بين السيادة والمكاسب السياسية... لماذا تتمسك فصائل عراقية بسلاحها؟

2026.11.04 - 22:30
Facebook Share
طباعة

انسحاب التحالف لا ينهي الأزمة
لم يؤدِ استكمال انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق إلى إغلاق ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة، بل أعاد فتح واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المشهد السياسي والأمني، مع تصاعد الخلاف بين حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي وعدد من الفصائل المسلحة بشأن آليات حصر السلاح بيد الدولة والجهة التي تملك قرار الحرب والسلم.
وتكمن المفارقة في أن بعض القوى المسلحة التي شاركت في تشكيل الحكومة وتدعمها سياسياً لا تزال ترفض التخلي عن سلاحها، أو تضع شروطاً مسبقة لذلك، ما يكشف عن صراع يتجاوز الاعتبارات الأمنية إلى حسابات النفوذ السياسي والمكاسب الاقتصادية ومخاوف المستقبل.
ولم يعد الجدل محصوراً في مستقبل الفصائل بعد انسحاب القوات الأجنبية، بل امتد إلى شبهات تتعلق بعقود النفط، والتعديلات المقترحة على قانون هيئة الحشد الشعبي، وحدود العلاقة بين المؤسسات الرسمية والتشكيلات المسلحة.


خريطة طريق متعثرة
في المقابل، ترفض الفصائل تصوير موقفها على أنه تمرد على الدولة، وتقول إن مسألة حصر السلاح يمكن أن تُعالج عبر اتفاق سياسي وأمني يضمن انتقالاً منظماً لقرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الدستورية.
وفي هذا السياق، تحدث المحلل السياسي علي فضل الله عن وجود ورقة تفاهم أعدتها لجنة برعاية الإطار التنسيقي، وتتضمن نحو 23 مادة ترسم مساراً لنقل قرار الحرب والسلم إلى القائد العام للقوات المسلحة.
وبحسب فضل الله، فإن الفصائل بادرت إلى المطالبة بتوقيع اتفاق رسمي بهذا الشأن، إلا أن رئيس الحكومة لم يحسم موقفه من الوثيقة حتى الآن، الأمر الذي أبقى التفاهمات في دائرة الانتظار.
ويستند هذا الطرح إلى أن الفصائل أدت، وفق رؤيتها، دوراً في حماية النظام الدستوري خلال مراحل أمنية وسياسية حساسة، وأن معالجة ملف السلاح لا ينبغي أن تنفصل عن احتياجات العراق الدفاعية، خصوصاً في ظل ضعف قدراته في مجال الدفاع الجوي والطيران العسكري، واستمرار التحديات الإقليمية.
كما يرى هذا الاتجاه أن التركيز على نزع السلاح وحده يتجاهل ملفات أكثر اتساعاً، من بينها الفساد المالي والإداري، وحماية السيادة العراقية من الانتهاكات والضغوط الخارجية.


انقسام داخل الفصائل
وتسعى حكومة الزيدي إلى حصر السلاح بيد الدولة من خلال الحوار وتجنب المواجهة المسلحة، في مسار أفضى إلى موافقة بعض الفصائل على تسليم أسلحتها أو الانضواء بصورة أكثر وضوحاً تحت سلطة المؤسسات العسكرية الرسمية، بينما لا تزال قوى أخرى ترفض التخلي عن ترسانتها أو تتحفظ على آليات تنفيذ الخطوة.
وفي مؤشر على التباين داخل هذا المعسكر، استقبل الزيدي وفدين من حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، وأشاد بموقف قيس الخزعلي وشبل الزيدي، معتبراً استجابتهما لتوجهات الحكومة بشأن حصر السلاح بيد الدولة ودعمها خطوة تسهم في تعزيز مسار بناء المؤسسات.
ويكشف هذا التباين أن الفصائل ليست كتلة واحدة في التعامل مع ملف السلاح؛ فبينما تتجه بعض القوى إلى تعزيز اندماجها المؤسسي، تتمسك أخرى بهامش أوسع من الاستقلال العسكري والسياسي، ما يعقد مهمة الحكومة في وضع جدول زمني موحد لتنفيذ خطتها.


السيادة في مواجهة السلاح الموازي
على الضفة الأخرى، يرى أستاذ الفكر السياسي طالب محمد كريم أن استمرار وجود السلاح خارج سلطة المؤسسات الرسمية يمثل تناقضاً مع مفهوم السيادة، إذ لا يمكن، وفق تقديره، الحديث عن دولة مستقلة بينما يبقى قرار الحرب والسلم موزعاً بين أطراف متعددة خارج السلطة التنفيذية.
ويعتبر كريم أن بناء دولة قادرة على جذب الاستثمارات وإعادة تنشيط الاقتصاد يتطلب احتكار المؤسسات الرسمية للسلاح، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يجعل القرار العراقي عرضة للتجاذبات السياسية والمشروعات الإقليمية، خصوصاً في ظل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وتتجاوز هذه الإشكالية، وفق هذا الطرح، الجانب الأمني إلى قدرة الدولة على فرض القانون وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار، فضلاً عن منع استخدام القوة المسلحة للتأثير في القرارات السياسية والاقتصادية.


أربعة مخاوف وراء التمسك بالسلاح
أما نائب رئيس مركز مدار للسياسات عمر الناصر، فيربط تمسك بعض الفصائل بسلاحها بطبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، مشيراً إلى أربعة عوامل رئيسية تتحكم في حساباتها:
• المستقبل الأمني: الخشية من فقدان الحماية في مرحلة ما بعد نزع السلاح.
• الهوية والنفوذ: القلق من تراجع المكانة السياسية والاجتماعية.
• الإقصاء والاستهداف: مخاوف من التعرض للملاحقة أو التهميش بعد التخلي عن السلاح.
• المكاسب: الرغبة في الحفاظ على النفوذ السياسي والاقتصادي المتراكم.
ويرى الناصر أن غياب رؤية مشتركة بشأن مفهوم احتكار السلاح يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمراً صعباً، مستبعداً إمكانية نقل تجارب دولية، مثل تجربة كولومبيا مع حركة «فارك»، إلى الحالة العراقية من دون توافر شروط سياسية وأمنية متكاملة.
ويرجح أن تلجأ الأطراف إلى ما وصفه بإدارة الجمود، أي الإبقاء على الوضع القائم وتجنب المواجهة المباشرة، بانتظار اتضاح مسار التوتر الإقليمي بين واشنطن وطهران وانعكاساته على العراق.


مهلة جديدة حتى 2027
ويزيد البعد الخارجي من تعقيدات الملف، في ظل ارتباط مواقف بعض الفصائل بالتوازنات الإقليمية والصراع الأمريكي الإيراني، وهو ما يجعل حصر السلاح قضية تتجاوز التفاهمات الداخلية إلى حسابات أمنية وسياسية أوسع.
وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قال المتحدث باسم الرئاسة العراقية خالد اليعقوبي، وهو مستشار سياسي لرئيس الجمهورية، إن رئيس الحكومة علي الزيدي أقنع الجانب الأمريكي بتمديد المهلة المحددة لتسليم السلاح حتى نهاية يونيو/حزيران 2027، خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويمنح هذا التمديد الحكومة وقتاً إضافياً لمعالجة الملف، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام اختبار صعب يتمثل في تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية، من دون دفع البلاد إلى مواجهة داخلية قد تهدد الاستقرار. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 1

اقرأ أيضاً