مكلفة.
ففي أوهايو، تمكن الديمقراطي شيرود براون من هزيمة الجمهوري جون هوستد، في سباق تجاوز الإنفاق فيه 500 مليون دولار، ليصبح ثاني أغلى سباق انتخابي في البلاد. وتعكس هذه النتيجة أن التفوق المالي لا يضمن بالضرورة حسم المنافسة، حتى عندما تصل كلفة الحملات إلى مستويات استثنائية.
وفي جورجيا، فازت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز بمنصب حاكم الولاية، متفوقة على رجل الأعمال الملياردير في قطاع الرعاية الصحية ريك جاكسون، الذي أنفق أكثر من 200 مليون دولار من ثروته الشخصية على حملته.
كما خسر الملياردير فيفيك راماسوامي سباق حاكم ولاية أوهايو أمام الديمقراطية آيمي أكتون، رغم إنفاقه نحو 36 مليون دولار من أمواله الخاصة.
وتكشف هذه النتائج عن نمط انتخابي لافت: لم يعد امتلاك المرشح ثروة ضخمة أو القدرة على تمويل حملته ذاتياً كافياً لضمان التفوق، خصوصاً عندما تتعارض رسالته السياسية مع توجهات شريحة واسعة من الناخبين.


التكنولوجيا تخسر الرهان
وامتدت الخسائر إلى الجهات المرتبطة بقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التي سعت إلى توظيف مواردها المالية لتعزيز نفوذها داخل الحزب الجمهوري.
ففي ولاية كارولاينا الجنوبية، أنفقت منظمة «أميركان ميشن»، المرتبطة بشبكة سياسية مدعومة من رئيس شركة «أوبن إيه آي» غريغ بروكمان وشركة الاستثمار «أندريسن هورويتز»، نحو 2.7 مليون دولار لدعم المرشحة الجمهورية دارلين غراهام.
لكن غراهام خسرت أمام الديمقراطية آني أندروز، رغم أن الولاية كانت قد منحت الرئيس دونالد ترامب تقدماً بلغ 18 نقطة مئوية في الانتخابات الرئاسية، وفق الأرقام الواردة في المادة.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن النفوذ المالي والتكنولوجي لا يستطيع دائماً تحويل الولاء الحزبي التقليدي إلى أصوات فعلية لصالح مرشح بعينه. كما تطرح تساؤلات بشأن قدرة شبكات المصالح المرتبطة بوادي السيليكون على التأثير في التوازنات السياسية، عندما تصطدم خياراتها بحسابات الناخبين المحليين.


الديمقراطيون والمال أيضاً
في المقابل، لم تكن الحملات الديمقراطية بعيدة عن دعم أصحاب الثروات الكبرى، إذ استفادت بدورها من مساهمات مالية ضخمة ساعدتها في خوض المنافسات الانتخابية.
وأنفق رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبرغ 80 مليون دولار على سباقات مجلسي النواب والشيوخ وحكام الولايات، قبل أن يضيف 36 مليون دولار أخرى خلال الأيام الأخيرة من الحملة.
ورغم تفوق الجمهوريين في حجم الإنفاق في عدد من السباقات، رأى مستشار بلومبرغ السياسي هوارد وولفسون أن المال ليس العامل الحاسم في الانتخابات، وإن كان يوفر دعماً مهماً للمرشحين والحملات.
أما ريد هوفمان، الشريك المؤسس لمنصة «لينكد إن»، والذي ساهم بنحو 11.5 مليون دولار في اللجنة السياسية الداعمة للمرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو، فدعا إلى إبعاد الأموال الضخمة عن السياسة، محذراً من أن توظيف الثروات للحفاظ على نفوذ شخصيات سلطوية يهدد المبادئ الديمقراطية.
ويعكس هذا الموقف مفارقة واضحة؛ فبينما تتصاعد الانتقادات لتأثير المليارديرات في الحياة السياسية، لا تزال الحملات الانتخابية تعتمد على مساهمات كبار الأثرياء، بمن فيهم الداعمون للديمقراطيين، ما يجعل قضية المال السياسي مرتبطة ببنية النظام الانتخابي برمتها، وليس بحزب واحد.


ضريبة الثروة.. معركة موازية
وبالتوازي مع السباقات الانتخابية، برزت في كاليفورنيا مواجهة أخرى تتعلق بحدود الثروة ودورها في الحياة العامة، بعدما بدا أن مقترح فرض ضريبة استثنائية بنسبة 5% على ثروات أصحاب المليارات في الولاية يتجه إلى الفشل.
وجاء ذلك بعد حملة معارضة أنفق خلالها عدد من الأثرياء مئات ملايين الدولارات لإسقاط المقترح، في مؤشر إلى أن المليارديرات لا يكتفون بدعم المرشحين الذين يتبنون توجهاتهم، بل يسعون أيضاً إلى التأثير في السياسات التي تمس مصالحهم الاقتصادية مباشرة.
وتكشف هذه المعركة عن وجه آخر للنفوذ المالي، يتمثل في القدرة على تعبئة الموارد لمواجهة التشريعات والمبادرات التي قد تفرض أعباء إضافية على أصحاب الثروات الكبرى، حتى عندما تتعلق القضية بخيارات ضريبية يقررها الناخبون.


المال السياسي بعد 2010
شكّل قرار المحكمة العليا الأمريكية عام 2010 محطة مفصلية في علاقة المال بالانتخابات، بعدما قضت بعدم جواز تقييد الإنفاق السياسي المستقل للشركات والنقابات وغيرها من الكيانات. وأسهم القرار في توسيع المجال أمام ضخ مبالغ ضخمة لدعم الحملات والأنشطة السياسية، عبر لجان ومجموعات مستقلة، بعضها لا يكشف بصورة كاملة عن مصادر تمويله.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الإنفاق الانتخابي أحد أبرز أدوات التأثير في المنافسات الأمريكية، مع تصاعد دور المليارديرات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الاقتصادية الكبرى في تمويل المرشحين وتشكيل أولويات الحملات.
لكن نتائج انتخابات 2026 تبرز الفارق بين القدرة على تمويل الرسائل السياسية والقدرة على إقناع الناخبين بها. فالأموال تستطيع شراء الإعلانات وتوسيع الحضور الإعلامي وتوفير الموارد التنظيمية، لكنها لا تضمن تغيير المواقف السياسية أو تجاوز حالة الاستياء الشعبي من مرشح أو حزب. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 10

اقرأ أيضاً