واشنطن ترسم مرحلة جديدة في لبنان... اتفاق مع إسرائيل أم ترتيبات أمنية؟

2026.11.04 - 18:59
Facebook Share
طباعة

وساطة أمريكية بشروط معقدة
تستعد الإدارة الأمريكية، وفق مصادر دبلوماسية لبنانية، لإعادة تنشيط المسار السياسي بين لبنان وإسرائيل بعد انتخابات التجديد النصفي لـ الكونغرس، في محاولة لدفع تنفيذ الاتفاق الإطاري والانتقال إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر تقدماً. غير أن هذا التحرك لا يبدو محصوراً في تثبيت وقف إطلاق النار أو معالجة الخلافات الحدودية، بل يرتبط أيضاً بملف سلاح حزب الله، ومستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان، وطبيعة الضمانات الأمنية التي تطالب بها تل أبيب.
وتضع الخطة الأمريكية بيروت أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فمن جهة، تضغط واشنطن باتجاه توسيع دور الجيش اللبناني في ملف السلاح، ومن جهة أخرى تحاول فصل الساحة اللبنانية عن المفاوضات مع إيران، في وقت تصر فيه طهران على ربط مسارات التهدئة الإقليمية بعضها ببعض. وبين هذه الحسابات، يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بمدى قدرة الولايات المتحدة على فرض تسوية متوازنة، لا تتحول إلى ترتيبات أمنية تستجيب للمطالب الإسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية.


الاتفاق الإطاري يعود إلى الواجهة
تشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن واشنطن تعتزم إعادة تفعيل مسارات تفاوضية متقدمة بين بيروت وتل أبيب، تشمل إحياء فكرة «المناطق التجريبية»، والعمل على استكمال الخطوات المرتبطة بالاتفاق الإطاري.
وتسعى الإدارة الأمريكية، بحسب المصادر، إلى وضع خطة عملية مع لبنان تتعلق بتوسيع دور الجيش في ملف نزع سلاح حزب الله، بالتوازي مع إنشاء آلية للتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية، من دون وجود إسرائيلي ميداني مباشر في عمليات المراقبة.
ويكشف هذا الطرح عن محاولة أمريكية لإيجاد صيغة تحقق المطالب الإسرائيلية المتعلقة بالتحقق من القدرات العسكرية لحزب الله، مع تجنب تكريس وجود إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. إلا أن نجاح هذه الآلية سيبقى مرتبطاً بطبيعة صلاحياتها، والجهة المشرفة عليها، ومدى احترامها للسيادة اللبنانية، وعدم تحولها إلى أداة ضغط دائمة على المؤسسات الرسمية.


فصل لبنان عن إيران
يمثل فك الارتباط بين المسارين اللبناني والإيراني أحد أبرز أهداف واشنطن في المرحلة المقبلة. فالإدارة الأمريكية تريد التعامل مع الملف اللبناني باعتباره مساراً مستقلاً، بعيداً عن أي تفاهمات أوسع مع طهران قد تشمل وقف إطلاق النار أو ترتيبات إقليمية مشتركة.
في المقابل، تتمسك إيران بربط التهدئة على الجبهة اللبنانية بأي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة، انطلاقاً من اعتبارها أن ساحات المنطقة مترابطة، وأن أي تسوية منفصلة قد تؤدي إلى إضعاف أوراقها التفاوضية.
ويضع هذا التباين واشنطن أمام تحدٍّ أساسي؛ إذ إن فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الإيرانية قد يبدو ممكناً من الناحية الدبلوماسية، لكنه يصطدم بواقع تشابك المصالح العسكرية والسياسية في المنطقة. كما أن أي تقدم في المحادثات الأمريكية الإيرانية قد ينعكس مباشرة على الموقف الإسرائيلي، خصوصاً إذا رأت تل أبيب أن التفاهمات المحتملة لا تلبي مطالبها الأمنية.


الجنوب بلا مظلة دولية؟
تواجه الخطة الأمريكية عقبة إضافية تتمثل في مستقبل الأمن جنوب لبنان، مع اقتراب انتهاء ولاية قوات «اليونيفيل» من دون التوصل إلى صيغة واضحة بشأن الجهة التي ستتولى المهام الأمنية والرقابية بعد مغادرتها.
ويثير غياب البديل مخاوف من نشوء فراغ ميداني قد يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة، سواء عبر آليات دولية محدودة أو صيغة تحقق تقودها أطراف خارجية. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن معنية بإيجاد إطار يسمح بمراقبة تنفيذ الالتزامات الأمنية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن حدود التدخل الخارجي وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه أي قوات أو لجان بديلة.
وتكمن الحساسية في أن أي صيغة جديدة لا تراعي التوازنات اللبنانية قد تتحول إلى وسيلة لفرض وقائع أمنية على الأرض، خصوصاً إذا جرى تصميمها وفق الأولويات الإسرائيلية، من دون ضمانات واضحة تمنع الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية أو تضمن الانسحاب واحترام السيادة اللبنانية.


نتنياهو يضغط
رغم الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاحتواء الضربات على لبنان وتجنب عملية عسكرية واسعة، لا تزال المخاوف قائمة من عودة التصعيد، ولا سيما مع تقدم المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وتشير هذه المعادلة إلى وجود تباين محتمل في الأولويات بين الطرفين؛ فترامب يحتاج إلى إنجاز دبلوماسي يعزز صورته السياسية، بينما قد ترى الحكومة الإسرائيلية أن أي تسوية لا تضمن تحقيق ما تسميه "مطالبها الأمنية" تمثل تنازلاً غير مقبول.
ومن هنا، قد تحاول تل أبيب استخدام التهديد بالتصعيد العسكري لرفع سقف شروطها التفاوضية، أو الضغط على واشنطن لمنع إبرام تفاهمات إقليمية لا تراعي حساباتها. ويعزز ذلك مخاطر توظيف القوة العسكرية باعتبارها أداة لفرض شروط سياسية وأمنية، بما قد يعرّض لبنان لمزيد من الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية، حتى في ظل وجود مسار تفاوضي معلن.


الانتخابات تعيد حسابات واشنطن
تكتسب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أهمية إضافية بالنسبة إلى مستقبل المسار اللبناني الإسرائيلي، نظراً إلى انعكاس نتائجها المحتملة على قدرة ترامب على تمرير سياساته الخارجية.
ويرى محللون أن احتفاظ الجمهوريين بأغلبيتهم في الكونغرس سيمنح الرئيس الأمريكي هامشاً أوسع للتحرك في ملفات الشرق الأوسط، بما فيها لبنان وإيران وإسرائيل، وقد يعزز توجه الإدارة نحو تشديد الضغوط على طهران وبيروت في ملف السلاح والترتيبات الأمنية.
أما إذا تمكن الديمقراطيون من تعزيز نفوذهم، فقد يواجه ترامب قيوداً سياسية وتشريعية أكبر، بما يدفع إدارته إلى اعتماد مقاربة أكثر براغماتية في إدارة المفاوضات، وتجنب خطوات قد تثير خلافات داخلية بشأن السياسة الخارجية أو المساعدات العسكرية.
لكن تأثير الانتخابات لن يكون حاسماً بمفرده؛ إذ ستظل طبيعة المفاوضات مع إيران، وموقف الحكومة الإسرائيلية، والتطورات الميدانية في لبنان، عوامل أساسية في تحديد اتجاه السياسة الأمريكية.


المساعدات العسكرية ورقة ضغط
لا يقتصر الضغط الأمريكي المحتمل على المسار التفاوضي، بل يمتد إلى ملف دعم الجيش اللبناني وتسليحه. فوفق التقديرات الواردة في المادة، قد تربط واشنطن تقديم مساعدات إضافية أو تطوير قدرات الجيش بمدى تقدمه في تنفيذ المهام المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة.
ويرى محللون أن هذا التوجه قد يضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات كبيرة، إذ إن تعزيز قدراتها يتطلب دعماً مستداماً يتناسب مع حجم المهام الموكلة إليها، في حين أن استخدام المساعدات أداةً للضغط السياسي قد يضعف قدرتها على أداء دورها في ظروف داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.
وتبرز هنا معضلة أساسية: كيف يمكن دعم الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطة الدولة، من دون تحويل المساعدات إلى وسيلة لفرض شروط خارجية أو تحميل المؤسسة العسكرية مسؤوليات تفوق قدراتها وإمكاناتها؟


اتفاق أمني وسط اختلالات إقليمية
تأتي التحركات الأمريكية في ظل استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، وتداخل الملفات الأمنية والسياسية بين لبنان وإيران وإسرائيل. كما تتزامن مع اقتراب انتهاء ولاية «اليونيفيل»، وتزايد النقاش حول طبيعة الترتيبات التي ستخلف دورها في الجنوب.
وتحاول واشنطن منذ فترة الدفع باتجاه تثبيت ترتيبات أمنية تضمن إبعاد المواجهة عن الحدود، وتعزيز دور الجيش اللبناني، ومعالجة مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة. إلا أن هذه الأهداف تصطدم بخلافات حول الضمانات المطلوبة، وآليات التنفيذ، ومدى التزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها واحترام السيادة اللبنانية.
وفي الوقت نفسه، تظل المفاوضات الأمريكية الإيرانية عاملاً مؤثراً في مسار الملف، نظراً إلى تمسك طهران بربط الجبهات الإقليمية، مقابل رغبة واشنطن في معالجة كل ساحة بصورة منفصلة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 6

اقرأ أيضاً