يستعد الحزب الديمقراطي لاستخدام الأغلبية التي حققها في مجلس الشيوخ، والتقدم الذي يقترب من حسمه في مجلس النواب، لفتح جبهة رقابية واسعة ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإدارته، في مواجهة يُتوقع أن تتجاوز تعطيل التشريعات والسياسات الحكومية إلى التحقيق في المصالح المالية للرئيس وعائلته، والحرب على إيران، وملفات الهجرة، وقضية جيفري إبستين، وصولاً إلى أداء وزارة العدل والإنفاق الفدرالي.
وبحسب ما أوردته صحيفة «واشنطن بوست»، لم ينتظر الديمقراطيون انتهاء الانتخابات النصفية للبدء في التحضير لهذه المواجهة، إذ عمل أعضاء بارزون في لجان الكونغرس خلال الأشهر الماضية على إعداد قوائم بالوثائق والشهود والمسؤولين الذين يعتزمون استدعاءهم، في حال استعاد الحزب السيطرة على اللجان التشريعية والرقابية.
وتكشف هذه الاستعدادات عن توجه لا يضع عزل ترمب في مقدمة الأولويات المعلنة، بل يركز على تفعيل صلاحيات التحقيق والاستدعاء لكشف ما إذا كانت قرارات الإدارة قد استُخدمت لخدمة مصالح مالية أو سياسية خاصة، أو تجاوزت الصلاحيات القانونية الممنوحة للسلطة التنفيذية.
أولاً: المصالح المالية لترمب وعائلته وسياسات الهجرة
تتصدر الأعمال التجارية المرتبطة بعائلة ترمب قائمة الملفات التي يسعى الديمقراطيون إلى إخضاعها للتدقيق، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، ولا سيما ما يتعلق بالتداخل بين المصالح الخاصة للرئيس وأفراد عائلته والقرارات الصادرة عن الإدارة الأمريكية.
ويعتزم النائب الديمقراطي روبرت غارسيا، العضو في لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي بمجلس النواب، الدفع باتجاه فتح تحقيقات في هذا المجال، فيما يُتوقع أن يتولى جيمي راسكين رئاسة اللجنة القضائية، حيث يركز على شبهات تضارب المصالح والرشوة واستغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة.
ومن بين القضايا المطروحة استثمارات عائلة ترمب في العملات المشفرة، والعقود الحكومية التي حصلت عليها شركات مرتبطة بأفراد منها، والتبرعات المقدمة لمشروعات الرئيس، فضلاً عن مراجعة بعض قرارات العفو الرئاسي للتحقق مما إذا كانت قد ارتبطت بمنافع مالية أو سياسية.
ويبرز في هذا السياق جاريد كوشنر، صهر ترمب ومبعوثه في ملفات الشرق الأوسط، بسبب إدارته شركة «أفينيتي بارتنرز» الاستثمارية، وما يثيره الجمع بين نشاطه الدبلوماسي ومصالحه التجارية من تساؤلات بشأن تضارب المصالح.
وكان راسكين قد طلب من كوشنر، في أغسطس/آب الماضي، تقديم وثائق تتعلق بالعلاقة بين مهامه الدبلوماسية واستثماراته الخاصة، ووسع نطاق مطالبه لتشمل صفقة عقارية تتجاوز قيمتها 120 مليون دولار في ألبانيا. كما جدد مطالبه أواخر أكتوبر/تشرين الأول، داعياً إلى ابتعاد كوشنر عن مهامه التفاوضية إلى حين اتضاح طبيعة مصالحه المالية.
ومن المتوقع أيضاً أن تشمل المراجعة العلاقات المالية لدونالد ترمب الابن مع شركات حصلت على عقود أو تمويلات حكومية. وتبقى هذه القضايا في إطار الشبهات والملفات التي يطالب الديمقراطيون بالتحقيق فيها، من دون أن يعني ذلك ثبوت مخالفات قضائياً.
أما ملف الهجرة، فيتجه الديمقراطيون إلى التركيز فيه على أداء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، المعروفة اختصاراً باسم «آيس»، وسط اتهامات باستخدام القوة المفرطة وسوء ظروف الاحتجاز، إضافة إلى حوادث وفاة مواطنين أمريكيين خلال عمليات إنفاذ قوانين الهجرة.
وتمتد التحقيقات المحتملة إلى الشركات الخاصة التي تدير مراكز احتجاز المهاجرين، والعقود الحكومية المرتبطة بتوسيع عمليات الاحتجاز والترحيل. وكان راسكين والسيناتورة إليزابيث وارن، إلى جانب عشرات المشرعين، قد طالبوا شركات مرتبطة بهذه الخطط بتقديم معلومات عن الأرباح المتوقعة والضغوط السياسية والتبرعات الانتخابية.
ثانياً: وثائق إبستين وعلاقة ترمب بالقضية
يمثل ملف رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، في ظل استمرار الجدل بشأن الوثائق التي لم تكشفها وزارة العدل، رغم نشر ملايين الصفحات المرتبطة بالقضية.
وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول، أصدر الديمقراطيون في اللجنة القضائية تقريراً تضمن اتهامات بشأن طبيعة علاقة ترمب بإبستين، وطريقة تعامل وزارة العدل مع الأدلة وشهادات الضحايا، مطالبين بتعيين محقق خاص مستقل لتولي الملف.
وينفي ترمب الاتهامات الموجهة إليه، لكن استعادة الديمقراطيين السيطرة على اللجان المختصة قد تمنحهم أدوات أوسع لمطالبة وزارة العدل بتسليم وثائق إضافية، واستدعاء مسؤولين حكوميين وممثلين عن مؤسسات مالية تعاملت مع إبستين.
ولا يستبعد أن يسعى الديمقراطيون إلى استجواب ترمب نفسه، في إطار محاولة توضيح ما يعرفه عن القضية، والوقوف على أسباب استمرار الخلاف بشأن الكشف الكامل عن الوثائق المرتبطة بها.
ثالثاً: الحرب على إيران ومحاسبة وزير الحرب
تأتي الحرب الأمريكية على إيران في مقدمة الملفات التي قد تشهد تحقيقات موسعة، خصوصاً ما يتعلق بالأساس القانوني لقرار شن العمليات العسكرية، ومدى صلاحية الرئيس في اتخاذ قرار الحرب، والكلفة المالية والعسكرية للضربات، والخسائر البشرية، والاستعدادات التي سبقتها.
وكان النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، أحد أبرز أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، قد طالب في مارس/آذار باستدعاء وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث، إلى جانب المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، للإدلاء بشهاداتهم بشأن المفاوضات التي سبقت الحرب والتحضيرات الدبلوماسية والعسكرية المرتبطة بها.
وفي يونيو/حزيران، طالب ميكس بتقديم تفاصيل مذكرة التفاهم مع إيران، وطرح تساؤلات بشأن الضمانات المتعلقة بالبرنامج النووي والعقوبات والترتيبات الأمنية ومستقبل المفاوضات بين الجانبين.
ولا تقتصر المساءلة المحتملة على قرار الحرب، إذ قد تمتد إلى إدارة هيغسيث لوزارة الدفاع، بما يشمل الإنفاق العسكري ومخزونات الذخيرة والخسائر المدنية والعقود الدفاعية. ووفقاً لما أوردته «بي بي سي»، قد تتجه بعض التحركات الديمقراطية إلى المطالبة بإقالته، على خلفية طريقة إدارته للوزارة والقرارات العسكرية التي اتخذتها الإدارة.
كما يمكن أن تشمل التحقيقات العمليات الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي والسياسة المتبعة تجاه فنزويلا، ولا سيما الضربات التي تستهدف قوارب تقول واشنطن إنها تستخدم في تهريب المخدرات، إلى جانب الاتفاقات المتعلقة بالنفط الفنزويلي.
وفي الشرق الأوسط، قد يتحول الجمع بين مهام كوشنر الدبلوماسية ومصالحه الاستثمارية إلى مدخل لمراجعة جوانب من مفاوضات الإدارة بشأن إيران وإسرائيل وقطاع غزة، وإن كانت هذه التحقيقات لا تعني بالضرورة وجود توافق داخل الحزب الديمقراطي على تغيير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
رابعاً: وزارة العدل وإعادة هيكلة المؤسسات الفدرالية
تتجه الأنظار أيضاً إلى وزارة العدل، في ظل اتهامات من خصوم ترمب باستخدام مؤسسات إنفاذ القانون لملاحقة شخصيات معارضة للرئيس أو انتقدت سياساته. ومن المتوقع أن يسعى الديمقراطيون إلى مراجعة القضايا والإجراءات التي اتخذتها الوزارة بحق شخصيات بارزة، بينها مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق جيمس كومي.
ويقول منتقدو الإدارة إن بعض هذه الملاحقات تحمل دوافع سياسية، بينما تؤكد وزارة العدل أنها تتعامل مع القضايا وفق القانون، بعيداً عن أي تدخل سياسي.
وقد تشمل التحقيقات كذلك تدخلات الإدارة في الجامعات وشركات الإعلام ومكاتب المحاماة، فضلاً عن قرارات فصل موظفين حكوميين وإغلاق برامج اتحادية وتقليص أنشطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
كما يبرز دور مبادرة الكفاءة الحكومية التي قادها إيلون ماسك في إعادة هيكلة الجهاز الفدرالي، وما رافقها من تغييرات في المؤسسات والوظائف والبرامج الحكومية.
ويعتزم الديمقراطيون التدقيق في مدى التزام الإدارة بالاعتمادات المالية التي أقرها الكونغرس، وما إذا كانت قد أوقفت تمويل برامج خصصت لها أموال بموجب القانون، من دون الحصول على موافقة السلطة التشريعية. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأنه يضع الخلاف في إطار الصلاحيات الدستورية والرقابة على الإنفاق العام، وليس فقط في سياق المواجهة الحزبية.
خامساً: الدين الفدرالي والعجز المالي
يمثل الدين الأمريكي والعجز في الموازنة ملفاً اقتصادياً آخر قد يستخدمه الديمقراطيون لمساءلة إدارة ترمب، بعدما تجاوز إجمالي الدين الفدرالي 40 تريليون دولار للمرة الأولى في أغسطس/آب الماضي، ووصل إلى نحو 40.59 تريليون دولار في 29 أكتوبر/تشرين الأول، بزيادة تقارب 2.5 تريليون دولار خلال عام واحد.
وتشير تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى أن العجز الفدرالي قد يبلغ نحو 1.9 تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، مع توقع ارتفاع الدين الذي يحمله الجمهور من 101% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 120% بحلول عام 2036.
كما قدرت المؤسسة أن التغييرات التشريعية التي أقرت منذ بداية عام 2025 ستضيف نحو 3.4 تريليونات دولار إلى العجز المتوقع خلال السنوات العشر المقبلة.
وفي ضوء هذه الأرقام، قد يركز الديمقراطيون على تداعيات التخفيضات الضريبية والإنفاق العسكري وسياسات الرسوم الجمركية على المديونية العامة، مع إمكانية استدعاء مسؤولي وزارة الخزانة والإدارة المالية لتقديم تفسيرات بشأن مسار الدين والعجز.
لكن هذا الملف لا يخلو من تعقيدات سياسية، إذ إن تراكم الدين الفدرالي يعود إلى سياسات اتبعتها إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة، ولا يملك الحزب الديمقراطي حتى الآن خطة موحدة لمعالجة المديونية.
وتزداد حساسية القضية مع اقتراب الدين من سقف الاقتراض القانوني البالغ 41.1 تريليون دولار، وسط توقعات مكتب الموازنة ببلوغ هذا الحد خلال عام 2027، وهو ما قد يضع الكونغرس الجديد أمام مواجهة مبكرة مع البيت الأبيض بشأن رفع سقف الدين وشروط الإنفاق الحكومي.
العزل مطروح.. لكنه ليس الأولوية
على الرغم من تعدد الملفات التي يعتزم الديمقراطيون فتحها، يبقى احتمال إطلاق إجراءات لعزل ترمب أحد أكثر السيناريوهات إثارة للجدل داخل الحزب، من دون أن يكون أولوية معلنة لقيادته في المرحلة الحالية.
وأكد زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز أن الحزب لم يستبعد استخدام أي من الأدوات التي يمنحها الدستور للكونغرس، لكنه لم يعلن التزاماً ببدء إجراءات عزل جديدة.
وتسمح الأغلبية البسيطة في مجلس النواب بتوجيه اتهامات رسمية تمهد لعزل الرئيس أو مسؤولين آخرين، غير أن إدانة الرئيس وعزله فعلياً تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين، وهو شرط يصعب تحقيقه في ظل الانقسام الحزبي.
وتختلف قدرة الديمقراطيين على ممارسة الضغط بحسب حجم الأغلبية التي سيحصلون عليها. فاستعادة مجلس النواب وحده تمنحهم السيطرة على لجانه، وفتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، وتعطيل أو تعديل مسار التشريعات التي يدعمها الجمهوريون. أما السيطرة على مجلس الشيوخ أيضاً، فستتيح لهم التأثير في المصادقة على التعيينات القضائية والتنفيذية التي يطرحها ترمب.
ومع ذلك، لن تعني السيطرة على المجلسين امتلاك الديمقراطيين القدرة على تمرير برنامجهم التشريعي كاملاً، إذ يحتفظ الرئيس بحق النقض، كما تتطلب غالبية التشريعات العادية في مجلس الشيوخ تأمين 60 صوتاً لتجاوز التعطيل الإجرائي.
وفي مقابلة نُشرت مقتطفات منها الأحد الماضي، لوّح ترمب باستخدام حق النقض بكثافة في حال خسر الجمهوريون السيطرة على الكونغرس، قائلاً إنه قد يتحول إلى «السيد فيتو»، قبل أن يضطر الطرفان في نهاية المطاف إلى التوصل لتفاهمات.
وفي المقابل، يستعد البيت الأبيض لمواجهة مرحلة رقابية أكثر صعوبة، من خلال وضع خطط لمواصلة تنفيذ سياساته عبر الصلاحيات التنفيذية، والاستعداد لطلبات الوثائق والاستدعاءات التي قد تصدر عن لجان الكونغرس.
وبذلك، قد تؤدي نتائج الانتخابات النصفية إلى إعادة تفعيل الدور الرقابي للكونغرس، الذي تراجع خلال فترة سيطرة الجمهوريين على المجلسين، لكنها لن تمنح الديمقراطيين سلطة مطلقة لتغيير توجهات الإدارة الأمريكية.
وسيكون التحدي الأساسي أمام الحزب هو تحويل الملفات الخمسة من أدوات للمواجهة السياسية إلى تحقيقات تستند إلى أدلة ووثائق قابلة للمساءلة، مع ربط نتائجها بالقضايا التي تشغل الناخبين، وفي مقدمتها تكاليف المعيشة والرعاية الصحية والإنفاق العام، قبل انتقال المنافسة إلى الاستحقاق الرئاسي لعام 2028.