السيادة في صدارة المباحثات
في توقيت تتزايد فيه التعقيدات السياسية والأمنية في اليمن، حمل الاتصال الهاتفي بين الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي رسائل تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، مع تأكيد بيروت رفض أي تدخل في الشؤون الداخلية اليمنية، سواء من أفراد أو مجموعات، والتشديد على ضرورة احترام سيادة الدولة وأمنها واستقرارها.
ويكتسب الموقف اللبناني أهمية سياسية في ظل استمرار الانقسام اليمني وتعدد مراكز النفوذ المسلح، وما يرافق ذلك من تحديات أمام مؤسسات الدولة في بسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية. كما يعيد الاتصال تسليط الضوء على إشكالية التدخلات الخارجية في النزاعات الداخلية، وما يمكن أن تتركه من تداعيات على وحدة الدول واستقلال قراراتها السياسية والأمنية.
ولا ينفصل هذا الموقف عن التجربة اللبنانية نفسها، حيث لا تزال مسألة حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وبسط سلطة الدولة تشكل أحد أبرز الملفات السياسية والأمنية في البلاد.
رسالة لبنانية واضحة
خلال الاتصال الذي جرى الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026، أكد عون للعليمي حرص لبنان على سيادة الجمهورية اليمنية، ورفضه تدخل أي أفراد أو مجموعات في شؤونها الداخلية، أو القيام بأنشطة من شأنها المساس بأمنها واستقرارها وسلامة أبنائها.
وشدد الرئيس اللبناني على تضامن بلاده مع الشعب اليمني، معرباً عن تطلعه إلى استعادة الأمن والاستقرار والازدهار، وتعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء المعاناة التي يعيشها اليمنيون.
من جهته، أعرب العليمي عن تقديره للموقف اللبناني، معتبراً أن تضامن بيروت مع بلاده يعكس أهمية العلاقات الثنائية، وموجهاً تمنياته للبنان بمزيد من الأمن والاستقرار والتقدم.
وتعكس هذه المواقف تقاطعاً في الخطاب السياسي للبلدين بشأن ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة، والحد من تعدد القوى المسلحة ومراكز القرار خارج الأطر الرسمية.
العليمي يربط الملفين اللبناني واليمني
في موازاة تأكيد عون موقف لبنان من التطورات اليمنية، حمل رد العليمي دلالة سياسية إضافية، إذ أعرب عن تضامن بلاده مع لبنان ودعم جهود بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية.
ويكشف هذا التقاطع عن محاولة لتعزيز خطاب سيادي مشترك، يقوم على اعتبار استقرار الدول مرتبطاً بقدرة مؤسساتها الرسمية على ممارسة صلاحياتها، بعيداً عن نفوذ الجماعات المسلحة والتدخلات التي تقيد استقلال القرار الوطني.
كما اتفق الجانبان على مواصلة التشاور والتنسيق في المحافل العربية والدولية، بما يخدم مصالح البلدين ويدعم أمن المنطقة واستقرارها.
لكن ترجمة هذه المواقف إلى نتائج عملية تبقى مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات السياسية والأمنية في البلدين على تجاوز الانقسامات الداخلية، ومعالجة الملفات التي تعيق استعادة سلطة الدولة.
التدخلات الخارجية وتعقيد الأزمة
لا يمكن فصل الأزمة اليمنية عن شبكة التدخلات الإقليمية والدولية التي أسهمت في تعقيد مسارها السياسي والعسكري، إذ تحولت البلاد خلال سنوات الصراع إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة، الأمر الذي أضعف فرص التسوية وأطال أمد المعاناة الإنسانية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الموقف الرافض للتدخل في الشؤون الداخلية، خصوصاً أن استمرار توظيف النزاعات المحلية لخدمة حسابات خارجية يهدد استقلال القرار الوطني ويزيد من صعوبة إعادة بناء المؤسسات.
وتتضاعف خطورة هذه التدخلات عندما تقترن باستخدام القوة العسكرية أو دعم أطراف مسلحة أو فرض وقائع ميدانية تتجاوز إرادة المؤسسات الوطنية، بما قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع وتقويض فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.
ومن منظور أوسع، فإن احترام سيادة الدول لا يمكن أن يكون انتقائياً أو مرتبطاً بطبيعة التحالفات السياسية، بل ينبغي أن يشكل قاعدة ثابتة في التعامل مع الأزمات الإقليمية، بما يشمل رفض الاعتداءات العسكرية والانتهاكات التي تمس أراضي الدول وحقوق شعوبها.
اختبار حقيقي لسلطة الدولة
تواجه اليمن تحدياً أساسياً يتمثل في استعادة مؤسسات الدولة لدورها، في ظل استمرار المواجهة بين السلطات اليمنية وجماعة أنصار الله، وتعدد القوى العسكرية والسياسية المؤثرة في المشهد الداخلي.
ولا يقتصر هذا التحدي على الجانب الأمني، بل يمتد إلى إعادة توحيد المؤسسات، واستعادة الخدمات، وتوفير بيئة سياسية تسمح بمشاركة مختلف المكونات اليمنية ضمن إطار وطني جامع.
وفي المقابل، فإن أي مقاربة تركز على الحل العسكري وحده، من دون معالجة جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قد تعيد إنتاج الصراع بأشكال مختلفة.
لذلك، فإن تأكيد العليمي على دعم لبنان في مسألة حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، مقابل موقف عون الرافض للتدخل في اليمن، يعكس رغبة في تقديم مفهوم السيادة باعتباره مدخلاً أساسياً لاستعادة الاستقرار، وليس مجرد شعار سياسي في العلاقات الدبلوماسية.
أزمة يمنية مفتوحة
يعيش اليمن منذ سنوات أزمة سياسية وعسكرية معقدة، تفاقمت مع سيطرة جماعة أنصار الله على صنعاء عام 2014، وتدخل التحالف بقيادة السعودية عسكرياً عام 2015، لتدخل البلاد في مرحلة طويلة من المواجهات والانقسامات.
وأدى استمرار الصراع إلى تعدد مراكز السيطرة والنفوذ، وتراجع مؤسسات الدولة، وتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، فيما لا تزال الجهود السياسية تواجه صعوبات في التوصل إلى تسوية شاملة تضمن وحدة البلاد واستقرارها.
وفي لبنان، تتقاطع بعض أوجه الأزمة مع النقاش المستمر حول دور الدولة ومؤسساتها في إدارة الملف الأمني، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وسط خلافات سياسية بشأن آليات تنفيذ هذا المسار.