السوريون أمام شبح الجوع... المساعدات تتراجع والاحتياجات تتضاعف

2026.11.04 - 23:18
Facebook Share
طباعة

فجوة غذائية تتسع
تواجه سوريا أزمة متفاقمة في الأمن الغذائي، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة للاستجابة لها، بعدما اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص المساعدات الغذائية الطارئة وتعليق برنامج دعم الخبز، في وقت تكافح فيه ملايين الأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل.
وتكشف أحدث بيانات البرنامج عن حجم الأزمة، إذ يعاني نحو 7.2 ملايين شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم قرابة 700 ألف يواجهون مستويات شديدة من الجوع، فيما يُتوقع أن يدفع ارتفاع تكاليف المعيشة نحو 250 ألف شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي. ويأتي ذلك في ظل نقص حاد في التمويل يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة برامجها بالوتيرة المطلوبة.


المساعدات إلى النصف
بحسب تقرير برنامج الأغذية العالمي الخاص بسوريا لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2026، خُفّض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية الطارئة من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً، مع تركيز الدعم على الفئات الأشد احتياجاً، في محاولة لتوزيع الموارد المحدودة على الحالات الأكثر هشاشة.
وخلال سبتمبر/أيلول الماضي، قدم البرنامج مساعدات إلى 620,945 شخصاً، ووزع نحو 3,550 طناً من المواد الغذائية، إلى جانب تحويلات نقدية بلغت قيمتها 5.85 ملايين دولار، ما يعكس استمرار عملياته رغم القيود المالية المتزايدة.
ولا تعني هذه التخفيضات تراجع الاحتياجات، بل تكشف عن تقلص القدرة على تلبيتها. فالأسر التي تعاني ضعف الدخل وارتفاع الأسعار باتت مضطرة إلى اتخاذ خيارات معيشية قاسية، تشمل تقليص كميات الطعام، والاستغناء عن بعض الأغذية ذات القيمة الغذائية المرتفعة، أو تخطي وجبات أساسية، وهي ممارسات تزيد مخاطر سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً.


الخبز خارج الدعم
ويبرز تعليق برنامج دعم الخبز بوصفه أحد أبرز التداعيات المباشرة لنقص التمويل، نظراً إلى دوره في توفير طحين القمح المدعوم لأكثر من 300 مخبز، بما أتاح وصول الخبز بأسعار مخفضة إلى نحو أربعة ملايين شخص يومياً في المناطق الأكثر احتياجاً.
وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن تعليق المبادرة في مايو/أيار 2026، بعدما لم تعد الموارد المتاحة كافية لاستمرارها، ما حرم ملايين الأشخاص من إحدى أهم شبكات الأمان الغذائي التي اعتمدوا عليها خلال السنوات الماضية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل اعتماد شرائح واسعة من السوريين على الخبز بوصفه مكوناً أساسياً في غذائهم اليومي، ما يجعل توقف الدعم عاملاً إضافياً في زيادة الأعباء المعيشية، خصوصاً لدى الأسر محدودة الدخل.


التغطية تنحسر
ولم تقتصر آثار نقص التمويل على عدد المستفيدين، بل امتدت إلى النطاق الجغرافي للعمليات الإنسانية، إذ انخفضت تغطية البرنامج من المحافظات السورية الأربع عشرة إلى سبع فقط، بعد أن كان قد قدم خلال عام 2025 مساعدات لنحو 5.8 ملايين شخص عبر برامج شملت الغذاء الطارئ ودعم الخبز والتغذية وسبل العيش والحماية الاجتماعية.
ويعني هذا الانكماش الجغرافي أن مناطق واسعة باتت خارج نطاق التدخلات التي كان البرنامج ينفذها، في وقت تتفاوت فيه الاحتياجات بين المحافظات، وتتزايد الضغوط على المجتمعات التي تستقبل عائلات عائدة إلى مناطقها الأصلية.
كما أن عودة السكان إلى مناطق تضررت بنيتها التحتية، ولا تزال الخدمات الأساسية وفرص العمل فيها محدودة، تزيد الضغط على الموارد المحلية، وتوسع الحاجة إلى المساعدات الغذائية والإنسانية.


التمويل لا الاحتياجات
وقالت المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في سوريا، ماريان وارد، في بيان صدر في 13 مايو/أيار الماضي، إن تقليص المساعدات يعود حصراً إلى نقص التمويل، وليس إلى تراجع الاحتياجات، محذرة من أن سحب شبكات الأمان في مرحلة لا يزال فيها التعافي هشاً قد ينعكس سلباً على الأمن الغذائي والتماسك الاجتماعي والاستقرار.
ولا تنفصل الأزمة عن الواقع الاقتصادي والمعيشي الأوسع، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار وضعف فرص العمل وتضرر مصادر الدخل إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر، حتى في المناطق التي تتوافر فيها المواد الغذائية بالأسواق.
وتشير تقديرات البرنامج إلى أن نحو 18% فقط من سكان سوريا كانوا يتمتعون بالأمن الغذائي، وهو مؤشر يعكس هشاشة الأوضاع المعيشية واتساع قاعدة السكان المعرضين للتأثر بأي صدمة اقتصادية أو تراجع إضافي في المساعدات.


202 مليون دولار للإنقاذ
وفي محاولة لمعالجة الفجوة التمويلية، قدّر برنامج الأغذية العالمي احتياجاته بنحو 202.1 مليون دولار خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2026 حتى مارس/آذار 2027، بهدف استعادة المساعدات الغذائية الطارئة إلى مستوياتها السابقة، والوصول مجدداً إلى 1.3 مليون شخص، إلى جانب مواصلة برامج التغذية ودعم سبل العيش والحماية الاجتماعية.
لكن توفير التمويل لا يمثل سوى جزء من الاستجابة المطلوبة، إذ تتطلب معالجة أزمة الأمن الغذائي خطوات أوسع تشمل دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتحسين فرص العمل، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز قدرة الأسر على الوصول إلى مصادر دخل مستقرة، بما يقلل اعتمادها طويل الأمد على المساعدات.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 9

اقرأ أيضاً