معبر رفح مغلق والدواء مفقود... إسرائيل تحاصر مرضى السرطان في غزة

2026.11.04 - 19:29
Facebook Share
طباعة

رحلة علاج تتحول إلى سباق مع الموت
لم يعد مرض السرطان في قطاع غزة معركة طبية يخوضها المرضى في مواجهة المرض وحده، بل تحوّل إلى مواجهة يومية مع نقص الأدوية وتعطل الخدمات الصحية وإغلاق المعابر التي تمثل شرياناً أساسياً للوصول إلى العلاج خارج القطاع. فآلاف المرضى الذين يحتاجون إلى جرعات كيميائية أو علاج إشعاعي أو فحوص تشخيصية متخصصة، يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة، فيما تتحول التحويلات الطبية العاجلة إلى وثائق معلّقة لا تضمن لهم الوصول إلى المستشفيات.
ويكشف استمرار إغلاق معبر رفح، بالتزامن مع القيود المفروضة على حركة المرضى والإمدادات الطبية، عن جانب بالغ الخطورة من الأزمة الإنسانية في غزة؛ إذ لا تقتصر التداعيات على تراجع القدرة الاستيعابية للمستشفيات، بل تمتد إلى حرمان المرضى من فرص العلاج في الخارج، وتركهم في مواجهة مرض تتراجع فرص السيطرة عليه كلما تأخر التدخل الطبي.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتداعياتها على البنية الصحية، تتزايد المخاوف من أن يتحول تدهور القطاع الطبي إلى عامل إضافي يفاقم معاناة المدنيين، ويجعل المرضى الأكثر هشاشة يدفعون ثمناً مضاعفاً للحصار والقيود المفروضة على القطاع.


رفح مغلق... والعلاج مؤجل
تختصر معاناة جميلة السعودي جانباً من المأساة التي يعيشها مرضى السرطان في غزة، بعدما وجدت نفسها عاجزة عن السفر لتلقي العلاج رغم امتلاكها تحويلة طبية عاجلة. فإغلاق معبر رفح قطع أمامها أحد المسارات الأساسية للوصول إلى الرعاية المتخصصة، وحوّل انتظارها إلى حالة من القلق المستمر على حياتها.
ولا تختلف معاناة عبير أبو عجوة كثيراً، إذ تضطر إلى قطع مسافات طويلة برفقة زوجها بحثاً عن علاج لم يعد متاحاً بصورة منتظمة داخل القطاع. وتقول إن مراجعاتها المتكررة للمراكز الطبية لا تفضي في كثير من الأحيان إلى الحصول على الدواء أو إجراء الفحوص اللازمة، في ظل نقص الأجهزة التشخيصية والإمكانات الطبية، ما يضطرها إلى تجديد تحويلتها العلاجية دون أن تتمكن من الاستفادة منها.
وتكشف هذه الشهادات أن الأزمة لم تعد مرتبطة بصعوبة الوصول إلى العلاج خارج غزة فحسب، بل أصبحت تشمل أيضاً تراجع فرص الحصول على الخدمات الأساسية داخل المستشفيات التي تعمل بقدرات محدودة وتحت ضغط متزايد.


وفيات متصاعدة
تتجاوز تداعيات الأزمة حدود تأجيل العلاج، لتصل إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين مرضى السرطان. ويشير مدير مركز غزة لأمراض الأورام والسرطان، محمد أبو ندى، إلى أن الوفيات ارتفعت من نحو حالة واحدة يومياً قبل الحرب إلى ما يتراوح بين ضعفين ونصف وثلاثة أضعاف المعدل السابق.
ويربط أبو ندى هذا الارتفاع بنقص الأدوية وغياب العلاج الإشعاعي، الذي يحتاج إليه نحو 40% من مرضى السرطان، مؤكداً أن السفر إلى الخارج بات ضرورة ملحّة في ظل عدم توافر هذا النوع من العلاج داخل القطاع.
وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي أصاب منظومة علاج الأورام، خصوصاً أن تأخير الجرعات الكيميائية أو انقطاعها، إلى جانب غياب الفحوص والمتابعة الطبية، قد يؤدي إلى تراجع فرص السيطرة على المرض وتفاقم المضاعفات الصحية.
نقص يتجاوز 61%
تواجه المنظومة الصحية في غزة أزمة حادة في مخزون الأدوية الأساسية، إذ تشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن العجز بلغ نحو 45%، بينما تجاوز النقص في أدوية السرطان وأمراض الدم 61%.
وأدى هذا العجز إلى نفاد واسع للجرعات الكيميائية والمستلزمات التشخيصية، فضلاً عن نقص المسكنات الضرورية لتخفيف آلام المرضى، حتى في المراكز الطبية التي لا تزال تقدم خدماتها، ومنها مجمع ناصر الطبي.
وتعني هذه الأرقام أن المرضى يواجهون أزمة مزدوجة: عدم القدرة على السفر لتلقي العلاج المتخصص، وتراجع فرص الحصول على العلاج المتاح داخل القطاع. وفي مثل هذه الظروف، يصبح انتظام الجرعات والفحوص الطبية أمراً بالغ الصعوبة، فيما تتزايد المخاطر الصحية مع مرور الوقت.


الحصار يضاعف الكارثة
لا يمكن فصل تدهور علاج السرطان عن الوضع العام للمنظومة الصحية في غزة، التي تعرضت لضغوط هائلة نتيجة الحرب والدمار ونقص الوقود والمستلزمات الطبية، فضلاً عن القيود المفروضة على دخول الإمدادات وحركة المرضى.
ويكتسب إغلاق معبر رفح أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه لا يمثل مجرد عائق أمام حركة السفر، بل يحرم المرضى الذين تتطلب حالاتهم إمكانات غير متوافرة محلياً من الوصول إلى مراكز علاج متخصصة خارج القطاع.
وتثير هذه الظروف تساؤلات جدية بشأن أثر السياسات الإسرائيلية على فرص بقاء المرضى، ولا سيما في ظل استمرار القيود التي تعرقل وصول المساعدات الطبية وتحد من حركة الحالات الإنسانية. فحرمان مرضى السرطان من العلاج لا يقتصر أثره على تأخير الخدمات، بل قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن تداركها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأمراض تتطلب تدخلاً منتظماً وسريعاً.
ومن منظور إنساني وقانوني، يفرض هذا الواقع ضرورة ضمان وصول المرضى إلى العلاج والإمدادات الطبية، وتسهيل الإجلاء الطبي للحالات التي لا تتوافر إمكانات علاجها داخل غزة. كما أن استمرار تعطيل هذه المسارات يفاقم المسؤولية عن التداعيات الإنسانية الناجمة عن القيود المفروضة على القطاع.


نحو 12 ألف مريض في مواجهة الأزمة
تشير البيانات الواردة في وزارة الصحة الفلسطينية إلى وجود نحو 12 ألف مريض سرطان في قطاع غزة، يعتمد كثير منهم على أدوية وفحوص وخدمات علاجية تتطلب استمرارية لا تستطيع المنظومة الصحية المتضررة توفيرها حالياً.
وكانت قدرة القطاع على تقديم علاج الأورام محدودة حتى قبل الحرب، لكنها تراجعت بصورة حادة مع تضرر المؤسسات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات، فضلاً عن غياب العلاج الإشعاعي، ما جعل السفر إلى الخارج خياراً ضرورياً لشريحة واسعة من المرضى.
ومع استمرار إغلاق المعابر وتراجع الإمدادات، باتت الأزمة تهدد ليس فقط المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة، بل أيضاً الحالات التي تتطلب متابعة دورية لمنع تطور المرض أو عودته. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 3

اقرأ أيضاً