عاد ملف النازحين السوريين إلى صدارة المباحثات اللبنانية السورية، مع تحرك بيروت نحو دمشق لبحث آليات تنظيم العودة، في ظل استمرار تدفق النازحين إلى لبنان، رغم عودة نحو 700 ألف سوري إلى بلادهم منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن بلاده لم تعد قادرة على استيعاب مزيد من النازحين السوريين، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على تنظيم عودتهم بالتنسيق مع السلطات السورية، وعلى مراحل تضمن معالجة الملف بصورة منظمة. ودعا المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى تقديم المساعدات للنازحين داخل سوريا بدلاً من حصرها في لبنان، بما يسهم في تشجيع الراغبين على العودة.
جاء موقف عون خلال استقباله المديرة العامة للمركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة، سوزان راب، الثلاثاء، بعد زيارة وفد وزاري لبناني إلى دمشق، الاثنين، حمل مطالب تتعلق بتعاون السلطات السورية في تنظيم عودة النازحين، وتوفير حوافز تساعد المترددين على اتخاذ قرار العودة.
وتتمثل المطالب اللبنانية، وفق مصدر رسمي، في وضع آلية مشتركة تضمن عودة آمنة ومنظمة على مراحل، بعيداً عن أي إجراءات جماعية مفاجئة. كما تطالب بيروت بحصر المساعدات والتمويل المخصصين للنازحين بالعائدين إلى سوريا، انطلاقاً من أن الظروف التي دفعت كثيرين إلى مغادرة بلادهم تغيرت منذ سقوط النظام السابق.
لكن المصدر أشار إلى أن لبنان لم يتلقَّ حتى الآن رداً سورياً واضحاً بشأن هذه المطالب، لافتاً إلى أن استمرار حركة النزوح باتجاه الأراضي اللبنانية يزيد صعوبة معالجة الملف. وأوضح أن عودة نحو 700 ألف سوري لا تعكس وحدها حجم التغير في أعداد المقيمين، إذ دخلت أعداد أخرى إلى لبنان خلال الفترة نفسها.
أرقام اللجوء والعودة
تُظهر سجلات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود 854 ألفاً و633 لاجئاً سورياً مسجلاً في لبنان، إلى جانب 12 ألفاً و218 لاجئاً وطالب لجوء من جنسيات أخرى.
وتفيد بيانات المفوضية بأن نحو 700 ألف سوري مسجلين لديها في لبنان عادوا إلى بلادهم بين كانون الأول 2024 ونهاية أيلول 2026.
في إطار دعم العودة الطوعية، أُطلق برنامج برعاية الأمم المتحدة لتوفير المعلومات والمساعدة القانونية والنقل والدعم المالي للراغبين في الرجوع إلى سوريا عبر المعابر الحدودية الرسمية. ونُظمت ضمن البرنامج 23 رحلة عودة، من بينها قافلة انطلقت الأسبوع الماضي من طرابلس وضمت 61 شخصاً.
وتوضح المتحدثة باسم المفوضية في لبنان، دلال حرب، أن البرنامج يمنح كل عائد 100 دولار لمرة واحدة للمساعدة في تغطية تكاليف العودة، كما تحصل بعض الأسر الأكثر ضعفاً على مساعدة إضافية بقيمة 300 دولار للعائلة.
أما داخل سوريا، فتُتاح للأسر المستوفية لشروط الاستفادة، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفاً، مساعدات نقدية تصل إلى 600 دولار للعائلة الواحدة، وفق تقييم الاحتياجات ومعايير البرنامج.
عوائق العودة
رغم تزايد رغبة بعض اللاجئين في العودة بعد التغييرات السياسية التي شهدتها سوريا، لا تزال مخاوف أمنية ومعيشية تحول دون اتخاذ كثيرين قرار الرجوع. وتشير المفوضية إلى أن عدداً كبيراً من اللاجئين عبّر عن نيته العودة في الوقت الراهن أو خلال الفترة المقبلة، لكن حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع في سوريا تدفع آخرين إلى التريث.
وتشمل أبرز المخاوف الأوضاع الأمنية، وصعوبة تأمين السكن، خصوصاً لدى الذين فقدوا منازلهم أو تعذر عليهم استعادتها، إضافة إلى محدودية الخدمات الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية، وقلة فرص العمل، وتعقيدات قضايا الأراضي والممتلكات. كما يثير تراجع المساعدات الإنسانية تساؤلات بشأن قدرة العائلات على تلبية احتياجاتها بعد العودة.
ولتوفير معلومات واضحة للراغبين في الرجوع، تدير المفوضية منصة إلكترونية بعنوان «سوريا هي الوطن»، تتضمن إرشادات بشأن الوثائق الرسمية والسكن والرعاية الصحية والتعليم وإجراءات العودة. كما تقدم المفوضية وشركاؤها داخل سوريا المساعدة القانونية والاستشارات، إلى جانب إحالة الحالات إلى الجهات المختصة.
إعادة الاندماج مسؤولية مشتركة
يرى الكاتب والباحث السياسي السوري ماهر التمران أن عودة اللاجئين يجب أن تكون أولوية وطنية لسوريا، مشدداً على أن تشجيعهم لا يتحقق بمجرد تسهيل عبور الحدود أو تقديم مساعدات مالية، بل يتطلب توفير ضمانات قانونية تحمي الممتلكات، وتأمين السكن والتعليم والرعاية الصحية وفرص العمل.
ويشير التمران إلى أن معالجة الملف تتجاوز الإمكانات المالية للبنان وسوريا، من دون أن تعفي البلدين من مسؤولياتهما السياسية. فلبنان يسعى إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن اللجوء، بينما تحتاج سوريا إلى استعادة مواردها البشرية والمساهمة في إعادة بناء المجتمع والاقتصاد.
ويؤكد أن تحقيق عودة مستدامة يتطلب شراكة دولية تنتقل من تمويل المساعدات الإغاثية إلى دعم التعافي وإعادة دمج العائدين، مقترحاً إنشاء صندوق دولي مخصص لهذا الغرض، مع التشديد على ضرورة ألا تتحول المساعدات إلى وسيلة للضغط على اللاجئين أو التأثير في قراراتهم.
وبين المطالب اللبنانية بتخفيف أعباء النزوح، والحاجة السورية إلى تهيئة الظروف المناسبة لاستقبال العائدين، تظل العودة المستدامة مرتبطة بتوفير الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية، إلى جانب تنسيق رسمي بين البلدين ودعم دولي يضمن أن يكون قرار الرجوع طوعياً وآمناً.