هزيمة انتخابية تتجاوز حدود السلطة
لم تكن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي مجرد انتكاسة انتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل شكلت تحولاً سياسياً قد يعيد رسم حدود سلطته خلال العامين المتبقيين من ولايته، ويفتح الباب أمام مواجهة مؤسساتية واسعة بين البيت الأبيض والكونغرس. وبينما يستعد الديمقراطيون لاستخدام أغلبيتهم الجديدة في التحقيق بأداء الإدارة الرئاسية وملاحقة ملفات مالية وسياسية مثيرة للجدل، تتجاوز تداعيات هذا التحول الداخل الأميركي لتصل إلى ملفات السياسة الخارجية، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل والحرب في الشرق الأوسط، حيث قد تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام بيئة سياسية أميركية أكثر انقساماً وأقل قابلية لتوفير غطاء غير مشروط لسياساتها.
انقلاب في موازين القوى
حقق الحزب الديمقراطي فوزاً واسعاً في انتخابات التجديد النصفي، مستعيداً السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في نتيجة وجهت ضربة قاسية لترامب وحزبه، بعدما تمكن الديمقراطيون من اختراق معاقل جمهورية تقليدية ظلت بعيدة عن نفوذهم لعقود.
وجاءت النتائج في ظل تزايد الاستياء الشعبي من الحرب مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الاعتراض على أسلوب إدارة ترامب للبلاد. وأظهرت استطلاعات الناخبين أن نحو نصف المشاركين اعتبروا الانتخابات فرصة لمعاقبة الرئيس، فيما أيد 70% منهم فرض الكونغرس ضوابط ورقابة أكبر على صلاحياته.
ولم تقتصر الخسائر الجمهورية على الولايات المتأرجحة، بل امتدت إلى مناطق محافظة شكلت ركائز أساسية لعودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2024، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الإدارة وقطاعات من القاعدة الانتخابية التي دعمتها سابقاً.
معاقل جمهورية تتهاوى
سجل الديمقراطيون اختراقات لافتة في عدد من الولايات التي كانت تُعد مناطق نفوذ جمهوري تقليدية. ففي كانساس، حقق مرشح ديمقراطي فوزاً تاريخياً بمقعد في مجلس الشيوخ، في سابقة لم تتكرر منذ عقود طويلة.
أما في تكساس، فقد تمكن الديمقراطيون من كسر هيمنة الجمهوريين على عدد من المواقع السياسية، محققين انتصارات في سباقات تشريعية وحاكمة، بعدما خسر مرشحون حظوا بدعم ترامب، بينهم شخصيات بارزة في الحزب الجمهوري.
وامتدت الهزيمة إلى ولايات أخرى، حيث خسر جمهوريون مقاعدهم رغم محاولات بعضهم النأي بأنفسهم عن الرئيس، ما يعكس أن التصويت لم يكن مجرد تقييم لأداء المرشحين المحليين، بل حمل أيضاً رسالة سياسية مباشرة إلى البيت الأبيض.
رسائل تتجاوز الحسابات الحزبية
لم تقتصر نتائج الانتخابات على إعادة توزيع المقاعد، بل عكست تغيرات في المزاج السياسي والاجتماعي داخل الولايات المتحدة، مع بروز شخصيات جديدة وتحقيق مرشحين من خلفيات متنوعة انتصارات تاريخية في عدد من الولايات.
وفي ميشيغان، فاز عبدول السيد بمقعد في مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يصل إلى هذا الموقع، فيما شهدت ولايات أخرى صعود شخصيات سياسية من أصول لاتينية ونساء وأميركيين من أصول أفريقية إلى مواقع قيادية.
وتشير هذه التحولات إلى أن جزءاً من الناخبين لم يعد يكتفي بالاصطفاف التقليدي خلف الحزبين، بل بات أكثر استعداداً لمعاقبة المرشحين الذين يرون أنهم لا يعكسون أولوياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
إسرائيل أمام حسابات جديدة
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، في ظل اعتماد حكومتها بدرجة كبيرة على الدعم السياسي والعسكري الأميركي، وعلى قدرة الإدارات المتعاقبة في واشنطن على توفير الغطاء الدبلوماسي لعملياتها وسياساتها الإقليمية.
فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تفتح المجال أمام نقاشات أكثر حدة بشأن طبيعة المساعدات العسكرية لإسرائيل، والرقابة على استخدامها، وموقف واشنطن من العمليات العسكرية التي تثير انتقادات داخلية ودولية، ولا سيما في ظل الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
ولا تعني هذه التحولات بالضرورة حدوث انقلاب فوري في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، إذ لا يزال الدعم لها يحظى بنفوذ واسع داخل مؤسسات صنع القرار الأميركي، كما أن الكونغرس نفسه يضم تيارات متعددة ومواقف متباينة. لكن تراجع قدرة ترامب على التحكم بالأجندة التشريعية قد يمنح الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية مساحة أكبر لطرح ملفات المساءلة والضغط السياسي.
وفي المقابل، قد تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى استثمار الانقسام الأميركي للحفاظ على هامش تحركها، عبر تعزيز علاقاتها مع حلفائها داخل الحزبين، وتجنب تحول الخلافات بشأن الحرب والسياسات الإقليمية إلى قيود عملية على الدعم العسكري والدبلوماسي.
وتبرز هنا مفارقة سياسية مهمة: فبينما قد ترى إسرائيل في استمرار وجود ترامب بالبيت الأبيض ضمانة لمواقف أميركية داعمة، فإن خسارة الجمهوريين للكونغرس قد تقلص قدرة الإدارة على تمرير قراراتها بسهولة، وتزيد احتمالات خضوع بعض ملفات السياسة الخارجية لنقاشات ومراجعات أكثر تعقيداً.
تحقيقات تطارد البيت الأبيض
داخلياً، ينتظر ترامب اختبار أكثر صعوبة مع انتقال السيطرة التشريعية إلى الديمقراطيين، الذين يعتزمون فتح تحقيقات تتناول أداء إدارته وعائلته وحلفاءه، إلى جانب ملفات مالية تتعلق بمصالح عائلته التجارية خلال فترة وجوده في السلطة.
ومن المتوقع أن تتحول لجان الكونغرس إلى ساحة رئيسية للمواجهة السياسية، من خلال جلسات الاستماع وطلبات الوثائق واستدعاء المسؤولين، في مسار قد يضع الإدارة تحت ضغط مستمر ويؤثر في قدرتها على تنفيذ أولوياتها.
كما قد يستخدم الديمقراطيون صلاحياتهم التشريعية والرقابية لتعطيل بعض التعيينات الرئاسية، وفرض قيود سياسية على تحركات البيت الأبيض، وإن كانت قدرة المجلسين على ذلك ستظل مرتبطة بالتوازنات الدستورية والإجرائية.
ترامب يلوّح بالفيتو
وكان ترامب قد حاول خلال الحملة الانتخابية ربط مصير المرشحين الجمهوريين بشعبيته الشخصية، داعياً أنصاره إلى التعامل مع الاقتراع كما لو أن اسمه مدرج على بطاقات التصويت.
وبعد اتضاح حجم الخسارة، أقر الرئيس بالنتائج وهنّأ خصومه، لكنه لم يتخلَّ عن لهجته التصعيدية، متعهداً بالتعاون معهم في بعض الملفات، وفي الوقت نفسه ملوحاً باستخدام حق النقض ضد التشريعات التي يراها غير مقبولة.
ويكشف هذا الموقف عن صعوبة المرحلة المقبلة، إذ سيكون على ترامب التعامل مع كونغرس معارض، في وقت لا يزال فيه يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية والأمن القومي، ما قد يدفع الخلاف بين السلطتين إلى مستويات غير مسبوقة.
انتخابات تعيد رسم المشهد الأميركي
تأتي انتخابات التجديد النصفي في منتصف الولاية الرئاسية، وتشكل عادة اختباراً شعبياً لأداء الإدارة الحاكمة، كما تحدد موازين القوى داخل الكونغرس خلال العامين التاليين. وتكتسب انتخابات عام 2026 أهمية إضافية بسبب تصاعد التوترات الإقليمية، والجدل بشأن الحرب مع إيران، والضغوط الاقتصادية الداخلية، فضلاً عن الانقسام الحاد حول صلاحيات الرئيس وحدود الرقابة التشريعية.