من تكساس إلى كانساس رجال دين يقودون التحول الديمقراطي

2026.11.04 - 09:12
Facebook Share
طباعة

 حقق المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو فوزاً تاريخياً في انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية تكساس، بعدما تغلب على المدعي العام الجمهوري كين باكستون، المدعوم من الرئيس دونالد ترامب، لينهي بذلك غياب الديمقراطيين عن الفوز بمقعد الولاية في المجلس منذ عام 1988.

ولا تقتصر أهمية النتيجة على التغيير في التمثيل السياسي للولاية، التي تعد من أبرز معاقل الجمهوريين، بل تمتد إلى طبيعة الخطاب الذي اعتمده تالاريكو خلال حملته، إذ استند إلى مرجعية دينية مسيحية تقدمية، ربط من خلالها الإيمان بقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الأقل دخلاً والمهاجرين والأقليات.

وقد تجاوزت المنافسة بين المرشحين حدود الخلافات الحزبية والبرامج الاقتصادية، لتتحول إلى مواجهة بشأن دور الدين في الحياة السياسية الأميركية، والجهة التي تمتلك حق تقديم التفسير الأكثر انسجاماً مع التعاليم المسيحية، بين تيار محافظ يرتبط باليمين الجمهوري والقومية المسيحية، وآخر تقدمي يرى في التعاليم الدينية أساساً للدفاع عن المساواة والعدالة الاجتماعية.

 

صراع على تفسير المسيحية

ويبلغ تالاريكو 37 عاماً، وهو سياسي ديمقراطي وطالب سابق في الدراسات اللاهوتية، يستعد للعمل في المجال الكنسي، وقد جعل من خلفيته الدينية ركناً أساسياً في خطابه الانتخابي، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مسألة شخصية منفصلة عن مواقفه السياسية.

ويردد تالاريكو في خطاباته أن محبة الله لا تنسجم مع كراهية الآخرين، مستنداً إلى هذا المبدأ في الدفاع عن المهاجرين والفقراء والأقليات، وانتقاد السياسات التي يرى أنها تؤدي إلى تهميش الفئات الضعيفة.

كما استحضر قصة المسيح عندما قلب موائد الصيارفة والتجار في الهيكل، واتخذ منها رمزاً لمواجهة أصحاب النفوذ والثروات، مطلقاً خطاباً يدعو إلى تغيير النظام السياسي والاقتصادي الذي يمنح الطبقات الأكثر ثراءً نفوذاً واسعاً على حساب بقية المجتمع.

اقتصادياً، يطرح تالاريكو برنامجاً يتضمن زيادة الضرائب على أصحاب المليارات والشركات الكبرى، ورفع الحد الأدنى للأجور الفيدرالي إلى 15 دولاراً في الساعة، إلى جانب توسيع نطاق الرعاية الصحية وتحسين فرص الحصول على التعليم المبكر.

في المقابل، قدم باكستون نفسه مدافعاً عن القيم المسيحية المحافظة، وركز على معارضة الإجهاض وتعزيز حضور الدين في المدارس والمؤسسات العامة، إلى جانب مهاجمة ما وصفه بالتوجهات اليسارية المتطرفة.

ولم تقتصر المواجهة على الاختلافات الفكرية، إذ واجه باكستون انتقادات مرتبطة باتهامات سابقة بالفساد، خضع على إثرها لإجراءات عزل في مجلس الشيوخ بالولاية، قبل تبرئته، فضلاً عن خلافات زوجية انتهت بطلب الطلاق عام 2025، وهي قضايا أثارت نقاشاً بشأن التناقض بين الخطاب الأخلاقي لبعض الشخصيات المحافظة وسجلاتها الشخصية والسياسية.

 

اختراق معقل جمهوري تاريخي

وتكتسب نتيجة تكساس أهمية إضافية بالنظر إلى تاريخها الانتخابي، إذ لم يفز ديمقراطي بمقعد الولاية في مجلس الشيوخ منذ عام 1988، كما لم ينجح الحزب في انتزاع منصب منتخب على مستوى الولاية منذ عام 1994.

وكان ترامب قد فاز بتكساس في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 بفارق يقارب 14 نقطة مئوية، ما جعل المنافسة على مقعد مجلس الشيوخ اختباراً مهماً لقدرة الديمقراطيين على استقطاب شرائح خارج قواعدهم التقليدية.

ولم تعتمد استراتيجية تالاريكو على محاولة تغيير قناعات جميع الناخبين المحافظين، بل ركزت على استقطاب المسيحيين المعتدلين والمستقلين، إلى جانب تنشيط القاعدة الديمقراطية والناخبين السود واللاتينيين.

 

من تكساس إلى كانساس وجورجيا

ولم تكن تجربة تالاريكو الوحيدة التي استعادت فيها المرجعية الدينية حضورها داخل الحزب الديمقراطي، إذ حقق القس آدم هاميلتون فوزاً تاريخياً في ولاية كانساس، بعدما تغلب على السيناتور الجمهوري روجر مارشال، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بمقعد الولاية في مجلس الشيوخ منذ عام 1932.

وهاميلتون قس ميثودي يقود كنيسة تضم نحو 25 ألف شخص، واستند في حملته إلى خطاب وسطي يركز على كرامة الإنسان ومساعدة الفقراء والتعاون بين الحزبين، مع رفض توظيف العقيدة الدينية لفرض توجهات محددة على مؤسسات الدولة.

أما في جورجيا، فيقدم السيناتور الديمقراطي رافائيل وارنوك نموذجاً آخر، مستنداً إلى خلفيته كقس في كنيسة إبنيزر المعمدانية بمدينة أتلانتا، المرتبطة تاريخياً بمارتن لوثر كينغ وحركة الحقوق المدنية.

وفاز وارنوك بمقعد مجلس الشيوخ عام 2021، ثم احتفظ به في انتخابات 2022، مستفيداً من خطاب يجمع بين المرجعية الدينية والقضايا الاجتماعية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية ومواجهة التمييز العنصري.

 

جذور تاريخية للمسيحية التقدمية

ولا يمثل صعود هذه الشخصيات توجهاً مستحدثاً في السياسة الأميركية، بل يعيد إحياء تقليد ديني واجتماعي يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، عُرف باسم الإنجيل الاجتماعي، ودعا إلى جعل مواجهة الفقر والاستغلال والتفاوت الاقتصادي جزءاً من المسؤولية الدينية.

وكان اللاهوتي والتر راوشنبوش من أبرز منظري هذا الاتجاه، إذ ربط بين التعاليم المسيحية والإصلاح الاجتماعي، معتبراً أن معالجة الظروف التي تنتج الفقر والظلم لا تقل أهمية عن الاهتمام بخلاص الأفراد.

وامتدت هذه الأفكار لاحقاً إلى حملات القس جيسي جاكسون الرئاسية عامي 1984 و1988، عندما سعى إلى جمع السود والعمال والمزارعين والأقليات ضمن تحالف سياسي واسع، كما برز القس ويليام باربر الثاني في السنوات الأخيرة من خلال تحركاته المناهضة للتمييز الاقتصادي والقيود المفروضة على التصويت.

 

تحديات أمام الديمقراطيين

ورغم النتائج الأخيرة، لا تزال أمام الديمقراطيين عقبات تتعلق بمدى قدرتهم على استعادة ثقة الناخبين المتدينين، خصوصاً أن بيانات الانتخابات الرئاسية لعام 2024 أظهرت تصويت 81% من البروتستانت الإنجيليين البيض لترامب، مقابل 58% من البروتستانت البيض غير الإنجيليين.

وتشير هذه الأرقام إلى صعوبة اختراق القاعدة الإنجيلية المحافظة، ما يجعل استقطاب المسيحيين المعتدلين والمستقلين والناخبين الذين لا يتبنون المواقف المتشددة أولوية أكثر واقعية للحزب.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب بيل ماكيبن أن عودة رجال الدين التقدميين إلى المجال السياسي قد تشكل أحد التحولات المهمة داخل الحزب الديمقراطي، في مواجهة صعود القومية المسيحية وهيمنة اليمين الديني على الخطاب العام خلال العقود الماضية.

وبذلك، تكشف نتائج تكساس وكانساس، إلى جانب تجربة جورجيا، عن عودة توظيف المرجعية الدينية في الخطاب الديمقراطي، لكن بصيغ مختلفة تجمع بين العدالة الاجتماعية والاعتدال السياسي والدفاع عن الفئات المهمشة، في محاولة لاستعادة مساحة دينية ظل اليمين الجمهوري يتمتع بنفوذ واسع داخلها.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 2

اقرأ أيضاً