من الردع دون قنبلة إلى المطالبة بامتلاكها... ماذا تغيّر في الحسابات الإيرانية؟

2026.11.05 - 09:12
Facebook Share
طباعة

الحرب تعيد فتح الملف الأكثر حساسية
لم تعد الدعوات المطالبة بامتلاك السلاح النووي في إيران محصورة بأوساط المتشددين أو الأصوات الهامشية، بل بدأت تتسع لتدخل في صلب النقاش السياسي والديني، في تحول يعكس عمق التغيرات التي أحدثتها المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل في حسابات الأمن القومي الإيراني.
فبعد سنوات من التمسك العلني بعقيدة نووية تقوم على رفض تطوير القنبلة الذرية، تتزايد المطالبات داخل طهران بإعادة النظر في هذا الموقف، وصولاً إلى الدعوة للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، باعتبار أن امتلاك السلاح النووي قد يكون الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الهجمات الخارجية.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه القيادة الإيرانية إلى تجنب مواجهة جديدة مع واشنطن وتل أبيب، بينما تظل المفاوضات والوساطات الدبلوماسية قائمة. وبين من يرى في القنبلة النووية ضرورة لتعزيز الردع، ومن يحذر من أنها قد تفتح الباب أمام حرب أكثر خطورة، تواجه إيران نقاشاً يتجاوز طبيعة برنامجها النووي إلى مستقبل استراتيجيتها الأمنية والسياسية.


من المحظور الديني إلى المطالبة العلنية
شكّلت الفتوى التي أصدرها المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، والتي تحظر تطوير الأسلحة النووية واستخدامها، لسنوات طويلة مرجعية أساسية للموقف الإيراني المعلن من الملف النووي. واستندت السلطات إلى هذه الفتوى لتأكيد أن برنامجها يستهدف الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وليس إنتاج السلاح.
لكن هذا الموقف بات يواجه ضغوطاً متزايدة، مع بروز أصوات دينية وسياسية تطالب بالتخلي عن التعهدات السابقة والانتقال إلى امتلاك القنبلة الذرية.
وفي مؤشر على اتساع هذا النقاش، دعا علي سباحوند، إمام صلاة الجمعة في مدينة كوهدشت غربي إيران، خلال خطبة الأسبوع الماضي، إلى امتلاك أسلحة نووية لمواجهة الولايات المتحدة، وسط هتافات من المصلين تطالب بحق إيران في الردع النووي.
ولم تكن هذه الدعوات مجرد تعبيرات فردية، إذ انضم إليها عدد من أئمة صلاة الجمعة وشخصيات سياسية وأمنية، ما يطرح تساؤلات بشأن مدى انتشار هذا التوجه داخل مؤسسات الدولة، وما إذا كان يعكس تحولاً في المزاج العام أو توجهاً تدعمه بعض مراكز النفوذ.


حسابات الردع تغيّرت
تكمن أهمية هذا التحول في أنه يأتي بعد تعرض إيران لهجمات عسكرية أميركية وإسرائيلية، أسفرت، وفق المعطيات الواردة في التقرير، عن خسائر كبيرة طالت قيادات بارزة وبنية تحتية، فضلاً عن مقتل المرشد السابق علي خامنئي في فبراير الماضي.
وأعادت هذه التطورات طرح سؤال جوهري داخل الأوساط الإيرانية: هل نجحت استراتيجية الاحتفاظ بقدرات نووية متقدمة دون تجاوز العتبة اللازمة لإنتاج السلاح في حماية البلاد من الهجمات؟
فقد قامت المقاربة التي تبناها خامنئي على إبقاء البرنامج النووي في منطقة رمادية؛ بما يسمح لطهران بتعزيز قدراتها التقنية وامتلاك أوراق ردع، من دون اتخاذ قرار معلن بتصنيع القنبلة الذرية.
غير أن هذه الاستراتيجية، بحسب محللين، لم تمنع اندلاع المواجهات العسكرية، وهو ما عزز لدى قطاعات إيرانية الاعتقاد بأن عدم امتلاك السلاح النووي جعل البلاد أكثر عرضة للضغوط والهجمات.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني محمد علي شباني أن طهران دفعت ثمن امتلاك القنبلة النووية من دون أن تحصل فعلياً على الحماية التي كان يمكن أن توفرها، في إشارة إلى أن البقاء دون العتبة النووية لم يمنع تعرضها لضربات عسكرية.
كما أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الطريقة التي كان سيتعامل بها مع القيادة الإيرانية لو كانت تمتلك سلاحاً نووياً، قد تعزز حجج المطالبين باعتبار القنبلة وسيلة لمنع الخصوم من التفكير في شن هجمات جديدة.


الانسحاب من المعاهدة
بالتوازي مع المطالبات بتغيير العقيدة النووية، تتصاعد الدعوات داخل إيران للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تضع قيوداً على الدول غير الحائزة للسلاح النووي وتحظر عليها تطويره.
وكان هذا الخيار يُنظر إليه سابقاً باعتباره موقفاً تتبناه أقلية داخل دوائر صنع القرار، لكنه بات يحظى بتأييد أوسع، وفق تقديرات خبراء إيرانيين، خصوصاً بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي أعادت تشكيل النقاش حول كلفة الالتزام بالقيود النووية.
وفي تطور لافت، أقر المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي بأن القيادة تناقش مستقبل العقيدة النووية، لكنه أكد أن أي قرار جديد لم يُتخذ حتى الآن، موضحاً أن النقاش يتناول ما إذا كانت إيران ستواصل الالتزام بالنهج السابق في حال اندلاع مواجهة عسكرية أخرى.
ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة، لأنه ينقل النقاش من مستوى المطالبات الدينية والسياسية إلى دائرة النقاش داخل مؤسسات القيادة، وإن كان لا يشكل دليلاً على اتخاذ قرار رسمي بتغيير السياسة النووية.
ولا يزال موقف المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي من هذه المطالب غير واضح، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان الجدل سيبقى ضمن حدود الضغط السياسي والإعلامي أم سيتحول إلى مراجعة فعلية للعقيدة النووية.


ورقة ضغط أم تحول استراتيجي؟
لا يقتصر تفسير تصاعد المطالبات النووية على الاعتبارات الأمنية، إذ يرى محللون أن إثارة احتمال امتلاك القنبلة في هذا التوقيت قد تكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى زيادة الضغط على واشنطن ودفعها نحو اتفاق جديد.
وفي هذا الإطار، يربط الباحث أميد مماريان بين دخول محسن رضائي على خط النقاش النووي وتكثيف الوساطة القطرية بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن طهران قد تستخدم التلويح بتغيير عقيدتها النووية لإيصال رسالة مفادها أن فشل المفاوضات قد يدفعها إلى خيارات أكثر خطورة.
ويمنح هذا الاحتمال إيران ورقة إضافية في التفاوض، إذ يمكن أن يؤدي تصاعد الحديث عن الانسحاب من المعاهدة أو تطوير السلاح النووي إلى زيادة المخاوف الدولية من اتساع الأزمة، بما يدفع الأطراف المعنية إلى البحث عن تسوية تحول دون ذلك.
لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر، لأن التلويح بالتحول إلى دولة نووية قد يدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تشديد الضغوط أو التفكير في توجيه ضربات استباقية، بدلاً من تقديم تنازلات تفاوضية.
وبذلك، يصبح التهديد النووي سلاحاً ذا حدين: قد يعزز موقع طهران على طاولة المفاوضات، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه احتمالات المواجهة العسكرية.


انقسام داخلي حول كلفة القنبلة
في مقابل الأصوات المطالبة بتغيير العقيدة النووية، لا تزال شخصيات إصلاحية بارزة، بينها الرئيس مسعود بزشكيان والرئيس السابق حسن روحاني، تدعم استمرار النهج النووي السلمي، وتحذر من تداعيات التخلي عن الالتزامات الدولية.
ويبرز هذا الانقسام في تحذيرات الدبلوماسي السابق كوروش أحمدي، الذي اعتبر أن تصاعد الدعوات المؤيدة لامتلاك السلاح النووي يجعل مهمة المسؤولين الساعين إلى تجنب حرب جديدة أكثر صعوبة.
وتقوم هذه المخاوف على أن إعلان إيران نيتها تطوير قنبلة ذرية قد لا يوفر لها الحماية المطلوبة، بل قد يجعلها هدفاً لهجمات جديدة قبل أن تتمكن من امتلاك السلاح فعلياً.
من جهته، يرى الخبير سينا توسي أن الضربات التي استهدفت قيادات إيرانية بارزة وألحقت أضراراً بالبنية التحتية جعلت من الصعب على معارضي الخيار النووي إقناع الرأي العام بجدوى ضبط النفس.
وتكمن المعضلة التي تواجه هؤلاء في تفسير ما حققته سياسة عدم تجاوز العتبة النووية، في وقت لم تمنع فيه الهجمات العسكرية. ويحذر توسي من أن أي ضربات أميركية جديدة قد تعزز موقف المطالبين بامتلاك القنبلة، وهو ما قد يقود إلى نتيجة تتعارض مع الهدف المعلن لواشنطن المتمثل في منع إيران من تطوير سلاح نووي.


اتفاق نووي لم يصمد أمام المواجهة
شهد الملف النووي الإيراني محطات تفاوضية بارزة، أبرزها الاتفاق الذي توصلت إليه طهران والقوى العالمية عام 2015، والذي فرض قيوداً على الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018، لتدخل العلاقات بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة من التوتر، تخللتها عقوبات اقتصادية وضغوط سياسية وعسكرية متزايدة.
وفي السنوات اللاحقة، أثارت مستويات تخصيب اليورانيوم الإيرانية مخاوف دولية متكررة، وسط اتهامات أميركية وإسرائيلية لطهران بالسعي إلى امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي، وهي اتهامات تنفيها إيران وتؤكد أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية.
وأعاد اندلاع الحرب عام 2025 طرح مستقبل الاتفاقات والضمانات الدولية، بعدما تراجعت الثقة بإمكانية احتواء البرنامج النووي عبر التفاوض وحده، وباتت الحسابات الأمنية والعسكرية أكثر حضوراً في تحديد خيارات طهران. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 1

اقرأ أيضاً