عبدول السيد.. رحلة طبيب مصري الأصل إلى قلب السياسة الأميركية

2026.11.04 - 11:43
Facebook Share
طباعة

من عالم الطب والصحة العامة إلى قلب المعركة السياسية الأميركية، شق عبدول السيد طريقه نحو مجلس الشيوخ بعد سنوات من العمل الحكومي والمحاولات الانتخابية، ليصبح أحد أبرز الوجوه التقدمية في ولاية ميشيغان، وخصماً سياسياً للرئيس دونالد ترامب الذي صعّد هجومه عليه خلال الحملة الانتخابية.

لم يقتصر الاهتمام بفوز السيد على كونه أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأميركي، وفق المعطيات الواردة في التقارير، بل امتد إلى دلالات انتصاره على الجمهوري مايك روجرز، وما يحمله من مؤشرات بشأن قدرة التيار التقدمي على المنافسة في الولايات المتأرجحة، وتجاوز نفوذ المؤسسات التقليدية داخل الحزب الديمقراطي.

 

في المقابل، اتخذ ترامب من المنافسة ساحة لمهاجمة السيد، مستهدفاً اسمه وأصوله المصرية وهويته الدينية ومواقفه من إسرائيل، ومطلقاً اتهامات بالتطرف والإرهاب من دون تقديم أدلة تثبتها. وأثارت هذه التصريحات انتقادات في أوساط سياسية وعربية أميركية، خصوصاً أن بعض هذه الأوساط سبق أن ساندت ترامب في انتخابات 2024.

ووفق وكالة «أسوشيتد برس»، وصف ترامب السيد خلال تجمع انتخابي في مدينة بورت هورون بولاية ميشيغان، في 25 أكتوبر/تشرين الأول، بأنه «جهادي»، وشكك في ولائه للولايات المتحدة. ورد المرشح الديمقراطي بأن الهجمات تستهدف هويته الدينية لصرف الأنظار عن الأوضاع الاقتصادية وتداعيات سياسات الإدارة.

تكتسب المواجهة أهمية إضافية بالنظر إلى مسيرة السيد، الذي لم ينطلق من عائلة سياسية نافذة أو مناصب انتخابية سابقة، بل بنى حضوره عبر الجامعات ومؤسسات الصحة العامة، قبل أن يؤسس قاعدة جماهيرية ضمت الشباب والعمال والناشطين.

 

من جذور مصرية إلى السياسة الأميركية

 

ولد عبد الرحمن محمد السيد، المعروف سياسياً باسم عبدول السيد (Abdul El-Sayed)، في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1984 بمدينة روتشستر هيلز في ولاية ميشيغان، لوالدين من أصول مصرية. انفصل والداه عندما كان في الثالثة من عمره، فنشأ مع والده محمد السيد، المهندس الذي هاجر من الإسكندرية إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراساته العليا في جامعة واين ستيت، وزوجة والده جاكلين.

نشأ السيد في بيئة جمعت بين الجذور المصرية والثقافة الأميركية، وقضى طفولته وشبابه في ضواحي ديترويت، حيث درس في المدارس المحلية، وبرز في الأنشطة الرياضية، وتولى قيادة فرق كرة القدم الأميركية والمصارعة واللاكروس، قبل أن يتجه إلى دراسة العلوم والطب.

 

تشير سيرته التي وثقتها جامعة كولومبيا إلى أن والده غادر مصر في سياق سياسي اتسم بالتوتر مع السلطة، حاملاً اهتماماً بقضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهي قضايا تركت أثراً في تكوين ابنه الفكري والسياسي.

شكلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 محطة مؤثرة في وعي السيد بهويته، إذ تحدث في مقابلة مع مجلة جامعة كولومبيا عن تعرضه لمضايقات بسبب أصوله العربية عقب الهجمات، ما دفعه إلى التفكير في العلاقة بين الانتماء الديني والعرقي وفرص الاندماج داخل المجتمع الأميركي.

 

تعيد الهجمات التي تعرض لها السيد بسبب اسمه وهويته فتح النقاش بشأن المواطنة والتمييز وحدود قبول الاختلاف الديني والثقافي في الولايات المتحدة، وهي قضايا رافقته منذ شبابه.

 

الطبيب الذي اتجه إلى العمل العام

 

بدأ السيد مسيرته الأكاديمية في جامعة ميشيغان، حيث درس الأحياء والعلوم السياسية وتخرج عام 2007، قبل حصوله على منحة «رودس» لمتابعة دراساته في جامعة أكسفورد البريطانية، ونيل درجة الدكتوراه في الصحة العامة.

عاد لاحقاً إلى الولايات المتحدة، وحصل على شهادة الطب من جامعة كولومبيا عام 2014، وعمل أستاذاً مساعداً في علم الأوبئة. لكنه لم يتجه إلى ممارسة الطب التقليدي، بل اختار العمل في مجال الصحة العامة وإدارة السياسات الصحية.

 

وبحسب تحقيق نشرته منصة «بوليتي فاكت» في أكتوبر/تشرين الأول 2026، يحمل السيد شهادة في الطب، لكنه لم يكمل برنامج الإقامة الطبية ولم يحصل على ترخيص لممارسة الطب بصورة مستقلة.

في عام 2015، تولى إدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت، وهو في الثلاثين من عمره، ليصبح من أصغر المسؤولين الذين شغلوا هذا المنصب في مدينة أميركية كبرى.

 

ارتبط عمله في ديترويت بإعادة بناء الخدمات الصحية عقب أزمة إفلاس المدينة، والتعامل مع قضايا تلوث المياه والرصاص، وتحسين صحة الأطفال والحد من أضرار تعاطي المخدرات.

عاد إلى العمل الحكومي خلال الفترة بين عامي 2022 و2025، عندما تولى إدارة الخدمات الصحية والإنسانية وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة واين، قبل استقالته لخوض انتخابات مجلس الشيوخ.

أسهمت هذه التجارب في تشكيل خطابه السياسي، القائم على أن صحة المواطنين لا ترتبط بالخدمات الطبية وحدها، بل تتأثر أيضاً بالفقر والسكن والتعليم ومستويات الدخل والسياسات الحكومية.

 

من هزيمة 2018 إلى المنافسة على الشيوخ

 

كانت محاولة السيد الأولى لدخول المشهد السياسي عبر الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان عام 2018، عندما ترشح لمنصب الحاكم بدعم من شخصيات تقدمية بارزة، بينها السيناتور بيرني ساندرز.

لكن حملته انتهت بهزيمة أمام غريتشن ويتمر، بفارق تجاوز عشرين نقطة مئوية، ما أبعده عن المنافسة الانتخابية المباشرة لسنوات.

 

خلال تلك الفترة، اتجه إلى الإعلام والكتابة، وأطلق بودكاست «أمريكا ديسكتد» المتخصص في قضايا الصحة والسياسات العامة، كما أصدر كتباً تناولت إصلاح النظام الصحي والعدالة الاجتماعية، من بينها «السياسة الشافية» و«ميديكير للجميع: دليل المواطن».

ساعده نشاطه الإعلامي على بناء قاعدة جماهيرية خارج الأطر التقليدية للحزب الديمقراطي، خصوصاً بين الشباب والناشطين المطالبين بتوسيع الرعاية الصحية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

جاءت فرصته الانتخابية الجديدة في أبريل/نيسان 2025، عقب إعلان السيناتور الديمقراطي غاري بيترز عدم الترشح مجدداً، ما فتح الباب أمام المنافسة على مقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ.

بدأ السيد حملته بفريق يضم أربعة أشخاص، قبل أن تتحول إلى واحدة من الحملات التقدمية البارزة في الولاية. وبحسب أرقام نقلتها «أسوشيتد برس» عن حملته، زار 110 مدن، ونظم أكثر من 500 فعالية انتخابية، واستقطب نحو 12 ألف متطوع، معتمداً على اللقاءات المباشرة والمنصات الرقمية والبودكاست.

 

في الرابع من أغسطس/آب 2026، حقق فوزاً في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية على النائبة هايلي ستيفنز، المدعومة من شخصيات بارزة في قيادة الحزب، بفارق 14,893 صوتاً، أي أقل من نقطة مئوية واحدة.

اكتسب الفوز أهمية إضافية بسبب حجم الإنفاق الذي استهدف حملته، إذ تجاوزت نفقات المجموعات الخارجية المؤيدة لمنافسته 60 مليون دولار، بينها أكثر من 30 مليون دولار من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» وجهات مرتبطة بها، وفق «أسوشيتد برس».

 

اعتبر بيرني ساندرز النتيجة انتصاراً للتيار التقدمي، ومؤشراً إلى إمكانية تحدي المؤسسة الحزبية ونفوذ المال السياسي في الانتخابات.

انتقل السيد بذلك من مرشح خسر سباقاً انتخابياً عام 2018 إلى أحد أبرز الوجوه في النقاش بشأن مستقبل الحزب الديمقراطي، وقدرته على استعادة الناخبين عبر خطاب اقتصادي أكثر يسارية ومواقف سياسية مستقلة.

 

ترامب يحوّل المنافسة إلى مواجهة شخصية

 

تصاعدت المواجهة بين السيد وترامب مع تحول ميشيغان إلى إحدى ساحات التنافس على الأغلبية في الكونغرس. ويمثل المرشح الديمقراطي توجهاً سياسياً يختلف عن سياسات الرئيس في ملفات الرعاية الصحية والهجرة والتدخلات العسكرية والرسوم الجمركية.

يدافع السيد عن توسيع الرعاية الصحية الحكومية، وينتقد تشديد سياسات الهجرة، ويعارض الرسوم الجمركية التي يرى أنها تزيد الأعباء على العمال والمستهلكين. في المقابل، دعم ترامب المرشح الجمهوري مايك روجرز، عضو مجلس النواب السابق ورئيس لجنة الاستخبارات فيه، في محاولته انتزاع المقعد من الديمقراطيين.

 

تجاوز الهجوم الرئاسي حدود الخلاف السياسي، إذ وصف ترامب السيد في أكتوبر/تشرين الأول بأنه «متطرف» و«متعاطف مع الإرهاب»، كما تعمد الإشارة إليه باسم «محمد» بدلاً من اسمه المعروف.

خلال تجمع انتخابي في بورت هورون يوم 25 أكتوبر، اتهمه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، ووصفه بأنه «جهادي»، مستحضراً هجمات 11 سبتمبر للتشكيك في أهليته لتولي عضوية مجلس الشيوخ.

أثارت هذه التصريحات انتقادات، في ظل عدم تقديم حملة ترامب أدلة تثبت انتماء السيد إلى الجماعة أو ارتباطه بأي نشاط إرهابي.

 

ورد السيد بأن الرئيس يستخدم هويته الدينية لإثارة مخاوف الناخبين وصرف الانتباه عن ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة. وفي تصريحات نقلتها شبكة «سي بي إس نيوز»، سخر من تركيز ترامب على اسمه، قائلاً إن بإمكان الرئيس مناداته بلقب «سيناتور» بعد الانتخابات.

أعادت المواجهة إلى الواجهة نقاشاً أوسع بشأن موقع المسلمين والعرب الأميركيين في الحياة السياسية، وتأثير الخطاب الديني والعرقي في الحملات الانتخابية.

 

غزة وإسرائيل.. خلاف يتجاوز الحزبين

 

لم تقتصر الخلافات السياسية التي خاضها السيد على الجمهوريين، بل امتدت إلى داخل الحزب الديمقراطي، خصوصاً بشأن إسرائيل والحرب على قطاع غزة.

تبنى السيد موقفاً معارضاً لاستمرار المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، ودعا إلى توجيه مزيد من الأموال الفيدرالية نحو الرعاية الصحية وتحسين الظروف الاقتصادية للأميركيين.

 

كما انتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وربط بين السياسة الخارجية الأميركية والضغوط الاقتصادية الداخلية، في خطاب استقطب قطاعات من الشباب والتقدميين والعرب والمسلمين.

في المقابل، أثارت مواقفه اعتراضات داخل الحزب، خصوصاً لدى مؤيدي إسرائيل، الذين اعتبروا بعض تصريحاته غير متوازنة ومثيرة للقلق.

 

تفاقم الجدل عقب هجوم استهدف كنيساً يهودياً في منطقة ديترويت، عندما تحدث السيد عن دورة العنف وآثار الصدمات النفسية. واعتبر منتقدوه أن صياغة تصريحاته قد تُفهم باعتبارها تبريراً للهجوم، فيما اعتذر لاحقاً عن الأذى الذي تسببت فيه كلماته، مؤكداً أنه لم يقصد تبرير العنف.

كما تعرض لانتقادات بسبب علاقته بصانع المحتوى السياسي حسن بيكر، المعروف بمواقفه الحادة تجاه إسرائيل.

 

بلغ الخلاف ذروته قبل يومين من الانتخابات، عندما أعلنت هايلي ستيفنز، منافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية، سحب تأييدها له ودعم المرشح الجمهوري مايك روجرز.

ونأى السيد بحملته عن إعلان ستيفنز، مؤكداً أنها لا تتحمل مسؤولية قرارها، لكن موقفها أضاف مزيداً من الانقسام إلى المشهد الديمقراطي في الولاية.

 

ميشيغان ومعادلة الناخبين العرب والمسلمين

 

تكتسب ميشيغان أهمية انتخابية خاصة بسبب ثقلها الصناعي وتنوعها السكاني، إلى جانب وجود تجمعات عربية ومسلمة كبيرة، خصوصاً في مدينة ديربورن وضواحي ديترويت.

خلال الانتخابات الرئاسية عام 2024، استفاد ترامب من استياء قطاعات من الناخبين العرب والمسلمين تجاه تعامل إدارة جو بايدن مع الحرب في غزة، وحقق مكاسب داخل مجتمعات كانت تاريخياً أقرب إلى الحزب الديمقراطي.

لكن هجمات ترامب على السيد أعادت التوتر إلى العلاقة بين الرئيس وبعض الشخصيات العربية الأميركية التي سبق أن دعمته.

 

نقلت «أسوشيتد برس» عن بشارة بحبح، مؤسس مجموعة «عرب أميركيون من أجل ترامب»، التي تغير اسمها لاحقاً إلى «عرب أميركيون من أجل السلام»، إدانته تصريحات الرئيس ضد السيد، واعتباره أنها تنطوي على خطاب عنصري غير مقبول.

تكشف هذه التطورات عن تعقيدات المشهد الانتخابي في ميشيغان، حيث تتداخل المواقف من الحرب على غزة والسياسات الاقتصادية والهوية الدينية مع الحسابات الحزبية، بما يجعل أصوات العرب والمسلمين إحدى القضايا الحاضرة في المنافسة السياسية.

 

مشروع السيد السياسي

 

يرتكز برنامج عبدول السيد على ثلاثة محاور رئيسية: الحد من تأثير المال السياسي في الانتخابات، وتحسين القدرة الشرائية للأسر الأميركية، وتوسيع نطاق التأمين الصحي وصولاً إلى تغطية شاملة.

ينتقد السيد نفوذ الشركات الكبرى وجماعات الضغط، ويدعو إلى توجيه الإنفاق الحكومي نحو الخدمات الاجتماعية، مع تعزيز دور الدولة في توفير الرعاية الصحية وحماية الفئات الأقل دخلاً.

 

كما يطالب بتشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا الكبرى ومراكز البيانات، ومراجعة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على حماية العمال والمستهلكين من التداعيات المحتملة لهذه التحولات.

أما في السياسة الخارجية، فيتبنى توجهاً معارضاً للتوسع في التدخلات العسكرية الأميركية، ويدعو إلى الحد من الدعم العسكري غير المشروط للحلفاء، بما في ذلك إسرائيل.

 

بين خلفيته الطبية وأصوله المصرية ومواقفه التقدمية، يقدم السيد نموذجاً سياسياً يجمع بين قضايا العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية والسياسة الخارجية. أما مواجهته مع ترامب، فقد تجاوزت حدود التنافس على مقعد في مجلس الشيوخ، لتفتح نقاشاً بشأن الهوية والتنوع وحدود الخطاب السياسي في الولايات المتحدة.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 3

اقرأ أيضاً