لبنان يدفع ثمن الانقطاع مرتين... والاعتداءات الإسرائيلية تعمّق أزمة الكهرباء

2026.11.04 - 18:23
Facebook Share
طباعة

كهرباء غائبة وأعباء لا تنقطع
تتواصل أزمة الكهرباء في لبنان بوصفها واحدة من أكثر الأزمات استنزافاً للمواطنين والاقتصاد، إذ يجد اللبنانيون أنفسهم مضطرين إلى دفع فاتورتين شهرياً، واحدة لمؤسسة كهرباء لبنان وأخرى للمولدات الخاصة، مقابل ساعات تغذية محدودة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات المنازل والمؤسسات. ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الانقطاع المتكرر، بل تتداخل مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها سنوات من سوء الإدارة، فيما تزيد الاعتداءات الإسرائيلية والتوترات الأمنية من هشاشة البنية التحتية والقطاعات الحيوية، وتفاقم الأعباء على بلد يعاني أصلاً من تراجع قدرته على التعافي.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو أزمة الكهرباء انعكاساً لأزمتين متداخلتين: إخفاق داخلي مزمن في إدارة القطاع وإصلاحه، وضغوط خارجية وأمنية تهدد الاستقرار الاقتصادي والخدمات الأساسية، ما يجعل المواطن الحلقة الأضعف في مواجهة كلفة الانهيار.


فاتورتان وخدمة غائبة
تتزايد شكاوى اللبنانيين من اضطرارهم إلى تسديد فواتير الكهرباء الرسمية، إلى جانب اشتراكات المولدات الخاصة التي أصبحت مصدراً أساسياً للطاقة في معظم المناطق. وتتراوح كلفة هذه الاشتراكات، بحسب إفادات مواطنين، بين 100 و400 دولار شهرياً، تبعاً لحجم الاستهلاك وطبيعة الخدمة، وهو مبلغ يفوق قدرة شرائح واسعة من الأسر.
وتؤيد قطاعات من المواطنين مطالبة مؤسسة كهرباء لبنان بتحصيل مستحقاتها من الإدارات والمرافق العامة، باعتبار أن استعادة الأموال المتراكمة خطوة ضرورية لمعالجة الاختلالات المالية. لكن هذا التأييد يترافق مع تساؤلات بشأن جدوى التحصيل ما لم يقترن بتحسين ملموس في ساعات التغذية، ووضع خطة واضحة تضمن عدم استمرار تحميل المواطنين كلفة خدمة لا يحصلون عليها بصورة منتظمة.
وتبرز المفارقة في أن المواطن مطالب بالوفاء بالتزاماته المالية تجاه المؤسسة، حتى عندما يضطر إلى شراء الكهرباء من مصادر بديلة لتأمين احتياجاته اليومية.


ديون الدولة وسنوات الهدر
تتزامن الأزمة مع انتهاء المهلة التي منحتها مؤسسة كهرباء لبنان للإدارات والمرافق الرسمية لتسديد الديون المتراكمة، وسط احتمال اتخاذ إجراءات بحق الجهات المتخلفة عن الدفع.
غير أن تحصيل المستحقات يفتح الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بأسباب تراكم هذه الديون، والجهات المسؤولة عن عدم تسديدها، وآليات الرقابة على الإنفاق وإدارة القطاع. فالأزمة لا يمكن اختزالها في امتناع بعض الجهات عن الدفع، بل ترتبط بمسار طويل من الاختلالات المالية والإدارية، وضعف الاستثمار، وعدم تنفيذ إصلاحات قادرة على تأمين إنتاج مستقر وتوزيع عادل للطاقة.
ويؤكد مواطنون أن الوعود المتكررة بتوفير الكهرباء على مدار الساعة لم تتحول إلى واقع، فيما بات الاعتماد على المولدات والطاقة الشمسية ضرورة لا خياراً، الأمر الذي يوسع الفجوة بين الأسر القادرة على تحمل التكاليف وتلك التي تعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية.


الحرب تزيد هشاشة القطاع
لا يمكن فصل أزمة الكهرباء عن البيئة الأمنية والاقتصادية التي يعيشها لبنان، خصوصاً في ظل الاعتداءات الإسرائيلية وما تفرضه من مخاطر على البنية التحتية والاستقرار الاقتصادي. فالضربات العسكرية وما يصاحبها من أضرار ونزوح وتعطيل للأنشطة الاقتصادية تزيد الضغط على المرافق والخدمات، وتضعف قدرة المناطق المتضررة على استعادة حياتها الطبيعية.
وتتجاوز آثار هذه الاعتداءات الأضرار المباشرة بالمباني والمنشآت، إذ تمتد إلى تعطيل الأعمال التجارية، وتراجع النشاط الإنتاجي، وزيادة احتياجات السكان في مناطق النزوح، بما يرفع الطلب على الخدمات الأساسية في أماكن انتقالهم، ومنها الكهرباء والمياه.
وفي هذا السياق، تبرز خطورة استمرار استهداف المناطق اللبنانية أو تعريضها لمخاطر عسكرية متكررة، لما لذلك من انعكاسات على قدرة الدولة والمجتمع على التعافي وإعادة بناء البنية التحتية. كما أن تدهور الخدمات الأساسية يضاعف الأعباء على السكان، ويجعلهم أكثر عرضة لتداعيات الأزمات الأمنية والاقتصادية المتداخلة.
ومع ذلك، فإن الاعتداءات الإسرائيلية لا تفسر وحدها الانهيار المزمن لقطاع الكهرباء، الذي سبق مراحل التصعيد العسكري، لكنها تضيف إليه ضغوطاً جديدة وتزيد صعوبة معالجته، خصوصاً في المناطق التي تواجه أضراراً ونزوحاً وتراجعاً في النشاط الاقتصادي.


المواطن يدفع كلفة الانهيار
تعكس شهادات اللبنانيين حجم الاستنزاف اليومي الذي تفرضه الأزمة. فبعض الأسر تنفق ما بين 200 و250 دولاراً شهرياً على اشتراكات المولدات والفواتير الرسمية، فيما تصل الكلفة لدى أسر أخرى إلى نحو 300 أو 400 دولار.
وتقول مواطنون إن دفع هذه المبالغ لا يضمن الحصول على تغذية مستقرة، بينما يواجه النازحون أعباء إضافية تتعلق بالإيجارات وتكاليف المعيشة في مناطق النزوح. كما يشير آخرون إلى أن انقطاع الكهرباء ينعكس مباشرة على إمدادات المياه، التي تعتمد في كثير من المناطق على مضخات تعمل بالطاقة الكهربائية.
ولا تقتصر التداعيات على المنازل، إذ يواجه أصحاب المؤسسات التجارية ارتفاعاً في تكاليف التشغيل بالتزامن مع تراجع حركة البيع، ما يضغط على قدرتهم على الاستمرار ويحد من فرص التعافي الاقتصادي.


أزمة تطال الإنتاج والتعليم والخدمات
تتجاوز الكهرباء كونها خدمة منزلية، لتشكل أساساً لعمل قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والتعليم والصحة. فارتفاع كلفة الطاقة يرفع أسعار الإنتاج، ويضعف تنافسية المؤسسات، ويحد من قدرة المشاريع الصغيرة على الاستمرار، فضلاً عن تأثيره في انتظام الخدمات العامة.
وترى أصوات من المواطنين أن معالجة الأزمة يجب أن تنطلق من اعتبار الكهرباء مشروعاً اقتصادياً وطنياً، لا مجرد ملف لتحصيل الفواتير، عبر خطة تربط إصلاح القطاع بتعزيز الإنتاج وتخفيف كلفة الطاقة على المؤسسات والأسر.
وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل الضغوط التي يتعرض لها لبنان، إذ إن استمرار ضعف الخدمات يحد من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، سواء كانت ناجمة عن الأزمات الداخلية أو الاعتداءات الخارجية.


أزمة مزمنة تتفاقم تحت ضغط الحرب
يعاني قطاع الكهرباء اللبناني منذ سنوات من انقطاع التغذية، والاعتماد الواسع على المولدات الخاصة، وتراكم الخسائر والديون، وسط تعثر خطط الإصلاح والاستثمار. ومع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية وما يرافقها من أضرار ونزوح وضغوط على الاقتصاد، تتزايد صعوبة معالجة الاختلالات القائمة، في وقت لا تزال فيه الأسر والمؤسسات تتحمل جانباً كبيراً من كلفة تأمين الطاقة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9

اقرأ أيضاً