عودة مؤجلة منذ 2019
تتواصل عمليات إعادة نازحي رأس العين وريفها من محافظة الحسكة، مع انطلاق القافلة السابعة التي تضم 847 عائلة باتجاه مناطقها الأصلية، في خطوة تعيد فتح واحد من أكثر ملفات النزوح تعقيداً في شمال شرقي سوريا، بعد نحو سبع سنوات على مغادرة آلاف السكان منازلهم إثر العملية العسكرية التركية عام 2019، وما رافقها من تغيرات ميدانية وسكانية واسعة.
ورغم أن تسيير القوافل المتتالية يمثل تطوراً إيجابياً باتجاه إنهاء معاناة النازحين، فإن عودة العائلات لا تزال محاطة بتحديات تتجاوز توفير وسائل النقل وتنظيم الوصول إلى القرى. فالقضية ترتبط بمدى توافر الأمن، وضمان استعادة الممتلكات، ومنع الانتهاكات، ومعالجة الآثار التي خلفتها سنوات النزوح والتغيرات التي شهدتها المنطقة، فضلاً عن ضمان حق جميع السكان في العودة دون تمييز.
وتكتسب القافلة السابعة أهمية إضافية بالنظر إلى عدد العائلات المستفيدة منها، إذ من المقرر تنفيذ عملية العودة على دفعتين، الأربعاء والخميس، لتشمل نحو 75 قرية في أرياف رأس العين وزركان وتل تمر، وسط استعدادات لإطلاق قافلة تاسعة خلال الأسبوع المقبل تضم قرابة ألف عائلة.
847 عائلة في طريق العودة
وبحسب المعطيات المعلنة، تضم القافلة السابعة 847 عائلة، تتوزع عمليات إعادتها على مرحلتين، فيما تتولى الجهات المعنية واللجان المشرفة تنظيم عملية النقل ومتابعة وصول العائلات إلى مناطقها الأصلية.
وقال عضو مجلس الشعب ياسر منصور إن المجلس يتابع إجراءات العودة بهدف التأكد من وصول النازحين إلى قراهم بأمان، مشيراً إلى أن الدفعة الأولى تضم نحو 370 عائلة، على أن تستكمل الدفعة الثانية الخميس.
من جهته، أوضح معاون قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، محمود خليل، أن العائلات المستهدفة ستعود إلى مناطق إقامتها الأصلية في أرياف رأس العين وزركان وتل تمر، لافتاً إلى أن القافلة التاسعة ستنطلق خلال الأسبوع المقبل، مع توقعات بضم نحو ألف عائلة.
وتأتي هذه التحركات استكمالاً لسلسلة من ست قوافل سابقة انطلقت منذ آب الماضي، في إطار مساعٍ لإعادة السكان الذين توزعوا خلال سنوات النزوح بين المخيمات ومراكز الإيواء والمدارس والتجمعات السكنية في محافظة الحسكة.
عودة تدريجية
وتشمل المناطق المستهدفة بالعودة عشرات القرى، من بينها جان تمر والعريشة والمناجير وخربة جمو وعلوك الشرقية وعلوك الغربية والدردارة وكوع شلاه وقطينة وتل خنزير ونداس والداودية وتل حلف وعنيق الهوى.
وكانت القافلة السادسة قد أعادت نحو 640 عائلة، بلغ عدد أفرادها 4054 شخصاً، فيما ضمت القافلة الخامسة 385 عائلة، والرابعة نحو 518 عائلة، والثالثة 511 عائلة.
أما القافلتان الأولى والثانية، اللتان انطلقتا في آب وأيلول الماضيين، فضمتا نحو 400 و689 عائلة على التوالي.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق عمليات العودة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أساسياً بشأن عدد العائلات التي لا تزال خارج مناطقها الأصلية، ومدى قدرة الجهات المعنية على استكمال عودتها بصورة تضمن عدم تعرضها لمخاطر جديدة.
إرث العملية العسكرية التركية
تعود جذور أزمة النزوح في رأس العين إلى تشرين الأول 2019، عندما أطلقت تركيا عملية عسكرية في شمال شرقي سوريا، انتهت بسيطرة فصائل من الجيش الوطني السوري المدعوم من أنقرة على المدينة ومناطق واسعة من ريفها.
وأدت العملية العسكرية والتطورات التي أعقبتها إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم والتوجه نحو الحسكة ومناطق أخرى، وسط مخاوف أمنية واتهامات بانتهاكات طاولت المدنيين وممتلكاتهم.
ولم تتوقف تداعيات تلك المرحلة عند موجة النزوح الأولى، بل امتدت إلى السنوات اللاحقة، مع استمرار تعقيدات العودة وظهور مشكلات تتعلق بالممتلكات والحقوق السكنية والأوضاع الأمنية، فضلاً عن التغيرات التي طرأت على التركيبة السكانية في بعض المناطق.
ومن هنا، فإن مسؤولية معالجة هذا الملف لا تقتصر على إعادة نقل العائلات، بل تتطلب أيضاً التعامل مع الأسباب التي دفعتها إلى مغادرة منازلها، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المثبتة، وضمان عدم تحول العودة إلى عملية شكلية لا تعالج جذور الأزمة.
مخاوف من تغيّر التركيبة السكانية
ورغم انطلاق القوافل، لا تزال عائلات أخرى تنتظر تهيئة الظروف المناسبة للعودة، خصوصاً إلى مدينة رأس العين نفسها، في ظل حساسيات اجتماعية وقومية مرتبطة بالتغيرات السكانية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وبحسب الناشط الإعلامي محمد الأحمد، فإن العائلات العربية شكلت النسبة الأكبر من العائدين في القوافل السابقة، مقابل أعداد محدودة من العائلات الكردية، مشيراً إلى أن عودة بقية السكان تحتاج إلى ضمانات أمنية واجتماعية تمنع وقوع احتكاكات أو توترات.
ولفت الأحمد إلى أن عمليات العودة لم تشمل حتى الآن مركز مدينة رأس العين، معتبراً أن تجنب إدراج المدينة ضمن القوافل الحالية يرتبط بمخاوف من تكرار الاحتكاكات التي رافقت القافلة الأولى.
وتكشف هذه المعطيات عن جانب بالغ الحساسية في الملف، إذ لا يمكن اعتبار عودة بعض العائلات دليلاً على انتهاء أزمة النزوح، طالما أن عائلات أخرى لا تزال عاجزة عن استعادة حقها في العودة إلى منازلها.
كما أن أي عملية عودة لا تراعي التعدد القومي والاجتماعي للمدينة، ولا تضمن حقوق جميع سكانها، قد تؤدي إلى تكريس اختلالات قائمة بدلاً من معالجتها.
انتهاكات تفرض معالجة شاملة
إن استمرار آثار العملية العسكرية التركية وما أعقبها من سيطرة فصائل مسلحة على رأس العين يضع ملف الانتهاكات والحقوق العقارية في صلب أي تسوية مستدامة.
فالمسألة لا تتعلق فقط بإعادة العائلات إلى قراها، وإنما بضمان قدرتها على السكن في منازلها واستعادة أراضيها وممتلكاتها، بعيداً عن التهديد أو الاستيلاء أو أي شكل من أشكال التمييز.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين العودة الجغرافية والعودة الفعلية؛ فالأولى تتحقق بوصول العائلات إلى مناطقها، أما الثانية فتتطلب توافر الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية، إلى جانب ضمان عدم تعرض العائدين للضغوط أو الانتقام أو الاعتداء على حقوقهم.
وفي هذا السياق، فإن الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف السيطرة السابقة، وما خلفته من آثار إنسانية واجتماعية، تستوجب معالجة قانونية ومؤسساتية تضمن حقوق المتضررين، بدلاً من الاكتفاء بتنظيم قوافل العودة وإعلان أعداد العائلات التي جرى نقلها.
اتفاق دمشق و«قسد» يفتح الباب
وتزامنت عمليات العودة مع التحولات التي شهدتها خريطة السيطرة في محافظة الحسكة منذ مطلع عام 2026، عقب المعارك التي أدت إلى سيطرة الجيش السوري على مناطق في الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، وانكفاء قوات سوريا الديمقراطية «قسد» إلى المدن الرئيسية، ومنها الحسكة والقامشلي.
وفي 29 كانون الثاني الماضي، توصلت الحكومة السورية و«قسد» إلى اتفاق نص على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة ووزاراتها.
وتفتح هذه الترتيبات المجال أمام إعادة تنظيم الإدارة والأجهزة الأمنية والخدمات في المناطق التي شهدت تغيرات في السيطرة، كما تضع ملف النازحين أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة المؤسسات المعنية على توفير ضمانات حقيقية لعودة السكان.
ولا تقتصر أهمية هذه المرحلة على إنهاء حالة الانقسام الإداري والأمني، بل تمتد إلى ضرورة معالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها حقوق الملكية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتأمين الخدمات، وتوفير بيئة تمنع تجدد النزوح.
نزوح بدأ قبل سبع سنوات
شهدت رأس العين ومحيطها موجة نزوح واسعة في تشرين الأول 2019، عقب العملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا، وسيطرة فصائل الجيش الوطني السوري المدعومة من أنقرة على المدينة ومناطق من ريفها.
وتوزعت العائلات النازحة على مخيمات ومراكز إيواء ومدارس في محافظة الحسكة، فيما استمرت معاناتها لسنوات نتيجة تعذر العودة إلى مناطقها الأصلية.
وشهدت المنطقة لاحقاً تغيرات في السيطرة والإدارة، كما طُرحت ملفات إعادة السكان إلى مناطقهم في سياق التفاهمات السياسية والأمنية المتعاقبة.
وسبق أن شهدت محافظة الحسكة أيضاً عودة دفعات من نازحي عفرين إلى مناطقهم الأصلية، بالتوازي مع عمليات إعادة نازحي رأس العين.