تشهد محافظة الخليل جنوبي الضفة الغربية تحركات استيطانية متسارعة، مع إقامة أربع بؤر جديدة في مناطق متفرقة تمتد من جنوبها الشرقي إلى جنوبها الغربي، بين مدينتي يطا ودورا. وتستهدف هذه التحركات مئات الدونمات من الأراضي الفلسطينية الخاصة، بالتزامن مع إجراءات عسكرية إسرائيلية شملت فرض حصار على أحياء غرب الخليل استمر عشرة أيام، اعتباراً من 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وحتى فجر الاثنين.
وتزامنت إقامة البؤر مع إعلان المجلس الإقليمي لمستوطنات جبل الخليل، مساء السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول، عزمه إنشاء ثماني نقاط استيطانية جديدة، رداً على عملية نفذها الشابان أحمد وحمود الجعبة عند مدخل منطقة فرش الهوى شمال غرب الخليل، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل استشهاد المنفذين.
وبحسب عضو دائرة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بالخليل، محمد الدراويش، بدأت التحركات الميدانية لإقامة البؤر صباح الجمعة، يوم وقوع العملية، أي بعد ساعات من تنفيذها. وأوضح أن المستوطنين نصبوا خياماً في منطقة «جويّ» الواقعة بين بلدة الظاهرية وقرية بيت الروش الفوقا التابعة لمدينة دورا، وأحضروا معدات للحفر وأدوات زراعية، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية على التلال المحيطة، تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال.
وتقدر مساحة الأراضي المستولى عليها في المنطقة بنحو 400 دونم، وفق الدراويش، الذي أشار إلى أن الاستيلاء يجري بذريعة تصنيفها «أراضي دولة»، وهو تصنيف تستخدمه سلطات الاحتلال للأراضي التي لا تتوافر بشأنها قيود تسجيل ملكية في المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، بما يتيح لها التعامل معها باعتبارها أراضي عامة وفق إجراءاتها.
شرعنة بؤر وربط المستوطنات
في سياق متصل، دخل قرار شرعنة مستوطنة «بني كيدم»، الواقعة بين بلدتي سعير والشيوخ شمال شرقي الخليل، حيز التنفيذ يوم الجمعة الماضي، بحسب الدراويش. وكانت المنطقة في الأصل بؤرة استيطانية تابعة لمستوطنة «ميتساد/أسفار»، قبل أن يقرر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية «الكابينت»، في 11 ديسمبر/كانون الأول 2025، تحويلها إلى مستوطنة مستقلة ضمن قرار شمل إقامة مستوطنات أخرى.
وتتيح شرعنة البؤرة، وفق الإجراءات الإسرائيلية، منحها صفة قانونية رسمية من جانب الحكومة، بما يسمح بتخصيص موازنات حكومية لها، خلافاً للبؤر التي قد تظل عرضة للإزالة إذا صدر قرار سياسي بذلك.
ولا يقتصر أثر الخطوة على تثبيت الوجود الاستيطاني في الموقع، إذ أشار الدراويش إلى وجود مساعٍ لربط «بني كيدم» بمستوطنة «نيجهوت» المقامة على أراضي مدينة دورا، بما يعزز التواصل الجغرافي بين مواقع الاستيطان في المنطقة.
ويرى الدراويش أن إقامة البؤر الجديدة تندرج ضمن تحركات تهدف إلى عزل مناطق جنوب الخليل وغربها عن وسط المحافظة وشرقها، وإقامة حزام استيطاني يحد من التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية والأراضي الواقعة غرب الخليل.
هدم منشآت وقيود على الحركة
ترافقت التحركات الاستيطانية مع إجراءات إسرائيلية استهدفت منشآت فلسطينية في محيط موقع عملية فرش الهوى. فبتوجيهات من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، صدرت تعليمات بهدم منشآت تجارية وصناعية بذريعة أمنية، وفق ما أورده الدراويش، الذي وصف استخدام هذه الذريعة لاستهداف المنشآت بأنه إجراء غير مسبوق في المنطقة.
وشملت عمليات الهدم نحو 15 منشأة صغيرة وكبيرة قرب موقع العملية، في وقت كانت فيه السلطات الإسرائيلية قد استخدمت ذرائع مشابهة سابقاً لاستهداف الأشجار في المناطق المحاذية لجدار الفصل العنصري.
أما في غرب الخليل، فقد حاول مستوطنون إقامة بؤرة جديدة بين بلدة بيت كاحل ومنطقة فرش الهوى، حيث رفعوا أعلاماً إسرائيلية على أراضٍ خاصة، وخربوا أكواخاً في أراضٍ زراعية ومصايف. ولم يتمكنوا حتى الآن من تثبيت البؤرة في المواقع المستهدفة، بسبب تصنيف الأراضي باعتبارها ملكيات خاصة.
ثلاث بؤر في محيط مسافر يطا
في المناطق الجنوبية المحيطة بمسافر يطا، أقام المستوطنون ثلاث بؤر جديدة بعد يومين من عملية فرش الهوى، ويعملون على توسيعها واستقدام مستوطنين للإقامة فيها.
وقال رئيس مجلس مسافر يطا، نضال أبو عرام، إن البؤرة الأولى أقيمت في منطقة أم الدرج بالقرب من منازل السكان في بادية يطا، فيما أقيمت الثانية في الجهة الغربية بمنطقة بيت عمرة. وأضاف أن المستوطنين نصبوا نحو ثلاث خيام في كل موقع، وجلبوا قطعاناً من الأغنام، وأقاموا غرفاً خشبية وهياكل لمركبات متنقلة تستخدم للمبيت.
أما البؤرة الثالثة، فأقيمت في منطقة خلة الفرا الواقعة بين يطا وبلدة السموع جنوباً، على أراضٍ زراعية تضم محاصيل تعود لمزارعين من يطا.
وأوضح أبو عرام أن تحديد مساحة الأراضي المستولى عليها لا يزال متعذراً، بسبب حداثة إقامة البؤر ومنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها. كما أشار إلى أن المستوطنين ينصبون أكواخاً خشبية بمحاذاة أراضٍ مصنفة ضمن المنطقة «ب»، التي لا تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة.
واتهم أبو عرام مستوطناً مسلحاً يُعرف باسم «شيم توف» بالإشراف على إقامة هذه البؤر في مناطق مختلفة من يطا، من خلال جلب قطعان الأغنام والأبقار والعمل على تثبيت مواقع استيطانية جديدة.
بالتزامن مع ذلك، تواصل قوات الاحتلال إغلاق البوابات المؤدية إلى مسافر يطا، ومصادرة المركبات الفلسطينية، إذ صادرت 12 مركبة تعود لسكان المنطقة ومنعتهم من الوصول إلى الشارع الالتفافي.
وتشير الوقائع الميدانية، وفق إفادات المسؤولين المحليين، إلى أن التحركات الاستيطانية لم تقتصر على إقامة البؤر، بل ترافقت مع هدم منشآت فلسطينية وفرض قيود على الحركة والوصول إلى الأراضي الزراعية. وتثير هذه الإجراءات مخاوف السكان من اتساع نطاق الاستيلاء على الأراضي، وتراجع قدرتهم على الوصول إلى ممتلكاتهم ومصادر رزقهم، في ظل استمرار القيود العسكرية المفروضة على مناطق واسعة من محافظة الخليل.