أعادت التعديلات التي طالت المناهج المدرسية في سوريا فتح النقاش حول شكل التعليم في مرحلة ما بعد سقوط النظام المخلوع، وحدود المراجعة المطلوبة لإزالة رموزه ومضامينه الأيديولوجية، من دون أن تتحول عملية الإصلاح إلى وسيلة لفرض تصورات اجتماعية أو دينية جديدة على الطلاب.
فبينما تبدو إزالة الدعاية السياسية من الكتب خطوة ضرورية لمعالجة إرث عقود من حكم النظام السابق، أثارت نماذج متداولة لتعديلات على صور النساء والأعمال الفنية تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة، خصوصاً مع ظهور رسومات أضيف إليها الحجاب أو عُدّلت عناصر فيها، إلى جانب حذف صور من سياقها التعليمي.
وأكدت وزارة التربية والتعليم أن التعديلات التي أُجريت منذ «التحرير» اقتصرت على حذف رموز النظام المخلوع ومضامينه الأيديولوجية، وتصحيح الصور والمحتوى المرتبط بها، ولا سيما في مناهج الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية. كما أعلنت إنجاز الإطار الوطني العام للمناهج، تمهيداً لإعداد مناهج جديدة.
لكن الجدل تجاوز مسألة حذف الرموز السياسية إلى طبيعة التغييرات التي تمس صورة المجتمع السوري وتنوعه، ومدى استنادها إلى مراجعة تربوية وفنية متخصصة، في ظل الدور الذي تؤديه المناهج في تشكيل وعي الأطفال وذاكرتهم الثقافية.
تنقيح محدود وإرث متشعب
الباحث في الشؤون الاجتماعية سلمان العباس، الذي شارك في لجان لتنقيح المناهج في مناطق خرجت عن سيطرة نظام الأسد المخلوع، يصف عمل تلك اللجان بأنه «تنقيح جزئي» اقتصر على الحذف، وشمل قصائد تمجّد حافظ الأسد، ومادة القومية، وبعض دروس التاريخ والجغرافيا.
وأشار إلى أن لجان التنقيح اعتمدت في مادة الجغرافيا خريطة سوريا بحدودها الحالية، من دون إدراج لواء إسكندرون، معتبراً أن طريقة عرض الخريطة في عهد النظام كانت تتأثر بعلاقاته السياسية مع تركيا.
ويربط العباس الإبقاء على المنهاج العام آنذاك باعتبارات عملية، أبرزها الحفاظ على اعتماد الشهادات وإمكانية معادلتها، وتجنب إرباك طلاب التعليم الأساسي والثانوية العامة. واستمر هذا النهج سنوات، قبل أن تتجه مناطق سورية إلى تجارب تعليمية مختلفة، شملت تعديلات أوسع في شمال غربي البلاد، ومناهج بديلة أشرفت عليها سلطات محلية في شمالي حلب، وهو ما يكشف حجم التحديات أمام توحيد المناهج مستقبلاً.
من جهته، يرى مدير معهد إعداد المدرسين في مارع، صلاح الخطيب، أن التغييرات الواسعة تحتاج إلى وقت وجهد وكلفة مرتفعة، واصفاً التعديلات الحالية بأنها محدودة، وطالت رسوماً وعبارات ومضامين مرتبطة بتمجيد النظام المخلوع في كتب التربية الإسلامية والدراسات الاجتماعية.
صورة المرأة في المناهج
تتركز مساحة واسعة من الجدل على التعديلات التي ظهرت في صور النساء والرسومات والأعمال الفنية. ويقدم العباس أكثر من تفسير لهذه التغييرات؛ إذ يرى أن بعضها قد يعود إلى ضعف التنفيذ الفني وافتقار المصممين إلى الخبرة، مستشهداً بصورة تمثال مصري قديم أضيفت إليه صدرية، في تعديل اعتبره أقرب إلى التشويه البصري منه إلى المعالجة التربوية.
في المقابل، يلفت إلى محدودية تمثيل المرأة المحجبة في المناهج السابقة، ويرى أن زيادة حضورها في بعض الرسومات قد تعكس محاولة لجعل الكتب أكثر تعبيراً عن مجتمع محافظ، شرط ألا يتحول الحجاب إلى النموذج الوحيد الذي تظهر به المرأة السورية.
ويشدد العباس على ضرورة أن تعكس المناهج تنوع النساء السوريات، من المحجبات وغير المحجبات، وأن تظهر اختلاف أشكال الحجاب والأدوار الاجتماعية والمهنية. ويربط النقاش أيضاً بشعور بالمظلومية لدى قطاعات محافظة، بسبب الصورة التي ظهرت بها المرأة المحجبة في بعض الأعمال الإعلامية خلال عهد النظام المخلوع، إذ ارتبط حضورها أحياناً بشخصيات المتسولة أو المستضعفة أو المتشددة.
لكن العباس يحذر من أن معالجة نقص التمثيل السابق قد تقود إلى تعديلات أحادية إذا لم تخضع لمعايير مدروسة، بحيث يُستبدل نموذج بآخر بدلاً من توسيع صورة المجتمع.
من زاوية أخرى، يرى المدرس الجامعي والباحث في مركز جسور للدراسات، الدكتور ماهر مجد الدين عابدين، أن نظام الأسد أقصى جوانب من الهوية الدينية والقومية للمجتمع السوري، ولا سيما في مواد الدراسات الاجتماعية، عبر تقديم المجتمع بصورة أحادية.
ويؤكد عابدين ضرورة تصحيح هذا الإرث وإبراز التنوع السوري، محذراً من أن معالجة الإقصاء السابق برد فعل غير مدروس قد تؤدي إلى إقصاء جديد. ويلتقي في ذلك مع العباس بشأن أهمية تمثيل المجتمع بتنوعه، لكنه يضع القضية ضمن إطار أوسع يتعلق ببناء هوية وطنية جامعة.
الذاكرة المدرسية
لا يقتصر النقاش على المضامين السياسية والاجتماعية، بل يمتد إلى الذاكرة التي صنعتها الكتب المدرسية لدى أجيال من السوريين. فشخصيات مثل ريم ورامز وميسون ورباب، ورسومات ممتاز البحرة، وقصائد وأسماء رافقت الطلاب لسنوات، أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية، رغم نشأتها ضمن سياق سياسي وأيديولوجي محدد.
ويشير العباس إلى أن رسومات ممتاز البحرة حملت على مدى عقود ملامح مرتبطة بالتصور الاشتراكي العربي بصيغته البعثية، بدءاً من هيئة الفلاح والعامل وصولاً إلى أزياء النساء والأطفال. كما يلفت إلى الحضور الواسع لأسماء مثل سليمان العيسى وقسطنطين زريق، ويرى أن قربهما من الفكر البعثي أسهم في منحهما مساحة أكبر مقارنة بأدباء آخرين.
لكن الحنين إلى شخصيات الطفولة لا يعني بالضرورة تبني الأيديولوجيا التي أحاطت بالمناهج القديمة، كما أن نقد تلك الأيديولوجيا لا يستدعي تجاهل القيمة الثقافية والإنسانية لبعض ما تركته الكتب في ذاكرة الطلاب.
ويربط عابدين الذاكرة المدرسية كذلك بضرورة توثيق تاريخ سوريا منذ انقلاب البعث عام 1963 حتى سقوط النظام عام 2024، بما يساعد الأجيال الجديدة على فهم تاريخ البلاد وتصحيح الروايات التي استخدمها النظام لتبرير سلطته، مع الفصل بين المعرفة التاريخية والدعاية السياسية.
هوية الدولة والتعليم
يرى العباس أن الخلاف حول المناهج يرتبط بالسؤال الأوسع عن هوية الدولة السورية في المرحلة الانتقالية، إذ يمثل التعليم جانباً أساسياً من رؤيتها للمواطنة والحقوق والواجبات.
وفي ظل وجود إعلان دستوري مؤقت بانتظار دستور دائم، تتباين التصورات بشأن مرجعية التعليم؛ فهناك اتجاهات تدفع نحو مناهج أكثر ارتباطاً بالمرجعية الإسلامية، في حين يدعو آخرون إلى الاستفادة من التجارب الغربية. ويحذر العباس من أن الاستقطاب بين هذه الرؤى قد يضيّق مساحة التوافق على مشروع تربوي وطني مشترك.
من يضع المناهج؟
في مواجهة هذه التحديات، يدعو عابدين إلى تشكيل هيئة وطنية تضم الجهات المعنية بالتعليم والثقافة، تتولى مراجعة المناهج وفق معايير موضوعية تحد من الانحياز السياسي أو الديني أو الطائفي أو القومي. غير أن فاعلية هذه الهيئة، بحسب طبيعة المهمة، ترتبط بطريقة تشكيلها واستقلاليتها وشفافية عملها وتنوع الخبرات المشاركة فيها.
أما الخطيب، فيرى أن إعداد المناهج الرسمية ينبغي أن يمر بمراحل تبدأ بتشكيل لجان من أصحاب الخبرات التربوية والعلمية، تعمل تحت إشراف مختصين لإعداد محتوى يراعي التطورات العلمية والفئات العمرية، ويربط المعرفة النظرية بالتطبيق.
ويقترح أن تُجرّب المناهج في مدارس ومراحل تعليمية مختلفة وفي أكثر من محافظة، ثم تُجمع الملاحظات وتُجرى التعديلات اللازمة قبل اعتمادها وتعميمها، مع الاستفادة من الخبرات المحلية والإقليمية والدولية.
ويؤكد عابدين بدوره ضرورة وجود إطار وطني تشارك فيه الوزارات والجهات المعنية، بما يجعل مراجعة المناهج عملية مؤسسية تستند إلى معايير واضحة، لا إلى توجهات سياسية أو دينية متغيرة.
وبين التنقيح العاجل لإزالة رموز النظام ودعايته، وإعداد مناهج جديدة تتطلب بحثاً وتجريباً ومراجعة شاملة، تبرز ضرورة الفصل بين المسارين، إذ تختلف أهداف كل منهما وأدواته، ولا يمكن إخضاعهما للسرعة والمعايير ذاتها.
تكشف التعديلات المتداولة أن النقاش لا يتعلق بالصور والرسومات وحدها، بل يمتد إلى كيفية التعامل مع إرث النظام السابق، وتمثيل التنوع السوري، وحدود تأثير الرؤى الاجتماعية والسياسية في التعليم. وبين أخطاء محتملة في التنفيذ ومحاولات لتعويض نقص سابق في تمثيل بعض الفئات، تبقى الحاجة قائمة إلى معايير معلنة وآليات مراجعة واضحة.
في بلد يعيد بناء مؤسساته بعد عقود من الاستبداد والانقسام، لا تقل طريقة إعداد المناهج أهمية عن محتواها؛ فهي تحتاج إلى معرفة دقيقة بالتاريخ، وتمثيل متوازن للمجتمع، ومساحة للتفكير النقدي، وإجراءات مؤسسية تسمح بمراجعة القرارات وتصحيحها.